من يقرأ معظم التعليقات العربية على انتخابات اليونسكو الراهنة، يخرج بانطباع وجود مؤامرة إسرائيلية ndash; غربية على المرشح المصري.

المطلعون على التفاصيل يقولون إن إسرائيل اتفقت مع الرئيس المصري على عدم المعارضة، علما بأنها ليست عضوا في المجلس التنفيذي، ولا يبدو، بحسب المطلعين من داخل المنظمة، أنها تقوم بنشاط دعائي خاص ضد المرشح، وإذا كان بعض المفكرين الفرنسيين قد كتبوا ضد ترشيحه، فهم من اليسار الفرنسي، الذي نجد بين بعض أطرافه انتقادات حادة لإسرائيل.

لقد انتهت الدورة الانتخابية الأولى ولم يزد المرشح العربي في الاقتراع الثانيnbsp; بغير صوت واحد، وثمة دورة ثالثة، ورابعة، أو

اقرأ أيضا: حسني على عتبة اليونسكو بعد 22 سنة في تدجين مثقفي مصر

خامسة، لكثرة المرشحين. وقد قرأنا في تقرير إيلاف منذ يومين أن هذه المعركة هي quot;الأكثر شراسةquot; في اليونسكو منذ 60 عاما. مرة أخرى، هذا غير دقيق، إذ أن انتخابات سابقةnbsp; للمنصب كانت أكثر إثارة، ولا نقول أكثر شراسة. ففي 1987، استغرقت عملية الانتخابات لمنصب المدير العام خمس دورات، وكان هناك ثمانية مرشحين. في تلك المرة، كان الأفارقة يريدون إعادة انتخاب الشخصية السنغالية المرموقة المسلمة، أحمد مختار أمبو، للمرة الثالثة، بعد أن أمضى ولايتين، وكانت الدول الغربية والشرقية معا تريد التغيير. عهد ذاك أيضا، قال الأفارقة ودول إسلامية معهم إن عدم انتخاب امبو يعني وجود مؤامرة على أفريقيا، ومنهم من قالوا، وعلى الإسلام أيضا. وقد حاز أمبو في الدورة الانتخابية الأولى على 18 صوتا، وكانت أعلى الأصوات، فيما حصل فيدريكو مايور الإسباني على 6 أصوات لا غير. غير انه بعد دورة وأخرى، وانسحاب مرشح بعد آخر، كان نجم مايور يصعد بكسب أصوات جديدة، مما أقنع أمبو بالانسحاب، فكان الفوز لمايور. وللعلم، فأن الأخير لم يكن يحظى في البداية حتى بدعم رسمي من حكومته، ولم يكن متفقا عليه بين الدول الغربية او الشرقية، ولكنهم اتفقوا عليهnbsp; كمنقذ للوضع الانتخابي الذي دخل مأزقا؛ فمقابل مايور، كان الجنرال الباكستاني يعقوب خان صاحب أعلى الأصوات بعد الأول. وكان كل من هذين الخيارين مرفوضا، فجاء مايور .

nbsp;وفي 1999، كان عدد المرشحين 11 مرشحا، بينهم عربيان: هما مرشح الجامعة العربية، الدكتور غازي القصيبي،nbsp; والدكتور المصري إسماعيل سراج الدين، أحد مساعدي صندوق البنك الدولي. وكان سراج الدين مرشح دولة إفريقية هي بوركينا فاسو، ولما انسحبت هذه من تأييده لصالح القصيبي، سارعت هولندة لترشيحه، أي صار مرشح دولة غربية. وكان سراج الدين يحظى بدعم فريق من حملة جوائز نوبل، وكان الإعلام والدبلوماسية المصريان يعملان لصالح ترشيحه ليل نهار، رغم أنه لم يكن مرشحا رسميا لمصر. وفي المقال السابق، قلنا إن وجود عربيين كان من عوامل فشل القصيبي، رغم أن القضية كانت أبعد بالنسبة للدول الغربية خاصة. ونذكر أنه عندما واجه المجلس للاستجواب، سأله مندوب غربي عن قصدnbsp; حولnbsp; موقفه من دور المرأة في اليونسكو في حالة النجاح. كان الغمز بدولة المرشح واضحا، ولكن القصيبي سارع للإجابة الفورية قائلا:quot; لو فزت، فسيكون من قراراتي الأولى تعيين امرأة نائبا للمدير العام.quot; فكانت إجابة بارعة حقا، وكان صادقا فيما قال. وبالعودة للدورات الانتخابية التالية عهد ذاك، نجد أن الدكتور سراج الدين كان يفقد تدريجا الأصوات، فمن 7 في الاقتراع الأول نزل إلى 4 في الاقتراع الثاني، وثم نزل إلى 3 أصوات، ومع ذلك كان يرفض الانسحاب لصالح القصيبي. النتيجة معروفة، وهي فوز ماتسورا، السفير الياباني السابق في فرنسا، والذي سوف تنتهي ولايته مع نهاية الدورة القادمة والقريبة جدا للمؤتمر العام.

