-1-
بعيداً عن التهم المتبادلة بين الإعلام المصري وquot;حزب اللهquot;، والتي ستُثبت صحتها أو عدم صحتها غداً المحكمة المدنية المصرية، أو المحكمة العسكرية المصرية كما يتردد الآن في الأوساط المصرية، فإن هناك عدة أسئلة لا بُدَّ أن القارئ العربي الفصيح، والمتلقي العربي الحذق ndash; وهم فئة قليلة في الشارع العربي- يلقيانها على أنفسهما، وعلينا، وعلى كل عاقل آخر، بعيداً عن الزفَّات الإعلامية المتشنجة، التي تجري في الشارع المصري، وفي الجنوب اللبناني، ومنطقة الضاحية في بيروت، التي تُعتبر بمثابة مستعمرة كاملة وتامة، لـ quot;حزب اللهquot;.

-2-
من الواضح الآن، أن quot;حزب اللهquot; في لبنان، قد ألغى دور الدولة اللبنانية تماماً، فيما يتخذ من قرارات مصيرية، وكأن وجوده أصبح على أرض غير لبنانية، لا دولة فيها.
فهل يُعقل، أن يُعلن quot;حزب اللهquot; الحرب على إسرائيل، بقرار ذاتي من عندياته، والدولة اللبنانية كالزوج المخدوع آخر من يعلم؟*
وهل يُعقل، أن يتصلَّ quot;حزب اللهquot; بسوريا وإيران يومياً، وعلى كافة المستويات دون علم وخبر الدولة اللبنانية، وكأن الدولة اللبنانية (شُرّابة خُرْج) لا (تكشُّ ولا تنش)؟ فرئيس الجمهورية في بعبدا، دمية متحفية برأي quot;حزب اللهquot;، ورئيس الوزراء والوزراء في السرايا الحكومية (طراطير) برأي quot;حزب اللهquot;، الذي لا يقيم وزناً لأحد في لبنان غير وزنه هو.
فهو الدولة والدولة هو.
فلماذا إذن، كان ذاك المخاض العسير والصعب، لانتخاب رئيس الجمهورية؟
ولماذا إذن، كانت كل هذه (الدوشة) السياسية في انسحاب المعارضة من الحكومة، وتأليف حكومة quot;الوحدة الوطنيةquot; الحالية، والثلث الضامن، والثلث المعطل، وكل هذه (الزعبرات)؟

-3-
فهل تسمح مصر مثلاً لـ quot;حزب الوفدquot;، أو quot;حزب التجمعquot;، أو الإخوان المسلمين، أو غيرهم من الأحزاب المصرية، بأن يتصل بدولة أجنبية، ويجري معها محادثات عسكرية، وسياسية، ولوجستية، ليلاً نهاراً، ويتلقى سلاحاً ويرسل سلاحاً. ويتلقى منها العتاد والمال، دون أن يكون للدولة المصرية علم بذلك، كما يفعل quot;حزب اللهquot; الآن في لبنان؟
وهو بذلك يسخر ويستهزئ بكل أركان الدولة اللبنانية، ولا يحسب لها أي حساب، بأمواله وسلاحه، ومقاتليه، ومواصلاته، واتصالاته، ورجاله في الجيش، والأمن، والمطار، والبنوك .. الخ. ولا يخضع لأي قانون، أو نظام، من قوانين وأنظمة الدولة اللبنانية.
بل إن الدولة اللبنانية لا تجرؤ، على اتخاذ أي قرار يمسُّ quot;حزب اللهquot; من قريب أو بعيد. ولعلكم تذكرون الأزمة الكبرى التي سببها قرار الحكومة اللبنانية بالكشف عن وسائل الاتصالات التابعة لـ quot;حزب اللهquot;، ونقل مدير أمن مطار بيروت المحسوب على حزب الله. وكيف تراجعت الحكومة عن هذين القرارين، تراجع الأرانب أما الضباع.
بل إن الإعلام اللبناني بهامش حريته النسبية الواسعة، لا يستطيع أن ينال من حسن نصر الله أي نقد. فبعض أفراد من الشعب اللبناني يسبّون الذات الإلهية، في الشارع اللبناني، ولكن لا أحد يستطيع سبَّ حسن نصر الله أو quot;حزب اللهquot;. وتذكرون جيداً الاحتجاجات (مظاهرات وحرق دواليب) التي جرت، عندما تناول أحد برامج محطة LBC السياسية الفكاهية حسن نصر الله بالسخرية، وكادت المحطة أن تُنسف من جرّاء ذلك، لولا، ولولا!

