قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حين صعدت حماس إلى السلطة منذ ثلاث سنوات، راهن الكثيرون، ومنهم كاتب هذه السطور، على أن حماس السلطة، ستكون مختلفة عن حماس العصابة، فللمسئولية عند كل ذي عقل متطلباتها والتزاماتها، التي لابد وأن تختلف جذرياً، عن التزامات قيادة عصبة من الثوار، نذروا أنفسهم لقضية ما، وهم مستعدون للتضحية بالنفس، التي سيعتبرونها ثمناً زهيداً، يدفعونه عن طيب خاطر، من أجل الهدف الأسمى الذي آمنوا به، رغم أن حتى هؤلاء الثوار، لابد وأن يلتزم قادتهم بخطط وتكتيكات، تتيح توظيف تضحياتهم على أفضل وجه، لصالح القضية التي يناضلون من أجلها أولاً، وتقديراً لدماء هؤلاء الرجال ثانياً، حتى لا تضيع هباء، فيكونون كمن يسلمون أنفسهم، لقمة سائغة للعدو، ومعها القضية التي آمنوا بها.
من حق جماعة فدائية أو جهادية أن تتخذ لنفسها عقيدة انتحارية أو استشهادية، وأن لا تبحث عن نصر أو تحقيق مكاسب، وإنما تجعل غايتها الموت في سبيل الوطن أو الله، لكن غير المقبول إذا ما تسلمت هذه الجماعة السلطة على شعب، أن تفرض عليه الموت أو الانتحار الجماعي، ففوق لا معقولية هذا إلى حد الجنون، فإن القضية المدعاة هنا، لن يكون لها من معنى، بعد أن رحل الشعب إلى جنات الخلد.
على هذا النحو توقع كثيرون أن خطاب حماس وممارساتها العملية سوف تتغير بعد صعودها للسلطة، ليس على نهج التخلي عن المبادئ والثوابت، كما يقول خطاب العروبة الحنجوري، لكن التغيير المتوقع أو المرتجى، كان مرتبطاً بما تمليه مسئوليات رعاية مصالح شعب كامل، وليس بضع مئات أو حتى آلاف من حاملي السلاح. . فمن المفهوم والمقبول بل والمطلوب أن يضحي البعض من أجل صالح وبقاء أمة، لكن العكس يدخل في نطاق الجنون، أو في نطاق ما سيقاربه طرحنا هذا، فليس من قبيل السلامة العقلية، أن نطالب أمة بالتضحية من أجل بقاء فرد أو عصابته، وهذا بالتحديد ما حدث في الجنوب اللبناني، ثم في غزة الأسيرة بين مخالب تلك العصابة من الإرهابيين، الذين يطال إرهابهم بالدرجة الأولى الشعب الذي خرجوا من بين صفوفه، بأكثر مما يطال ذلك العدو الذي يتظاهرون استهدافه.
فالفرد المقاتل مثلاً يستحسن أن يكون مدرباً على أن يعيش على أكل الجراد والثعابين وكل ما يجد حوله، بل وأن يشرب بوله، إذا ما تعرض لحصار في ميدان القتال، أما الأطفال والنساء في أمة كاملة، فمن دعارة الخطاب مطالبتهم بالصمود على هذا النحو، كما سمعنا الشيخ إسماعيل هنية، يخطب في الجماهير قائلاً: نجوع ولا نركع، ولا يفهم مثلي ما هو الركوع، أكثر من أن يتضور شعب كامل جوعاً، لصالح الأشاوس المختبئين في غرف النوم أو الجحور، أو حتى في فنادق الخمس نجوم، في عواصم الممانعة والصمود والتصدي والمتاجرة، لتتحول قضية الشعب في غزة من مطالبة العدو باستعادة الحقوق الفلسطينية المسلوبة، إلى مطالبته بالسماح بإدخال الغذاء والدواء والوقود، بالتوازي مع تغير نظرة المجتمع العالمي للقضية الفلسطينية، من النظر إليها كقضية نضال شعب من أجل التحرر، تحتاج للمساندة السياسية والقانونية، إلى قضية لاجئين ومشردين وجوعى، تحتاج للتعاطف الإنساني، كما تحتاج للبحث عن علاج، لشفاء هذا الشعب من داء الإرهاب.. أليس هذا بالتحديد هو القضاء المبرم على القضية الفلسطينية، وعلى كل ما سبق وحققته من مكاسب سياسية على المستوى العالمي؟!
