quot;البحث عن quot;الحقيقةquot; ليس هو البحث عن quot;اليقينquot;، وفى مجال الفلسفة نحن نبحث عن الحقيقة وليس عن اليقين، ولأن الخطأ الإنسانى وارد، ولأن المعرفة الإنسانية كلها ليست معصومة من الخطأ، فإنها محل شك باستمرارquot;. هذا هو خلاصة كتاب الفيلسوف quot;كارل بوبرquot; بحثاً عن عالم أفضل، الذي قام بترجمته الدكتور أحمد مستجير، وصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، عام 1996.
ولا يختلف الأمر بالنسبة للعلم أيضا، فهدف العلماء هو الحقيقة الموضوعية وليس اليقين. وهناك دائماً quot;حقائق لا يقينية، لكن ليس ثمة يقين لا يقينى. ولما كان من المستحيل أن نعرف شيئاً بيقين فى مجال المعرفة البشرية، فليس ثمة ما نجنيه من البحث عن اليقين، أما البحث عن الحقيقة فهو أمر يستحق، ونحن نقوم بذلك، فى المقام الأول، بالبحث عن الأخطاء، حتى يمكننا تصحيحها.
وعلى هذا فإن العلم هو دائماً افتراضى: هو معرفة حدسية، ومنهج العلم هو المنهج النقدى، منهج البحث لإزالة الأخطاء لمصلحة الحقيقةquot;. (ص ndash; 15).
ويدل تاريخ العلم ndash; كما يقول quot;ألفرد نورث وايتهدquot; ndash; على أن الآراء المتصارعة ليست كارثة، بل أحرى بها أن تكون الخطوة الأولى نحو اكتشاف الجديد. لقد توصل عالمان شهيران فى علم الفيزياء إلى نتيجتين مختلفتين للوزن الذرى للنتروجين ولم يشهر أحدهما بالآخر. ولم ينقسم حقل العلوم على نفسه إلى قسمين، وإنما تمت اكتشافات جديدة، عنصر غاز الأرجون والوزن الذرى. وهكذا فإن الاختلافات الظاهرة فى الوزن الذرى للنتروجين قد وجدت تفسيراً لها.
أن التسامح يوفر المناخ المناسب تماماً لتلاقح الأفكار وتخصيبها وتطورها، ومن ثم الإبداع والابتكار فى الفكر.. يقول بوبر: quot;أن تحقق تقدم حقيقى فى ميدان العلوم يبدو مستحيلاً من دون تسامح، من دون إحساسنا الأكيد أن بإمكاننا أن نذيع أفكارنا علناً، من هنا فإن التسامح والتفانى فى سبيل الحقيقة هما اثنان من المبادئ الاخلاقية المهمة التى تؤسس للعلوم من جهة، وتسير بها العلوم من جهة أخرىquot; (ص ndash; 283). ويفهم من عبارة quot;بوبرquot; أن التسامح ضرورى بالنسبة للعلوم وتقدمها، وان هذه العلوم بدورها تكرس التسامح وتؤصله، لذلك كان من الصعب أن يتبلور التسامح بالمعنى الحديث قبل القرن السابع عشر، وفي أوروبا تحديدا، ولو كره المتعصبون، ولا يمكن أن نفهم ما ذهب إليه quot;جون لوكquot; أو quot;فولتيرquot; مثلاً دون الأخذ فى الاعتبار ثورة quot;نيوتنquot; ومن قبله quot;كوبرنيكوسquot; فى مجال العلوم الفيزيائية والفلكية وما حققه العلم والفكر من تقدم، وعندئذ quot;أصبح الفهم العقلانى ممكناًquot;.
والعلم ينير العقل ويبدد أوهامه الكثيرة حول العالم، وحين نتعلم شيئاً جديداً عن العالم وعن أنفسنا يتغير مضمون فهمنا الذاتى. وقد قلب العلماء صورة العالم التى كانت تتمركز حول الأرض وحول الإنسان رأساً على عقب، ومن ثم زعزعوا الكثير من المطلقات وبددوا العديد من الخرافات والتابوهات.
لكن يبدو أن quot;تقويض الوعي الفلكي فيما يتعلق بمدارات الكواكب، كما يقول شيخ الفلاسفة في العالم quot; يورجن هابرماس quot;، ترك في عالم الحياة آثارًا أقل مما تركه نزعُ الوهم البيولوجي فيما يتعلق بمكانة الإنسان في تاريخ الطبيعة، إذ يبدو أن المعارف العلمية تزعج فهمنا الذاتي بدرجة أكبر كلما اقتربت منَّاquot;.
لم ينتبه الكثيرون، حتي في العالم المتقدم، لاحتفالات وكالة quot;ناساquot; قبل أيام، بالذكرى الأربعين لهبوط الإنسان علي سطح القمر، واطلاق صاروخ ساتورن 5 في 16 يوليو عام 1969، وهو يحمل كلا من: quot;أرمسترونجquot; وquot;باس ألدرينquot; و quot;مايكل كولينزquot; إلى الفضاء الخارجي، بينما مايزال العالم منقسماً حتي اليوم حول quot; أصل الإنسان وتطوره quot;، رغم مرور 150 سنة على صدور كتاب quot;تشارلز داروينquot; الشهير quot;عن أصل الأنواع عن طريق الإنتقاء الطبيعيquot; On the Origin of Species by means of Natural selection، ومائتي سنة على ولادته في الثاني عشر من (فبراير) 1809.

[email protected]