من مفكرة سفير عربي في اليابان
تعتمد سوق الأسهم والعقار في الاقتصاد الرأسمالي على دورات تصاعدية لقيمة أسعارها، والمرتبطة بتوقعات ربحيتها في مضاربات السوق، لتصل فقاعتها للذروة وتنفجر. وقد تكررت هذه الدورة في الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية، فارتفعت أسعار العقار والأسهم، وترافقت بارتفاع أسعار منتجات قروض إسكانية سامة، لتنفجر فقاعتها فجأة، وتتبخر عشرات التريليونات من الدولارات، وتفلس العديد من الشركات والمؤسسات المالية. وقد أدى ذلك لوقف البنوك الإقراض، ليقل الاستهلاك وتنخفض إنتاجية المصانع ولتزداد نسب البطالة. وانصدم الشعب الأمريكي بشدة هذه الأزمة، وعملت حكومته لتخفيف سلبياتها، ليصرح الرئيس أوباما في خطابه في الثالث عشر من مارس الماضي بالقول: quot;الاقتصاد الأمريكي سيتجاوز محنته، وسيأتي اليوم الذي ستكون الولايات المتحدة مثلا لاقتصاد ما بعد الفقاعة، الذي لا يعتمد على التضخم في أسعار العقار والأسهم، ولا على ديون بطاقات إتمان المستهلكين. فقد انتهت هذه الحقبة، وعلينا الرجوع لأساسيات اقتصادنا.quot; فما الذي يقصده الرئيس الأمريكي باقتصاد ما بعد الفقاعة؟ وكيف سيرجع الاقتصاد الأمريكي لأساسياته؟
nbsp;لقد ناقش الاقتصادي الأمريكي مارك ويزبروت انهيار سوق الأسهم والعقار في مقال بالصحيفة الإلكترونية الترنت يقول فيه: quot;تآكل قيمة الأسهم مؤشر لتحول اقتصادي نحو الأفضل. فالأسعار الواقعية التي تناسب قيمة ربحيتها ستؤدي لرجوع التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جديد. ففي جميع أنحاء الولايات المتحدة، بدأت سفينة الاقتصاد تغرق، فقد كانت هناك فقاعة في سوق الأسهم، وقد انفجرت، ولن ترجع هذه السوق لما كانت عليه من قبل. ولم تكن الفضائح المحاسبية وتجاوزات المؤسسات المالية هي السبب الرئيسي للأزمة الاقتصادية الخانقة، بل كانت مجرد الزناد الذي أرجع أسعار الأسهم لقيمتها الواقعية والبعيدة عن مضاربات السوق الجشعة.quot; كما أكد الاقتصادي الغربي دين بيكر بضرورة فقد الأسهم نصف سعرها لتخلق توازن مستمر بين سعر هذه الأسهم وربحية شركاتها، كما اعتبر ما يسمي بتحطم سوق الأسهم برجوع حالة التوازن للسوق بعد أن فقدت الأسهم أكثر من نصف قيمة أسعارها، وبأن هذه بداية لصفحة جديدة في تاريخ الاقتصاد الأمريكي، والذي سماه بعصر ما بعد الفقاعة، والتي ستلعب سوق الأسهم دور متواضع في اقتصاده. ويخالف هذا التغير الفلسفة التي يكررها البعض بأن قوة سوق الأسهم تعكس القوة الاقتصادية للبلاد. والحقيقة بأن ارتفاع أسعار الأسهم ليس لها علاقة بقوة الاقتصاد، كما أنها لا تعكس المستوى المعيشي لمعظم المواطنين، ولتفهم ذلك نحتاج لمراجعة تاريخية.