خسر المراهنون على تعقل حماس الرهان، لأن حماس، أو على الأقل قادتها، يندرجون ضمن تصنيف آخر غير تصنيف ثوار، فعلى مستوى العالم كله، وعبر مراحل التاريخ المختلفة، تحول الثوار بعد فترة من الكفاح المسلح إلى رجال دولة، يقدرون نوعية وحجم المسئوليات الجديدة والمختلفة التي ألقيت على عاتقهم، وكانوا في العديد من الحالات على مستوى المسئولية إزاء التحديات الجديدة، وربما خير مثال يتبادر إلى الذهن هنا الرئيس الكوبي السابق فيدل كاسترو، مقارنة برفيقه تشي جيفارا، الذي عاش ومات مقاتلاً، ورفض أن يتحول إلى رجل دولة، كما رفض أن يُحمِّل إدارة دولة تبعات إصراره على القتال حتى الموت، فغادر ليلقى مصيره الذي اختاره لنفسه، وسط من هم على شاكلته، مقاتلين أبداً. . أما كاسترو، فرغم ثباته الأسطوري على مبادئه، حتى بعد أن راح زمانها، وانقلب عليها أهلها، في سائر ما عرف بالمعسكر الشرقي، لكن مع ذلك التزم كاسترو بمسئولياته تجاه شعب كامل، واستطاع أن يعبر به عقوداً من العداء لأقوى دولة في العالم، بأقل قدر من الأضرار والخسائر، التي يستطيعون احتمالها، من أجل خاطر عيون كاسترو وتوجهاته الديكتاتورية والاشتراكية الفاشلة. . لكنه أبداً لم يذهب ببلاده إلى الدمار، وشعبة إلى الموت قصفاً وحصاراً وجوعاً، ولم يطلب منهم الصمود لآخر طفل وامرأة، وآخر حجر فوق حجر في بلاده، من أجل أن يظل هو سادراً في دعاوى انتصاراته التاريخية أو الإلهية.
يمكننا الزعم أنه في كثير من الأحيان كان الثوار، أو من خاضوا الحروب في سلك العسكرية، هم أصلح من يتولى حكم البلاد بعد فترات الحروب والكفاح المسلح، فهم من اختبر الحياة والموت معاً، وجاهدوا ليمهدوا بالموت والتضحيات، طريق الحياة الكريمة للملايين، وهؤلاء كانوا من خاضوا القتال كوسيلة، يصلون بها إلى أهداف تصوروها إنسانية وجوهرية لأمتهم، وليس لنوازع إجرامية وأيديولوجية متهوسة، تحتفي بالموت وتعادي الحياة، أو لنوازع ارتزاق، كما هو حال عصابات فلسطين المناضلة والمجاهدة.