-4-
لقد تعمدنا ndash; كما لاحظتم ndash; في كافة مقالاتنا عن quot;حرب تموزquot; 2006 بين إسرائيل وquot;حزب اللهquot;، أن نقول دائماً، أن الحرب بين quot;حزب اللهquot; وإسرائيل، وليس بين لبنان وإسرائيل. ذلك أن quot;حزب اللهquot; هو الذي بدأ الحرب بخطف الجنديين الإسرائيليين، وهو الذي قاتل إسرائيل، دون تدخل الجيش اللبناني، وهو الذي قبل الهدنة، وهو الذي فاوض إسرائيل بخصوص المعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، ولم تشترك الدولة اللبنانية، ولم تعلم عن أية جزئية من هذه الإجراءات قط.
واليوم الخلاف بين مصر وquot;حزب اللهquot;، ليست خلافاً بين مصر ولبنان، ولكنه مع quot;حزب اللهquot; بالذات. وكأن quot;حزب اللهquot; يعمل في على ظهر كوكب آخر، لا علاقة له بلبنان.
وقد فوجئت الدولة اللبنانية ndash; وهي دائماً تُفاجأ بمثل هذه الأحداث ndash; بهذا الخلاف وهي النائمة في العسل، ولا تعلم أن quot;حزب اللهquot; يفعل في مصر، ما أعلنته التحقيقات المصرية حتى الآن.

-5-
quot;حزب اللهquot;، يأخذ من الدولة اللبنانية كل شيء، ولا يعطيها أي شيء.
يأخذ منها الحجر والبشر. ويأخذ الأرض التي يُقيم عليها، ويتدرب، ويحارب، ويُقيم الفضائيات الإعلامية. ولا يسمح لها أن تسأل سؤالاً واحداً عمَّا يفعل. فهو كالإله ﴿لا يُسأل عمَّا يفعل وهم يسألون﴾ (أي الدولة اللبنانية).
و quot;حزب اللهquot;، يأخذ من الدولة اللبنانية الغطاء الدولي كدولة، والغطاء الإعلامي كحزب مُهرِّب للسلاح من وإلى لبنان، ولا يُعطي الدولة اللبنانية أي حق في أن تعلم ماذا يجري على أرضها، وفي غرفة نومها. فالدولة اللبنانية كالزوج المخدوع ndash; كما قلنا ndash; آخر من يعلم. فلم يعلم السنيوره - مثلاً - بالذي كان يفعله quot;حزب اللهquot; في مصر إلا مؤخراً. وأثناء إجازته الخاصة في مصر.
وquot;حزب اللهquot; يفرض على الدولة اللبنانية مسؤولياتها عن إعادة الإعمار لما سببته حروبه الدونكيشوتية مع إسرائيل. ولا يتفاوض مع الدولة اللبنانية حول إعلان أو بداية الحرب.
إن quot;حزب اللهquot; يأخذ من الدولة اللبنانية كل ما يريد، ولا يعطيها شيئاً مما تريد.

-6-
وأخيراً، لدي اقتراحان خبيثان وعسليان، ولكنهما سامّان.
الأول: أن يخضع quot;حزب اللهquot; خضوعاً تاماً للدولة اللبنانية، ويصبح باتصالاته، وعلاقاته، وماله، وسلاحه، ورجاله، جزءاً لا يتجزأ من الدولة اللبنانية، لكي يُطلق عليه quot;حزب لبنانيquot;. وهذا بالطبع مستحيل جداً، بل من سابع المستحيلات.
الثاني: أن ينفصل quot;حزب اللهquot; كليةً عن الدولة اللبنانية. وهو ما هو قائم الآن فعلياً، ولا ينقصه غير الاسم فقط. ويصبح دولة (جمهورية جنوب لبنان الإسلامية) بحدِّ ذاتها (علمُها وجيشها ومالها وإعلامها، وكل مستلزماتها قائمة الآن)، ويطلب الانضمام إلى الأمم المتحدة، وإلى اعتراف دول العالم به (أول المعترفين ستكون إيران وسوريا)، ويتحمَّل هو تبعات كافة تصرفاته كاملة، حيال الدول الأخرى، وخاصة إسرائيل. دون أن يُشرك لبنان في الضرَّاء، ويستثنيه من السرَّاء، كما يفعل الآن.

السلام عليكم.