من مفكرة سفير عربي في اليابان

nbsp;
nbsp;لقد أصبت بحيرة مشوشة في اليوم السادس من شهر أغسطس الحالي، ذكرى الأربعة والستين لإلقاء القنبلتين الذريتين على مدينتي هيروشيما ونجزاكي. فقد كنت في طريقي لحضور احتفالية هذه الذكرى في مدينة هيروشيما، وكلي أمل بخلو العالم من السلاح النووي، بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن طموحاته لتخليص العالم من هذا السلاح. فدهشت بقراءة خبر في الصحافة اليابانية عن استطلاع رأي، يبين بأن خمس الشعب الأمريكي فقط يعارض اليوم قرار استخدام الرئيس ترومان القنبلتين الذرتين في الحرب العالمية الثانية. فقد أجرت جامعة كوينيبيك الأمريكية استطلاع رأي سألت فيه ألف وأربعمائة مواطن أمريكي، مسجلين في التصويت للانتخابات، السؤال التالي: هل تعتقد بأن خطوة الولايات المتحدة بإلقاء القنبلتين النوويتين على مدينتي هيروشيما ونجزاكي كان قرارا صائب أم خاطئ؟ وقد أجاب 61% من الأمريكيين بأنه قرار صائب، و22% منهم بأنه قرار خاطئ، و 16% غير متأكدين من الجواب الصحيح. وارتفعت نسب الموافقة على هذا القرار بتقدم العمر، فبنسبة 73% من الذين تزيد أعمارهم عن 55 سنة اعتبروا القرار صائب، وانخفضت هذه النسبة إلى 50%، في الفئة التي تتراوح أعمارهم بين 18 و 34 سنة. كما وافق على هذا القرار 74% من الجمهوريين و 49% من الديمقراطيين، و 72% من الرجال و51% من النساء، و 34% من الأمريكيين ذي الأصول الأفريقية و 44% ذي الأصول اللاتينية. وقد تبدو هذه النسبة ضئيلة، ولكنها قد تكون مرتفعة بالنسبة لاستطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة جالوب في عام 1948، والتي أعتبر فيها 5% من الشعب الأمريكي قرار الرئيس ترومان قرار خاطئ، بينما اعتبره 85% منهم بأنه قرار صائب. والسؤال لعزيزي القارئ: هل يؤيد فعلا أغلبية الشعب الأمريكي قرار إلقاء القنبلتين الذريتين؟ أم ستكون إجابته مختلفة لو كشف له الإعلام الأمريكي عن بعض الوثائق السرية؟ وهل هذه الإجابة مهمة للدور القيادي الجديد الذي يريد الرئيس باراك أوباما أن تلعبه الولايات المتحدة في عالم خالي من عنف اللاعقلانية ومن أسلحة الدمار النووية؟
تحتاج شعوب العالم لتستطيع منع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وإنجاح الجهود الخيرة لتخليص قريتنا الكونية الصغيرة من السلاح النووي، لمعرفة الحقائق حول دور السلاح النووي في إنهاء الحرب العالمية الثانية. فقد أختلف المؤرخون حول هذا الدور، كما تباينت أرائهم حول الأسباب الحقيقة وراء قرار الرئيس الأمريكي هاري ترومان لاستخدام القنبلتين الذريتين. فقد أيد فريق منهم هذا القرار، بحجة أنه أدى لرضوخ اليابان للاستسلام، وبدون شروط، لتحقيق السلام العالمي ومنع استمرار الدمار والقتل، والذي كان من المتوقع أن يرتفع ضحاياها للملايين، بتعنت الجيش الياباني لتجنب عار الاستسلام، حسب تقاليده السمورائية. بينما أنتقد الفريق الآخر هذا القرار، وخاصة بعد أن وضحت حقائق جديدة، بنشر وثائق الحرب السرية بمضي خمسين عام على انتهائها. ويبدو لي بأنه من الضروري أن يعرف العالم حقائق تاريخه، لا للتشمت والإساءة وإلقاء اللوم على بعضنا البعض، ولكن لدراسة الأخطاء ومحاولة تجنبها مستقبلا. فلو عرف الشعب الأمريكي حقائق