لقد طرحنا في حينه، عام 1999 في كتاب لنا عن تلك الانتخابات، فكرة أن تتم عملية الانتخاب كلها في المؤتمر العام مباشرة لكيلا تنفرد 58 دولة بعمل كل شيء، وما على المؤتمر غير الموافقة. كما تساءلنا عما إذا كان صحيحا اتخاذ قرار رسمي قاطع في الجامعة العربية لصالح الترشيحات للمناصب الدولية، أم الأفضل أن تتقدم الدول بمرشحيهاnbsp; ليتخذ المؤتمر العام للمنظمات الدولية المعنية، ومنها اليونسكو، قرارات الخيار والانسحابات. هذه من بين المسائل الشائكة، التي قد تستحق المداولات والدراسة.

إننا نعيد التعبير عن تمنيات النجاح للأستاذ حسني، ولكن لو لم ينجح، لا سمح الله، فلن يكون ذلك بقصد الإساءة لدولة مصر ورئيسها، ولا عن كراهية للعالم الإسلامي، وإن من الخطر تفسير نتائج هذه الانتخابات من مثل هذا المنطلق -nbsp; أي منطلق من معنا ومع ضدنا؛ فالقضية تخص منصبا دوليا، وليست بقضية مصيرية.

وأخيرا، لابد من نقد أخوي للمرشح. فقد كانت إجاباته أمام المجلس غير موفقة، مما تألم له الحريصون على نجاحه. فعندما سألوه عن رأيه في حقوق الإنسان واليونسكو، تحدث عن حرية النشر والتعبير، مستشهدا بإجازة وزارته لكتب قامت ضدها منابر دينية متشنجة، منها quot; أعشاب البحرquot;. صحيح أن حرية التعبير والنشر جزء أساسي من حقوق الإنسان، ولكن طارح السؤال كان يقصد شيئا آخر، ملمحا لوضع حقوق الإنسان في مصر. وفي الإجابة على سؤال عن طرق جمع الأموال الطوعية لليونسكو،[ ما يدعى بالأموال خارج الميزانية والتي هي اشتراكات الدول]، كانت إجابته الاستشهاد بحفلات وزارة الثقافة المصرية وجمع التبرعات خلالها. والموضوعان مختلفان كليا. لقد كان مأمولا أن يأتي المرشح وهو مزود بمعرفة كافية للمنظمة، وبرامجها وميزانياتها، وأنشطتها، ومواقع الخلل في عملها، وسبل الإصلاح، ألخ. كان عليه الانكباب لفترة كافية على دراسة الوثائق اللازمة، والاستفادة من خبر أعضاء مصريين سابقين، وأعضاء عرب حاليين، في المجلس التنفيذي. المؤلم أن إجاباته، وحسب عدد ممن حضروا الجلسة، أو ممن استمعوا مباشرة للمداولات من مكاتب اليونسكو،nbsp; لم تكن مثل الإجابات الدقيقة للمرشحات من النمسا وبلغاريا والإكوادور، من ذوات الخير في العمل الدولي والدبلوماسي، وبينهن سفيرتان في اليونسكو.

لقد نزل مع الأستاذ حسني مرشحون عرب، منهم عدد من ذوي الخبرة الوافية من العمل داخل اليونسكو، ولكنهم انسحبوا واحدا بعد الآخر بعد اتصالات الرئيس المصري بحكوماتهم. فالقضية، في نهاية الأمر، ستكون قضية صفقات سياسية تكتيكية.

إن الوضع، كما يظهر، لا يزال غير واضح، وليس سهلا التنبؤ بالنتيجة النهائية. فهل سيحصل أحد المرشحين على الثلاثين صوتا المطلوبة، أم لا؟ ولو لم يقع ذلك، فأي حل للخروج من المأزق؟ -nbsp; حيث لا نعرف سابقة، ولا ما هو واضح بهذا الشأن في ميثاق اليونسكو. أم سيخرج عندئذ في آخر لحظة المرشح quot;المنقذquot; من خارج القائمة؟؟!!

مع كل التمنيات الصادقة للأستاذ حسني، ومطلوب لو نجح، أن يوزع الشرابات والحلاوة.

[ ملحق آخر ساعة:
بعد كتابة المقال، ظهرت نتائج الدورة الثالثة، فصعد فاروق حسني من 23 إلى25 صوتا، والبلغارية صعدت من 8 إلى 13 صوتا، والنمساوية إلى 11 ، والإكوادورية من 7 إلى 9 ، وذلك بعد انسحاب الآخرين، وروسيا المنسحبة أعطت صوتها لحسني. وبذلك يكون هو في المقدمة والمرشحة البلغارية في المرتبة الثانية، والنتيجة النهائية ستتقرر في المداولات الجانبية، وربما يوم الاثنين يكون الحسم. ومواقف الدول الغربية هي التي سوف تحسم، و يمكن القول، دون ترجيح، إن المرشح المصري يقترب من الفوز؟؟]