الحقيقة أن ما عرفناه بالكفاح الفلسطيني المسلح، اجتذب منذ بدايته كل أنواع الرجال، الثوار والمتهوسين والمرتزقة، كذلك الشباب الذي لا يجد عملاً ولا مصدر رزق، إلا ببيع أو تأجير نفسه لزعماء العصابات، الذين في هذه الحالة يقومون بإنقاذه من الجوع، كما يوفرون له الشعور بذاته، وانتشاله من الإحساس بالضياع. . وإذا تغاضينا عن النهج الإرهابي الذي انتهجته منذ البداية أغلب المنظمات الفلسطينية، كخطف الطائرات ومذبحة أولمبياد ميونخ وما شابه، ثم ممارسات تلك المنظمات في الأردن ولبنان، وتحولها إلى البلطجة على مضيفيهم، ما دفع تلك الدول لاقتلاعهم، عبر مذابح راح ضحيتها، أكثر ممن راحوا فيما يسمى بالنضال ضد العدو الصهيوني، الأمر الذي جعل توصيف الإرهاب لصيقاً بالممارسات الفلسطينية، حتى قبل أن يتحول العالم كله إلى درء خطر الإرهاب، بعد غزوة نيويورك المباركة. . إذا تغاضينا عن كل هذا، يمكننا أن نتصور أن الراحل ياسر عرفات كان في طريقه لأن يصير رجل دولة، يتحمل مسئولية شعب له قضية عادلة، وليس من المنطقي إبادة هذا الشعب، في معرض النضال أو الجهاد من أجل قضيته. . كان من الممكن لياسر عرفات الذي حصل على نصف جائزة نوبل للسلام أن يتحول من ثائر إلى رجل دولة، لولا أنه قد جَبُنَ عن مواجهة تبعات السلام، وخشي تقديم ما قد يترتب على قبوله له من تضحيات. . خاف رحمه الله على رأسه من رصاصة يطلقها متهوس، كتلك التي تلقاها اسحق رابين، جزاء جسارته في مواجهة متطلبات السلام، بينما جَبُنَ صاحبنا، وفضل سلامته الخاصة وملياراته في بنوك سويسرا، على تحمل تضحيات السلام، فعاد من كامب ديفيد، لينفق الملايين التي تسولها من مراكز النفط وغيرها، لتحريك عصابات المتهوسين والمرتزقة، فيما سميناه الانتفاضة الثانية، التي كانت نتيجتها الحتمية تسليم الساحة الفلسطينية، ليس للثوار المناضلين من أجل قضية شعبهم، وإنما إلى المرتزقة المأجورين لحساب قضايا أخرى، لا علاقة لها بالقضية الفلسطينية، أو فلنقل أن علاقتها بالقضية الفلسطينية هي علاقة متاجرة وتوظيف، يكون وقودها ورمادها من دماء ذلك الشعب، الذي نكل به أهله والمدعوون أصدقائه وأشقائه، بأكثر أضعافاً مضاعفة، مما ألحق به العدو المفترض من خسائر.
هناك من بين صفوف الشعب الفلسطيني الآن الكثير من الثوار الحقيقيين، المؤهلين للتحول، أو تحولوا بالفعل إلى رجال دولة، ويتمتعون بما يكفي من الشجاعة لخوض غمار السلام، على رأس هؤلاء محمود عباس، ذلك الفلسطيني الشريف، ومعه باقة من المستنيرين المخلصين بحق لقضية شعبهم، في مقابل عصابات المرتزقة والمتهوسين، الذين نجحوا في التسلل في أجسادنا جميعاً، حتى وصلوا للنخاع، بحيث صارت معركة الشعب الفلسطيني، بل وسائر شعوب المنطقة الآن، هي الشفاء من داء الإرهاب الوبيل، سواء على مستوى الفكر، أو على المستوى الميداني، لاقتلاع هؤلاء من حياتنا، ليرجع إلى الرشد من تبقى لديه بارقة عقل وإنسانية منهم، وليوضع الباقون في المكان اللائق بهم، في جوانتانامو جديد في كل بلد عربي، عسى أن تحول جدرانه وقضبانه بين هؤلاء، وبين تدمير حاضرنا ومستقبلنا، كما حمى جوانتانامو الأصلي أمريكا والعالم كله، من شرور أكثر مخلوقات الأرض وحشية. . هكذا نترك المجال للثوار الحقيقيين، الذين يمتلكون ملكات رجال الدولة، ليتمكنوا من بذل ما يستطيعون، لتعويم السفينة الفلسطينية، التي غرقت حتى غرزت في أوحال القاع، بفضل تهوسات المتهوسين، ومتاجرة المتاجرين.
ترى هل هنا قوة قادرة على إنقاذ الشعب الفلسطيني من ذاته، ليمكن بعدها إنقاذه من يحيق به ممن نسميه بالعدو الصهيوني؟
هل من الممكن بالفعل تخليص الشعب الفلسطيني مما تم غرسه فيه من نوازع التدمير، فصار لسان حاله كمن يقول: quot;علي وعلى أعدائي ياربquot;؟
[email protected]