إيمان إبراهيم من بيروت: هذا العام يستقبل لبنان يوم الكذب العالمي كما إعتاد أن يستقبله في الفترة الكئيبة من تاريخ لبنان، التي شهدت الحرب الأهليّة، حيث كان اللبنانيون يتسلّون بنسج أكاذيب من وحي الأحداث الدّامية. والكذبة المرشّحة لتحتل صدارة الكذب هذا اليوم هي حتمًا عن إستقالة رئيس الجمهوريّة، يضاف إليها هذا العام إستقالة الحكومة، وربّما إنهاء الإعتصام الذي بدأ في وسط بيروت منذ أربعة أشهر.
فالكذبة التي تحمل طابعًا سياسيًا راجت بشكل كبير في السنتين الماضيتين، بفعل الأحداث التي شهدها لبنان منذ إغتيال رئيس الوزراء السابق رفيقالحريري، وطالما كان للكذبة ذات الطابع السياسي نكهة خاصّة، حيث يشعر مطلقها وكأنّه يشارك في العمليّة السياسيّة، ولو كذبًا.
إنّه يوم الأوّل من نيسان (أبريل)، ومصادفته مع يوم العطلة الأسبوعيّة في لبنان قد تفقده الكثير من رونقه، حيث يكون مكان العمل في العادة مكانًا ملائمًا لإطلاق الأكاذيب على الزملاء، والغلبة لمن ينطلي كذبه على الآخرين.
فكيف بدأت كذبة الأوّل من نيسان (أبريل)، وكيف عمّمت لتصبح مناسبة يتبارى فيها النّاس لخلق الأكاذيب وإختراع الروايات المثيرة؟
أصل كذبة الأوّل من نيسان (أبريل)غير واضح تمامًا، والتقليد لم يعم العالم إلا في القرن الثامن عشر، حيث بدأ في إنكلترا كما تقول إحدى الروايات، وامتد إلى مستعمراتها كافّة فيما بعد.
وتقول رواية أخرى أنّ القصّة بدأت من فرنسا وتحديدًا في القرن السادس عشر، حيث كانت تحتفل بعيد رأس السنة في الأول من نيسان (أبريل)، وكان الناس يتبادلون الهدايا، وعندما تقرر أن يكون الأول من كانون الثاني (يناير) بداية السنة عام 1546م، إستمر الناس في تبادل الهدايا في الأول من نيسان (أبريل)، ويقال إن الكذبة بدأت من هنا، بينما تؤكد بعض المصادر أنّ أصل هذا التقليد هندي، حيث كانت الهند تحتفل بعيد quot;الهوليquot; في الحادي والثلاثين من شهر آذار (مارس)كل عام، حيث كان الناس يتبارون في خداع بعضهم من خلال إختلاق الأكاذيب على سبيل المزاح والتسلية.
سر السمكة الفرنسيّة
ثمّة أكاذيب مؤذية تتخطّى كونها مجرّد مزاح في الأوّل من نيسان (أبريل)، لكنّ ثمّة روايات دخلت التاريخ، حين تدخّل يوم الكذب العالمي لينقذ دوق دو لورين، الذي هرب مع زوجته من سجن 'نانت' الفرنسي حيث كان معتقلاً لأسباب سياسية، وبينما كانا يغادران المدينة متنكرين بلباس الفلاحين، تعرفت إليهما إحدى النساء وأبلغت الشرطة، فاعتقد الشرطي أن الأمر لا يعدو كونه كذبة الأول من نيسان (ابريل)، ولم يأخذ كلام المرأة على محمل الجد، وفر الدوق مع زوجته، ولم يعترضهما أحد.
واللافت أن الفرنسيين يطلقون على هذا التقليد اسم quot;سمكة نيسانquot; أو quot;le poisson d'avrilquot;، وقد تراوحت التفسيرات واختلفت لتحديد سر تلك السمكة.