ففي بداية القرن العشرين استمر مؤشر داو لسوق الأسهم الأمريكية في الارتفاع خلال ثلاثة عقود قبل أن تنهار هذه السوق في عام 1929، و احتاجت لسنوات طويلة لرجوع ثقة المستثمرين بها. ففي خلال الفترة بين عام 1946 وحتى عام 1973 لم تتعدى نسبة العائلات الأمريكية التي تتعامل بسوق الأسهم عن 20%، ولم تلعب هذه السوق دور كبير في توفير الاستثمارات للصناعة، ومع ذلك نمى الاقتصاد بشكل سريع بفضل اهتمام الدولة والقطاع الخاص بتطوير الشركات الصناعية، وبعدالة توزيع الربحية بين القوى العاملة وتوفير شبكة حماية اجتماعية لهم، لتكون فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية فترة مشاركة الثراء والازدهار. بينما ازدهرت سوق الأسهم خلال الفترة من عام 1973 وحتى عام 2000 لتشارك في تعاملاتها 50% من العائلات الأمريكية. وقد وصلت فقاعة هذه السوق لذروتها خلال فترة الثمانيات والتسعينيات، ولم تترافق بعدالة توزيع الربحية بين القوى العاملة، فلم تتغير نسبة ارتفاع متوسط الرواتب في هذه الفترة عن معدل الصفر. كما أدى ارتفاع أسعار الأسهم لتغير كبير في توزيع الدخل في التاريخ الأمريكي، بسبب أن نصف العائلات الأمريكية لم تتعامل في الأسهم، كما أن الملايين من الشعب خسروا تقاعدهم بإفلاس الشركات الخاصة. وقد دعم رجال السياسة quot;محتالي سوق الأسهمquot; حينما صفقوا لتضخم الفقاعة بأنه نمو اقتصادي. وقد تستطيع الحكومة الأمريكية أن تخفف الأزمة باستبدال الاستهلاك الخاص بالاستهلاك الحكومي بقدر ما هو ضروري لاستمرار النمو الاقتصادي ومنع ارتفاع نسب البطالة. ويؤكد الكاتب: quot;بضرورة ألا نخلط بين تحسن سوق الأسهم والنمو الاقتصادي، وبانتهاء هذه الأوهام ستنتهي اللمعة الفضية لسوق الأسهم، وستموت سوق خصخصة التأمين الاجتماعي، كما قد ينتهي عصر مالكي المؤسسات ليتحول اعتماد مستقبلهم على الرواتب. ويبدو بأن الشعب الأمريكي غاضب لعدم مشاركة قواه العاملة خلال الثلاث عقود الماضية في الازدهار الاقتصادي لبلاده. وسيتحول الاهتمام في عصر اقتصاد ما بعد انفجار الفقاعة للبرامج الاجتماعية لتكون على رأس قائمة الأولويات.quot;
وقد حاول هارولد ميرسون الصحفي بصحيفة الواشنطون بوست أن يناقش الحلول المطروحة لاقتصاد ما بعد الفقاعة. فكتب مقال بصحيفة اليابان تايمز في السابع عشر من مارس الحالي وتساءل عن نوع الرأسمالية التي ستناسب اقتصاد بلاده ما بعد انفجار الفقاعة فقال: quot;بعد أن فشلت أساسيات السوق التي التزمنا بها خلال الثلاث عقود الماضية، وبعد أن أنصدم ألان غرينسبان بوهم النظرية التي تعتقد بأن المؤسسات المالية تحمي رأسمال المساهمين، يبدو بأننا في حاجة اليوم لرأسمالية مرتبطة بمستلزماتنا الوطنية، بعد أن انهار نموذج ريجن- تشر الذي فضل زيادة صفقات المؤسسات المالية على تقدم الصناعات المحلية، مما أدى لانخفاض التصنيع الأمريكي وتوازن سلبي في التصدير، وحول المجتمع الأمريكي لمجتمع تجاري غير مهتم بالإنتاجية، بل اعتمد على جشع صفقات جمع المال، وبذخ الاستهلاك.quot; فحينما كانت شركات التصنيع مسيطرة على الاقتصاد الوطني في الخمسينيات والستينيات، كانت تربح هذه الشركات من تطورات البنية التحتية والتعليم، والتي ترافقت بارتفاع مدة الدراسة في الولايات المتحدة بمتوسط سبع سنوات، منذ عام1875 وحتى عام 1975، مما أدى لتوفير قوى عاملة متعلمة ومنافسه لباقي دول الغرب، ومع الأسف لم تتغير فترة الدراسة منذ عام 1975. وقد فصلت الحلقة بين الرأسمالية الأمريكية والمصالح الولايات المتحدة بدعم زيادة المؤسسات المالية وانتشار العولمة، ولم تسمح عولمة التصنيع للرجوع لمستوى التصنيع في العقود الذهبية للرئيس دوايت ايزنهور. ويؤكد الكاتب بضرورة التركيز من جديد على صنع الأشياء بدل صنع الصفقات المالية وبيع المنتجات العقارية السامة.
