nbsp;يمر العالم في واحدة من أخطر أزماته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لا نعني هنا الأزمة الاقتصادية الطاحنة وحدها، وضحاياها من عشرات الملايين ممن يفقدون العمل، ومئات الآلاف الذين يجردون من دورهم. هذه الأزمة الكبرى ستستمر بضع سنوات أخرى لكي تعيد الرأسمالية عافيتها وفق معاير وضوابط جديدة.
ما نقصده هنا هو تفاقم الأخطار على أمن الشعوب وسلامتها، وعلى الأمن والسلام العالميين. إن هذه الأخطار قد تزايدت على مدى الشهور القليلة الماضية، ولاسيما إصرار إيران على التخصيب، والزحف الطالباني على باكستان، وتصاعد العمليات الإرهابية في أفغانستان، وتمدد القاعدة من جديد، بخططها الإرهابية وتفجيراتها، داخل الدول العربية والغرب.
إن السؤال هو عما إذا كان للسياسات المرتبكة والرخوة لاوباما، وتنازلاته المتواصلة لقوى التطرف والأنظمة الخارجة على إرادة المجتمع الدولي، دور في هذه التطورات الخطيرة.
لقد استعرضنا في مقالنا quot;(هبات) سياسية أميركية كبرى في غير محلها!! quot; بعض هذه التنازلات وعواقبها، ومن حقنا أن نسأل لماذا صارت السياسة الأميركية تسير على هذا النهج وإلى أية معايير وتحليلات وتصورات تستند.
يبدو أن أوباما واقع بين دوامة من الآراء والتوصيات السياسية المتناقضة، سواء من أقرب وزرائه ومستشاريه، أو مما تنشره الصحافة القريبة من الحزب الديمقراطي مثل نيويورك تايمس، والملاحظ، كما نرى، أن الخلافات ووجهات النظر المتناقضة تطغي في هذه الدوامة، مما يجعل السياسة الخارجية الأميركية مرتبكة وبتراجع مستمر، وهي لم تصل بعد لمرحلة التبلور والتحديد الدقيق لسبل حل المعضلات الدولية الشائكة.
لقد أشرنا في أحد مقالاتنا إلى الصحفي في نيويورك تايمس، روجير كوهين، ومقالاته المتواصلة بعد زيارة إيران، وهو اليوم يواصل الكتابة بالاتجاه ذاته وبنفس الروح. إن خلاصة سلسلة مقالاته الخاصة بإيران هي أن خامنئي واقعي ويمكن التفاهم معه، وأن أحمدي نجاد هو رجل الحوار، وأن الموضوع النووي مجرد مبالغات إسرائيلية كمن يواصل الصراخ quot;جاء الذئب.quot;
أما المناقشات في دوائر القرار الأميركي والمرتبطة بها من معاهد بحث في الشأن الأمني، فالكثير عن ذلك ينشر في الصحف الغربية وبعض الصحف العربية، مشيرين مثلا إلى تقرير مهم نشرته للتو quot;الشرق الأوسطquot; بتاريخ 24 نيسان 2009 حول سياسة اوباما نحو إيران، ومقال قبله للأستاذ مشاري الذايدي في 7 منه تحت عنوان quot; الرقص مع الشيطان الأمريكيquot;، والمادتان حافلتان بالمعلومات الدقيقة.
يبدأ الذايدي مقاله هكذا:
[من quot;الخط الأحمرquot; الذي رسمه مسئولون مصريون في الانفتاح على الحركات الأصولية السياسية إلى quot;الهرولةquot; الأميركية الخضراء باتجاه quot;المعتدلينquot; الأصوليين في العالم الإسلامي، بما فيهم جماعة طالبان طبعا، يتصاعد دخان الفوضى ليشتبك بضباب المصالح والتفكير المرحلي السريع - الضحية في هذا كله هي العين الباصرة التي يغشاها دخان الفوضى وضباب المصالح.quot; نقول لقد جاء جواب quot;معتدليquot; طالبان سريعا جدا باستمرار التمدد المسلح في أنحاء باكستان، التي توشك على الوقوع بين وحوش التطرف والإرهاب اللذين يجدان اليوم وقودا من الضجة الكبرى عن quot;ضحاياquot; غوانتينامو المساكين!
nbsp;quot;إن الحديث المحموم عن وجوب الحوار والتواصل مع الأصوليين يواصل صخبه، سواء بين خبراء أميركيين عرب، أو في حلقات المشاورات الأميركية الداخلية الرسمية. إن الصحفي الأميركي فريد زكريا يدعو في quot;نيوزويكquot; إلى ترك المتطرفين الإسلاميين يعملون ما يشاءون في مجتمعاتهم ما دام أنهم quot;غير قادرينquot; على إلحاق الأذى بأميركا! عجيب؟ هل نسي هذا quot;الخبيرquot; العبقري 11 سبتمبر، وما قبله، وما بعده، من عمليات إرهابية دموية في دول الغرب؟ كيف يمكن لأنظمة قائمة على إيديولوجيا دينية، تكفيرية، توسعية، أن لا تشكل خطرا على الولايات المتحدة وكل الغرب، بل وعلى الدول العربية والإسلامية المعتدلة نفسها؟!quot;]
إيميل نخلة، الذي كان مستشارا في جهاز المخابرات الأميركية، فيدعو إلى حوار quot;ضروريquot; مع الإخوان المسلمين وحزب الله وحماس وكل حركات الإسلام السياسي بحجة أن لها شعبية في الشارع. هؤلاء وأوباما ومستشاروه ينسون أنه ليس للغرب مشكلة مع الإسلام بل هي مشكلة المسلمين المتطرفين مع الغرب، وحرياته ومبادئه الديمقراطية، وهو ما بينته مثلا صحيفة quot;الفيجاروquot; في فبراير 2006 بمناسبة دعوى إسلامية ضد صحيفة فرنسية.
