قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

-1-
الأصولية الدينية، ليست قاصرة على الإسلام وحده، أو على منطقة معينة من العالم كمنطقة الشرق الأوسط مثلاً، ولكنها موجودة في الأديان السماوية الأخرى، وفي مناطق مختلفة من العالم، حتى المتقدم منها.
فهناك أصولية مسيحية متشددة في أمريكا، تمنع تدريس نظرية دارون في المدارس والجامعات في بعض الولايات الأمريكية حتى الآن. والأصوليات جميعها تشترك معاً في قواسم مشتركة واحدة، وهي التطرف، والغلو، والتشدد، والتفسير الحرفي للنصوص، ومعاداة النظريات العلمية، ومنع إعمال العقل في النص الديني، ولكن بدرجات متفاوتة.
ولو كان لدينا ما اقترحه هاشم صالح في كتابه quot;معضلة الأصولية الإسلاميةquot; من إقامة quot;علم الأصوليات المقارنةquot;، لاستطعنا أن نكتشف بوضوح من أن الأصولية الإسلامية، هي أقل الأصوليات الدينية السماوية الثلاث تطرفاً، وغلواً، وتشدداً، وكذلك مساحةً وفضاءً. ولكن جامعة شيكاغو استطاعت أن تقوم بجزء كبير من هذه المهمة (علم الأصوليات المقارنة) عندما رصدت خمسة ملايين دولار، من أجل كتابة بحوث عن الأصوليات المقارنة، والتي انتهت في خمس مجلدات، درست كافة الأصوليات في العالم، دراسة علمية مقارنة.
-2-
إن ارتفاع وتيرة رمي الإسلام بالعنف، ظهرت بعد 11 سبتمبر 2001، عندما أصبح الإسلام في عين هذه العاصفة الكارثة، وما خلّفته الحملة العسكرية على العراق 2003 من آثار، وظهور العداء المسلح بين السُنَّة العرب والشيعة. وهذه الأحداث كلها، ليست غريبة، أو مستهجنة، في تاريخ الصراعات الدينية.
فهل ننسى المجازر الطائفية العنيفة، والحروب المذهبية الرهيبة، التي حصلت بين الكاثوليك والبروتستنت، في القرون الوسطى؟
وهل ننسى مجازر الكاثوليك والبروتستنت، في ايرلندا الشمالية حديثاً؟
وهل ننسى الصراع والمجازر، التي قامت بين البوذية والهندوسية؟
ومن هنا، يؤكد هاشم صالح، أن هناك فرقاً بين الدين كتنزيه، وتعالٍ، وروحانيات سامية، ومبادئ أخلاقية رائعة، وبين الدين كايديولوجيا سلطوية، أو سياسية، هدفها قهر الآخرين وإخضاعهم.
فكل الأديان، تحوّلت في لحظة ما، إلى إيديولوجيا سلطوية وقمعية. وهذا ما نعنيه بدراسة الدين داخل التاريخ، وليس من فوق التاريخ.

-3-
لقد ألبست الأصولية الدين الإسلامي لباساً غير اللباس الإلهي، كما قال عبد الرحمن الكواكبي، في كتابه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد). فمصطلحات دينية كـ quot;دار الحربquot;، وquot;دار السلامquot;، و quot; الولاء والبُراءquot; و quot;الحل هو الإسلامquot;، وغيرها من شعارات الأصولية الدينية/السياسية، ليست من القرآن، وليست من السُنَّة النبوية، وإنما هي من اختراع فقهاء السلفية/الأصولية الدينية. وقد شهدنا في نهاية القرن العشرين طوفاناً مريعاً، ومقالات غزيرة من فقهاء السلفية/الأصولية الدينية، يدافعون فيها عن هذه الشعارات، ويداورونها، ويحرّفونها، ويسلقونها، ويطبخونها بالبهارات الإسلامية المختلفة، لكي تبدو طعاماً إسلاموياً طيب الطعم، وشهي المذاق، للفتية والصبيان في المدارس، والمساجد، وحلقات الذكر. فلا ذكر لهذه الشعارات الدينية/السياسية السلفية/الأصولية في القرآن. وقبل الستينات من القرن العشرين، لم تكن هذه الشعارات في الأدبيات السلفية/الأصولية. ولكنها بعد هذا التاريخ، ومطاردة عبد الناصر للإخوان المسلمين، وهروبهم إلى دول الخليج، وسيطرتهم على مناهج التعليم الديني في معظم دول الخليج، أدخلوا هذه الشعارات في مناهج التعليم الديني (وخاصة في منهاج التوحيد كما نقرأ في مقولة quot;الولاء والبُراءquot;) ودرَّسوها، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من الإسلام. ولكنها في واقع الأمر، جزء لا يتجزأ من الأيديولوجية الأصولية الدينية/السياسية، التي نسمعها في خطابات رُعاة quot;القاعدةquot; في جبال وشعاب أفغانستان وباكستان، وخطابات الإخوان المسلمين، وغيرها من الجماعات الإسلاموية المتطرفة. وكانت مقولة quot;الولاء والبُراءquot; تُلقَّن للمصلين يوم الجمعة. وكان خطيب الجمعة رياض المسيميري، قد قال مرة على منبر صلاة الجمعة:
quot;من أبرز تلك المفاهيم العقدية التي غابت عن حياة كثير من المسلمين: مفهوم الولاء والبُراء، والذي يحسب بعض البسطاء أنه يندرج تحت جملة القضايا الجزئية أو الثانوية، وهو وهمٌ كبير وخطأ فادح، نتج عنه حالة مفزعة، من ظلم الناس بعضهم بعضاً من جهة، وتعظميهم وحبهم للكفار من جهة أخرى. وذلك انتكاس خطير في المفاهيم، وقلب مشين للأصول والقواعد، لذا وجب إيضاح هذا المفهوم الخطير - مفهوم الولاء والبُراء - حتى يعلم المسلم من يوالي، ومن يعادي، ومن يحب، ومن يبغض؟!
فأما الولاء: فمعناه أن يوالي المسلم إخوانه المسلمين، ويحبهم، ويرحمهم، وينصرهم، وينضم إلى جماعتهم، ظاهراً وباطناً.
وأما البُراء فمعناه: أن يتبرأ المسلم من الكفار، ويبغضهم، ويعاديهم، ويجاهدهم بلسانه، ونفسه، وماله.
السلام عليكم.