كما أعجب ميرسون بالخطط الاقتصادية الألمانية، والتي ما زال التصنيع فيها ينافس صفقات المعاملات المالية، لذلك حافظت ألمانيا على مركزها كقائدة عالمية للتصدير الصناعي. ولم تستسلم الرأسمالية الألمانية، للصناعة الصفقات المالية التي سيطرت على أسواق الولايات المتحدة وبريطانيا منذ الثمانينيات، بل استمرت شركاتها الصناعية بجمع رأسمالها من مدخرات أرباحها وفوائد بنوكها بدل مضاربات تعاملات السوق المالية. فقد خطط مدراء الشركات الألمانية لسياسات طويلة الأمد، واستمروا في تنظيم ضغوطات السوق لمنع إغراءات أرباح مضاربات تعاملاتها القصيرة الأمد. كما دعمت ألمانيا نموذج الرأسمالية التي تهتم بالأداء الطويل الأمد في الشركات الصناعية والمرتبطة بمودعي الأموال، وقللوا من أهمية رغبة الربحية السريعة للمساهمين. وأيدوا مشاركة القوى العاملة في المجالس الإدارية لتناقش مصالحها، كما أن هناك نسبة عالية منهم في الاتحادات العمالية. وترافق كل ذلك بتوزيع عادل للدخل بين القوى العاملة، وضمانات اجتماعية سخية في التدريب والرعاية الصحية وتأمين التقاعد والتعطل. ومع ذلك استمرت الشركات الألمانية منافسه عالميا في حيويتها المالية وجودة منتجاتها، بينما فشل الاقتصاد الأمريكي المعتمد على الربحية السريعة للمساهمين، وعلى التصدير مع انخفاض نسب الاستهلاك. وناقش الكاتب إمكانية أن تكون رأسمالية ألمانيا نموذجا للرأسمالية الأمريكية، وتخوف من خطورة النسبة التي وصلت لها الولايات المتحدة بين الإنتاجية والاستهلاكية، وبين جمع الأموال وزيادة الديون. ويعتقد بأن هناك حاجة لتنظيم القطاع المالي، بخلق ثقافة تجارية تعتمد على الاستثمارات الطوية الأمد والربحية الحقيقية الاقتصادية والاجتماعية، لا على المضاربات، وبأن لا تكون مسئولية الشركات القانونية أمام المساهمين فقط، بل أيضا أمام مودعي الأموال والقوى العاملة وأبناء المجتمع. وسيحتاج ذلك لتغير الأنظمة الخاصة التي تحكم تشكيلة المجالس التنفيذية. ويعتقد الكاتب بأن هناك حاجة للاستفادة أيضا من تجربة الرأسمالية الاسكندينافية، لمساندة الصناعة والتي هي أقل تركيزا على التصنيع من النموذج الألماني، بل اهتمت بمهارات القوى العاملة في مجال الخدمات والبيع بالمفرد. وستحتاج الولايات المتحدة لقوانين تشجع على تحول وظائف الرعاية الاجتماعية للأطفال والمسنين والأمن الخاص لوظائف تخصصية، والاستثمار في تدريب المدرسيين والممرضين والعاملين في رعاية الأطفال. وأختتم الكاتب مقاله بالقول: quot;فستؤدي هذه السياسات لاستدامة الرخاء بدل الاستثمار في فقاعة الأسهم التي كانت جذابة للول ستريت وحتى الموت، وخاصة بعد خلط مضاربات الأسهم بديناميكية الاقتصاد، فرأسمالية الوول ستريت تحتضر وبخزي كبير. فهل حان الوقت لنموذج أفضل.quot; والسؤال لعزيزي القارئ: هل ستتجنب اقتصاديات المينا (الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) رأسمالية مضاربات الأسهم والعقار؟ وهل ستبني بالتعاون مع الدول المتقدمة اقتصاد يعتمد على الصناعات التكنولوجية المتطورة؟ وهل ستوفر دولها بيئة ناجحة للشركات الصناعية الصغيرة والتي تمثل 99.7% من الاقتصاد الأمريكي؟ وهل ستطور قواها العاملة لتخلق طبقة عاملة عالية المهارة التكنولوجية والثقافة، لتطور مجتمعاتها نحو الاستقرار والرخاء، وتبتعد عن الخلافات والحروب؟nbsp;nbsp;nbsp;
سفير مملكة البحرين في اليابان