أما عن الموقف من إيران فلا يزال أوباما في دوامة التشويش وquot;اللخبطةquot;، وتدل كل الشهادات والمعلومات المنشورة والمذاعة على أن الإدارة الجديدة لا تملك بعد سياسة واضحة ومحددة في الموضوع، وعلى أن ثمة تعددا في الاجتهادات لحد القبول باستمرار التخصيب الإيراني مع إغراء إيران بحزمة محفزات لإقناعها بأن لا تنتج القنبلة!! إن تقرير الشرق الأوسط ينقل عن ديفيد أرون ميلر، المفاوض السابق للشرق الأوسط في وزارة الخارجية، رأيه في أن quot;الحوارquot; مع إيران سيستمر طويلا، ويقول: quot; يجب أن ننظر فيلما أميركيا ndash; إيرانيا طويلاquot;، مضيفا: quot; أنا لست واثقا من أننا نعرف ما هي سياساتنا......quot;، وquot; إذا أردنا أن نتحدث للإيرانيين خلال العامين المقبلين علينا أن نقبل حقيقة واحدة وهي أن الإيرانيين لن يوقفوا تخصيب اليورانيوم.quot; إذن فهل هو حوار لمجرد الحوار؟! ثمة خبراء آخرون يرون أن المفاوضات الجدية مع إيران ستبدأ مع نهاية العام الحالي، وتقول جاكلين شبر، الخبيرة في معهد الأمن بواشنطن، إن quot;المهم أن نحدد أن الهدف النهائي للمباحثات هو وقف التخصيب سواء أخذ هذا عاما أو عامين أو 5 أعوام ndash; أي حوار مفتوح بلا سقف زمني والمستفيد طبعا نظام الملالي ليستيقظ أوباما يوما ولإيران أكثر من قنبلة واحدة.
ثمة اجتهاد آخر يرى أن التقرب من سوريا سوف quot;يقلقquot; إيران، وقد يدفعها ذلك لتعديل موقفها.
إن هذه عينة من الاجتهادات والتوصيات التي نعتقد انها قاصرة وواقعة في أوهام كثيرة كإمكان فصم العلاقة الإستراتيجية بين سوريا وإيران، أو وقف الاندفاع الإيراني نحو القنبلة، أو إقناع البشير بوقف حملة الإبادة في دارفور بمجرد تجاهل واشنطن لقرار المحكمة الجنائية الدولية، أو إقناع المتطرف الإسلامي، حامل لواء العنف باسم الجهاد، بالاعتدال واحترام الآخر وحقوق الإنسان وحقوق المرأة خاصة، وإقناعه بالعمل السلمي، أو وهم إقناع حزب الله بالانفصال عن إيران أو العكس، أو جعل خالد مشعل يقبل بالحل السلمي للقضية الفلسطينية والاعتراف بدولة إسرائيل.
إنها لمجموعة من التخيلات الملائكية والأوهام العسلية بينما شياطين التطرف والشر تواصل الهدم وتحدي المجتمع الدولي، مستضعفة الولايات المتحدة بعد أن اتخذ أوباما، ولا يزال يتخذ، سلسلة مواقف وإجراءات تضع أميركا في قفص الاتهام أمام العالم، بما ينعش بوجه خاص المتطرفين الإسلاميين وأنظمتهم واليسار الغربي المتطرف، وبالتالي إضعاف المصداقية الأميركية وشل اليد الأميركية.
هاهي طالبان غازية وعائدة، والقاعدة تفجر المئات من جديد في العراق، وإيران تواصل التخصيب، وأميركا إزاء هذه التطورات الساخنة تبدو شبه عاجزة، ولحد أن ديفيد ميلر يصرح: quot; بدأت أسأل نفسي: هل ما زالت أميركا قوة عظمى؟ إجابة هذا السؤال في نهاية ولاية اوباما.quot;
إن كل تهالك أوباما لكسب ود العالم الإسلامي، بما في ذلك اختيار مسلمة محجبة كمستشارة للشؤون الإسلامية، لم ولن يوقف مد التطرف والعنف الشرسين ووقف استهتار دول ككوريا الشمالية وإيران والسودان بالقرارات الدولية.
أميركا لا تزال القوة العظمى، ولكن إن لم يعدّل أوباما سياسته القائمة على الانتقام من إدارة بوش وسياساته بما يصح تشخيصه بضرب لأميركا نفسها،، وإن لم يقتنع بأن الشعبية لا تكفي لوحدها، برغم أهميتها، وهي قد تصعد وتنزل، وقد تتحول لعكسها؛ نقول، إن لم يتم هذا التعديل والانعطاف، فإن مكانة الولايات المتحدة كدولة عظمى قد تتآكل تدريجيا، وتخلو الساحة لوحوش التطرف والعنف.
إن السياسات الأميركية الجارية لن تنقذ من الأزمات الحادة جدا بل هي تساعد على اندلاعها، ولن تطفئ مواقد الحروب الإقليمية بل قد تشعلها، بما في ذلك احتمال حرب إسرائيلية ndash; إيرانية، أو عدوان كوري شمالي، أو حصول القاعدة وطالبان على قنابل باكستان.
يبدو لنا أن اوباما قد اختار، من بين كل الرؤساء الذين سبقوه، مثال جيمي كارتر، الذي ساعدت سياسته على قيام نظام الملالي، وكانت المكافأة احتلال السفارة الأميركية في طهران، واستصغار خميني لكارتر بوصفه quot;دجاجة بلا رأسquot;!!