ويبدو أن لتلك التسمية علاقة وطيدة بفترة الصيام لدى المسيحيين، حيث يحظر عليهم تناول كل أنواع اللحوم بما فيها السمك، وكان عيد الفصح يطل كل عام مع بداية نيسان، حيث كان السمك أفضل هدية يجري تبادلها، خصوصًا أن صيد السمك في تلك الفترة كان ممنوعًا، لأن شهر نيسان (أبريل)هو الشهر الذي تضع فيه الأسماك بيوضها.
وبعضهم يقول إن كلمة quot;سمكةquot; أو quot;poissonquot; بالفرنسية، حرفت عن كلمة 'passion' التي تعني العذاب، وهي تشير إلى عذابات المسيح في أسبوع الآلام لدى الطوائف المسيحية، الذي يصادف في شهر نيسان (أبريل).
مزاح ثقيل
قد يتخطى المزاح أحيانًا حدوده المقبولة ويصبح مدعاة للسخرية من الآخرين، وهنا يكمن الفارق بين المزاح والكذب.
فقد نشرتمجلة 'دريك' الإنكليزية قبل سنوات خبرًا عن سباق للحمير في إحدى ساحات لندن، ودعت جميع الإنكليز إلى حضورها، وجاء بعضهم من مناطق بعيدة لكنهم فوجئوا بخلو الساحة، وعلقت المجلة بقسوة في اليوم التالي على المزحة، بوصفها من جاؤوا لحضور السباق بـ 'الحمير'.
في لبنان، إعتادت وسائل الإعلام اللبنانية، والتلفزيونية منها على وجه الخصوص، على إطلاق دعابات على سبيل المزاح، فقبل عشرة أعوام، قامت المؤسسة اللبنانية للإرسال عبر نشرة أخبارها بإذاعة نبأ عاجل عن اقتراب صحون فضائية من الأرض، وتحديدًا من لبنان، ولم يشك أحد حينها في أن ثمة مزحة في الأمر، لأن كذبة نيسان (ابريل)لم تكن حينها معممة في وسائل الإعلام. وظلت النشرة تتابع التطورات بشكل دراماتيكي إلى أن أعلنت أن الأمر لا يعدو كونه مزحة. وكانت المزحة حينها موفقة، لكن المحطة لم توفق قبل ثلاثة أعوام، حين أعلنت في ملحق إخباري عن العثور على بن لادن في منزل أحد الوزراء في طرابلس، إذ أثار الأمر الكثير من البلبلة في أوساط اللبنانيين حتى بعد الكشف عن 'المزحة'.
وأحيانًا يقع بعضهم ضحية كذبته، فقد نشرت مجلة 'الكواكب' المصرية قبل عامين، خبر زواج الفنانة هيفاء وهبي بالملحن حلمي بكر، ثم عادت ووضحت في عدد لاحق أن الخبر هو كذبة الأول من نيسان، لكن جريدة quot;البلدquot; اللبنانيّة نقلت الخبر حرفيًا عن المجلة، ونسبته إلى نفسها قبل أن تكتشف اللعبة. ورفعت هيفاء دعوى قضائية ضد الجريدة لعدم مصداقيتها في التحري عن مصادر معلوماتها.
آخر شائعة
الشائعات في لبنان هذا اليوم تحمل طابعًا سياسيًا مع إنشغال اللبنانيين بهمومهم، وسط تفاقم الأزمة السياسيّة، لكن ثمّة شائعات فنيّة يتبارى في نسجها الصحافيون بالتعاون مع الفنّانين أنفسهم، حيث يتم الكشف عن الكذبة في العدد التالي من المطبوعة.
اليوم يستقبل اللبنانيون مناسبة يكون الكذب فيها متاحًا، لكن هل ستشارك المحطات اللبنانية هذا العام في نسج مزحات قد تكون ثقيلة؟
الجواب حتمًا هذه الليلة علمًا أن معظم الدول التي تحتفل بالمناسبة، تعتبر أن الكذب متاح حتى فترة الظهيرة، وبعدها ينقلب السحر على الساحر..