عادت باكستان للواجهة الدولية مع ازدياد عمليات الإرهاب هناك، وما تتركه من خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات، رغم رضوخ الحكومة لمطالب طالبان في بعض المناطق بتطبيق الشريعة الإسلامية على أبشع نحو وغلق مدارس البنات وهدمها، فضلا عن أن مواقد الإرهاب هناك راحت تدرب وتصدر بكثافة الإرهابيين للغرب، ولاسيما بين الباكستانيين من حملة الجنسية البريطانية.
إن هذه الحملة القاعدية ndash; الطالبانية تتزامن مع تصعيد عمليات الإرهاب الكبيرة داخل أفغانستان، وما تكبد من خسائر بين الشرطة والمواطنين وقوات الناتو.
عندما تشتعل الحرائق مجددا على نطاق أوسع بفعل الجهات المجرمة نفسها، ورغم التجارب القريبة، فإنه من المبرر التذكير ببعض الحقائق.
في العام المنصرم نشرنا عدة مقالات عن باكستان في إبان الأزمة الداخلية ضد الرئيس السابق برويز مشرف. كان عنوان مقالنا في 16 نوفمبر 2006 هو: quot; الرئيس مشرف بين خطر الإسلاميين والهوس الانتخابي الغربيquot;، قاصدين الحملة الواسعة للمطالبة بالانتخابات العاجلة وبرحيل مشرف، سواء من جانب المعارضة أو أوساط دولية عديدة واليسار الغربي.
لقد انتقدنا مشرف لسياسته المزدوجة في التعامل مع المتطرفين الإسلاميين الباكستانيين ومع طالبان ومع عناصر الاستخبارات التي كانت تتعاون مهم. كان يضرب هنا ليعود غاضا النظر هناك، كما وأشرنا للدور التخريبي للكتاتيب الدينية، النافثة لسموم التطرف، وقد دفع مشرف ثمنا باهظا لأخطائه هذه، فطوقوه قبل الانتخاباتnbsp; وراحت الطعنات تنهش فيه.
كان مشرف حاكما عسكريا، ولكنه لمnbsp; يكنnbsp; ديكتاتورا دمويا كصدام، ولا أقام نظاما شموليا، بل كانت هناك أحزاب وانتخابات.
لقد تطورت الأمور بعدئذ بوصول المعارضة للحكم ومغادرة مشرف مضطرا؛ فهل تحسنت الأحوال؟ كلا، بل لقد ازدادت سوءا لأن أحزاب المعارضة سبق وأن تساهلت مع الإسلاميين خلال رئاسة بي نظير بوتو، التي كانت باكستان في عهدها أول دولة تعترف بنظام طالبان، ونواز شريف، الذي اختار المعارضة اليوم أيضا، قد خطا خطوات جديدة، عند رئاسة الحكومة، في التنازل للإسلاميين والتطرف الإسلامي.
لقد ورد في مقالنا بتاريخ 8 يناير 2008:
quot; إن الوضع المتفجر في باكستان لا يتحمل مزايدات نواز شريف وحزب الشعب، بل هو يستدعي التعاون المشترك لصد الخطر الإرهابي، ولتعزيز الحياة السياسية البرلمانية. إن على مشرف، من جانبه، التعاون الوثيق مع الفائزين في الانتخابات القادمة، وهو مدعو إلى تشديد محاربة الأصولية المتطرفةquot; وquot; إن استقرار باكستان يحتل اليوم مركز الصدارة في المهام التي تواجه الوطنيين الباكستانيين، من مدنيين وعسكريين، وإن الجيش هو القوة الأساسية لضرب الخطر، ومن حسن الحظ أن مشرف لا يزال يتمتع بثقة الجيش.quot;
جرت الانتخابات، وأجبروا مشرف على مغادرة السلطة، فتدهورت الأوضاع الأمنية لأبعد الحدود كما نشاهد اليوم.
إن الوضعين في أفغانستان وباكستان مترابطان، حيث أن لطالبان والقاعدة قواعد ومراكز قوية، مسلحة داخل حدود الثانية، وكانت إدارة بوش قد دشنت غارات جوية على تلك المعاقل، والإدارة الجديدة تواصل تطبيق نفس التكتيك، مقرونا بتقديم مساعدات ضخمة لحكومة باكستان لتوظيفها في حماية أمنها وذلك كجزء من إستراتيجية مكافحة طالبان والقاعدة داخل أفغانستان، والحيلولة دون عودة نظام طالبان.
إن تبدل الإدارة الأميركية، وعدم تبلور تفاصيل السياسة الخارجية الأميركية إلا تدريجيا، والاعتقاد بان أوباما، نصف المسلم، هو رئيس ضعيف أو ملائكي، وإن الأزمة المالية الكبرى؛ لعل كل هذا واحد من بين عوامل التقاط الإرهابيين لأنفاسهم مؤخرا، متوهمين أنهم على أبواب الانتصار الساحق.
أميركا في متاعب أفغانية، وسترسل قوات إضافية متواصلة لأفغانستان، وهو أمر مطلوب،nbsp; وهذه المتاعب أيضا هي من بين أسباب التوجه المبالغ فيه لاوباما نحو إيران لعلها تساعد في تحسين وضع أفغانستان مقابل الانفتاح الواسع عليها. كما في نية اوباما تشكيل لجنة تضم الصين وباكستان وروسيا وإيران للمشاورة والمساعدة في الشأن الأفغاني. فهل ستنجح هذه الإستراتيجية؟؟
لا نعتقد إن إيران ستلعب دورا إيجابيا ما في أفغانستان إلا بأبهظ الأثمان، كالاعتراف بها كدولة نووية، وإطلاق يديها في المنطقة. وفيما يخص الصين، فهي التي دربت وتدرب كوادر حراس الثورة الإيرانيين، ولها مصالح تجارية كبيرة مع إيران، كما أنها تشن اليوم حرب تجسس إلكترونية ضد بريطانيا وعشرات من الدول الأخرى قد تهدد بتعطيل الكثير من مرافقها لو شاءت الصين. أما روسيا، فهي التي أملت على قرغيزيا عدم تجديد السماح لطائرات الناتو بنقل الإمدادات لأفغانستان، وهي تواصل التوسع في القطب الشمالي، وفي إقامة القواعد البحرية والجوية في دول جديدة. فهل ستقبل مساعدة واشنطن ما لم تعترف لها بسياستها الابتزازية والتوسعية الراهنة تجاه أوكرانيا وجورجيا وتشيكيا وبولندة، وباستخدام سلاح الغاز ابتزازاً حتى تجاه الاتحاد الأوروبي؟
نعتقد أن باكستان، من بين هذه الدول، هي التي يمكن أن تلعب دورا مهما في حماية أمن أفغانستان فيما لو استطاعت حماية أمنها هي أولا من طالبان والقاعدة داخل أراضيها ومن الجماعات الباكستانية المتشددة، وفيما لو قامت بتطهير أجهزة المخابرات من المتواطئين مع الإرهابيين والمتشددين.
يبقى التفكير الأميركي في الحوار مع ما يطلق عليهم quot;المعتدلونquot; بين طالبان، ومحاولة نقل تجربة الصحوات العراقية، وهذا وقوع في وهم كبير وخطر كما ذكرنا في مقال سابق.