الحرب على الجبهة الباسيفيكية في عام 1945، لربما استطاع تجنب الحرب الكورية والفيتنامية، وانحرافات المكارثية، وحروب الشرق الأوسط وأفغانستان والمجابهات الإيرانية، وربما تجنب العالم الإرهاب العالمي، وحوادث الحادي عشر من سبتمبر، بل لتوفرت ظروف ملائمة لسلام دائم وشامل في الشرق الأوسط. كما أن دراسة الأسباب الحقيقة وراء قرار إلقاء القنبلتين الذريتين على مدينتي هيروشيما ونجزاكي، سيسهل على شعوب العالم معرفة مدى أهمية الحاجة للأسلحة النووية، أم حان الوقت لوقف انتشارها وأخلاء العالم من دمارها المرعب، وخاصة بعد أن أدى سباق الأسلحة الذرية لإنتاج أسلحة أكثر دمارا كالقنبلة الهيدوجينية، والتي هي أقوى بمائة ألف مرة من القنبلة الذرية، التي ألقيت على مدينة هيروشيما، والتي قتلت بشكل عشوائي أكثر من مائتي ألف ياباني معظمهم من النساء والأطفال. فنتدارس عزيزي القارئ تاريخ وشخصية الرئيس ترومان، ثم نبحث في الوثائق السرية عن بعض الحقائق المتعلقة بانتهاء الحرب العالمية الثانية على الجبهة الباسيفيكية.
ولد الرئيس هاري ترومان عام 1884 من عائلة تعمل في الفلاحة. وكان يعاني منذ صغره بضعف النظر، الذي أدى لتأخره في الدراسة. وبعد تخرجه من المدرسة الثانوية، عمل ككاتب في محطة للقطار وبعدها عمل كاتب في البريد، ثم أنضم للجيش، ليشارك في عام 1917 في الحرب العالمية الأولى. وبعد رجوعه من الحرب، تزوج وعمل في تجارة لوازم الخياطة وخسر فيها، فقرر التوجه للسياسة. وقد أنتخب عضوا في مجلس النواب في عام 1934، وأدى ضعف أداءه في المجلس، لخيبة أمل منتخبيه وفقد الثقة فيه، فقرر أن يترك العمل السياسي ويتقاعد. ومن حسن حظه بأن يختاره الرئيس فرانكلين روزفلت لمنصب في الحكومة الفيدرالية، مما شجعه للمنافسة في انتخابات الكونجرس والذي أدى لفوزه في عام 1940. كما ساعده الحظ للنجاح في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ليفوز بمنصب نائب الرئيس، وليصبح رئيسا للولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية بعد وفاة الرئيس روزفلت الفجائي في عام 1945. وقد تورط بمعضلات الحرب مبكرا مع قلة خبرته، كما انشغل في حروب سياسية مع الكونجرس، وخاصة بعد أن سيطر عليه الجمهوريين في عام 1946، بعد ارتفاع أسعار السلع وزيادة حدة الاضطرابات العمالية. وكرر تسجيل انتصار غير متوقع في الانتخابات الرئاسية لعام 1948، لتمتد فترة رئاسته لأربع سنوات أخرى مضطربة، وليتقاعد بعدها عن السياسة، وقد توفى عام 1972.
لقد وصف المؤرخون الرئيس الأمريكي هنري ترومان بضعف شخصيته القيادية، وقلة الاضطلاع، وضعف التفكير، وسرعة القرارات الغير مدروسة، وخطورة تصريحاته النارية الغير دبلوماسية. وقد أدت شخصيته المعقدة لتورط الولايات المتحدة في الهجوم النووي على اليابان، والدخول في الحرب الكورية، والتي أدت للحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي، وتبعتها حروب مدمرة في أسيا والشرق الأوسط. كما أدى طرده للجنرال مكارثر في الحرب الكورية، لزيادة تخوف الشعب الأمريكي من الشيوعية، وخاصة بعد رفضه قرار الكونجرس بطلب تسجيل الشيوعيين مع إدارة القضاء. ووفرت تلك الظروف زيادة شعبية المكارثية، وما تبعتها من معضلات محلية وعالمية معقدة للولايات المتحدة.
وقد كشفت الوثائق السرية بأنه لم تكن هناك حاجة لإلقاء القنبلتين الذريتين على اليابان، فقد دمرت القنابل التقليدية الأمريكية معظم المدن اليابانية، كما أن الحصار البحري حولها منع وصول الطاقة والموارد الأساسية، فجثمت الطائرات الحربية اليابانية في مطاراتها العسكرية بدون وقود، وخلت الأجواء اليابانية لقنابل الطائرات الأمريكية وبدون أية مقاومة. كما أصبحت السفن الحربية معطلة بسبب عدم توفر الوقود لتشغيلها. ومع أن تقاليد السموراي اليابانية لا تسمح بالاستسلام ولكن كانت اليابان مستعدة له حينما يأمرها الإمبراطور، والذي كان يعتبر إلها في ذلك الوقت. ويبدو بأن الرئيس ترومان لم يعطي اعتبار للتقاليد اليابانية، بل أصر على المطالبة بالاستسلام وبغير شروط، والذي فهمه الشعب الياباني بالاحتلال الأمريكي والقضاء على الإمبراطور. وقد بينت الوثائق السرية بأن الرئيس ترومان خالف أراء مستشاريه، بعدم الموافقة على المحافظة على حكم الإمبراطور، وأصر على استمرارية الحرب، واستخدام القنبلتين الذريتين ليتجنب انتقادات الكونجرس عن صرف ملياري دولار على إنتاجها، في الوقت الذي كان الشعب الأمريكي يعاني من صعوبات اقتصادية جمة، كما كانت مواقع الرئيس ضعيفة في الكونجرس، وهو على أبواب انتخابات جديدة لأعضاء الكونجرس في عام 1946. وقد أدى استخدام هذه القنبلة لبدأ الحرب الباردة مع الإتحاد السوفيتي، وسباق التسلح النووي، حيث صنع بعدها الروس قنبلتهم الذرية، ولترد الولايات المتحدة بصنع القنبلة الهيدروجينية، والتي سيؤدي استخدامها لدمار العالم بأكمله. كما أدت لتطور الحرب على الجبهة الكورية وما نتج عنها من حرب باردة مع السوفيت، والحروب المدمرة في الفيتنام والشرق الأوسط.
ومن الغريب أن يأمر الرئيس ترومان بإلقاء القنبلة الذرية على مدينة هيروشيما، مع عدم توفر آليات السلامة فيها. فقد كانت معرضة هذه القنبلة الذرية للانفجار في أية لحظة على الأراضي الأمريكية، من خلال حادثة طيران مفاجئة أو بحدوث تماس كهربائي فجائي أو بتعرض مخازن القنبلة لحادثة حريق غير متوقعة أو بالتعرض لصدمة برق فجائية. والجدير بالذكر بأن مكونات القنبلة قد نقلت في الرابع عشر من يوليو عام 1945 على متن الباخرة الأمريكية يو أس أس أندبيندنت لتصل إلى جزيرة تينيان، بعد عشرة أيام. وقد تعرضت هذه الباخرة بعد إنزال حمولتها النووية لهجوم من غواصة يابانية أدى لغرقها. فلنتصور الدمار الناتج لو حدث هذا الهجوم ومكونات القنبلة النووية على متن هذه الباخرة. كما شحنت ثلاث طائرات في نفس اليوم، ثلاثة أجزاء أخرى مكونة من اليورانيوم، من قاعدة كرتلاند الجوية بقرب نيومكسيكو الى جزيرة تينيان، ليتم تجميع أجزاءها، ولتكون القنبلة الذرية جاهزة في اليوم الأول من أغسطس عام 1945. ولنا لقاء.
سفير مملكة البحرين في اليابان