: آخر تحديث
في إطلالة على سيرته المهنية ورؤيته الفنية

أساطير ثقافة البوب البصري بأعمال لوكا فالنتيني

"إيلاف" من بيروت: تغلب على مجتمعاتنا نظرةٌ مفادها أن الأثرياء أو المشاهير أو أصحاب النفوذ يمتلكون ميزات استثنائية. إلا أن مثل هذه الميزات قد تكون في بعض الأحيان نقمةً بقدر ما هي نعمة.  وفي هذا السياق، نضيء على ثقافة "فن البوب" الذي يحمل منظوراً جديداً للسبل التي تتبعها لتقديم نماذج مغلوطة عن الأنوثة. حيث شهد التاريخ ظهور حركة متكاملة من الإعلانات التلفزيونية والمطبوعة التي تستعرض أنماطاً تضع الأنوثة والذكورة ضمن قوالب سلبية.

 

 

في هذا السياق، تتناول أعمال أساطير ثقافة البوب البصري بأعمال لوكا فالنتيني (Luca Valentini) هذه الجوانب متيحةً لنا استكشاف كيف تسهم الحقائق المزيفة المرتبطة بالشهرة والجمال المادي في التأثير على حياتنا بصورةٍ إيجابية وسلبية على حدٍّ سواء. حيث تركّز أعماله على مفاهيم التصورات السلبية المسبقة، وغياب الشعور بالأمان والضعف بصورةٍ متكررة جنباً إلى جنب مع الفرص والسلوكيات المتحيّزة. كما يغوص الفنان الإيطالي المبدع في الفضاءات المضللة لقشور الجمال الشكلية، ليعكس رؤىً ثاقبةً في أعماق الجمال الداخلي.

 

 

ويحمل فن البوب منظوراً جديداً يركّز من خلاله على السبل التي تتبعها ثقافة البوب لتقديم نماذج مغلوطة عن الأنوثة. حيث شهد التاريخ ظهور حركة متكاملة من الإعلانات التلفزيونية والمطبوعة التي تستعرض أنماطاً تضع الأنوثة والذكورة ضمن قوالب سلبية، لذلك يشجعنا "فالنتيني" على عدم الإكتراث لهذه الإعلانات، والتفكير بصورة نقدية حول الثقافة الشعبية وعلاقتها بالأفكار المضللة والرسائل المبطنة التي غالباً ما تدعم مفاهيم غير واقعية وغير سليمة حول الجمال والكمال والنجاح والقوة والجنسين.  

وانبثق فن البوب البصري بصورته الحالية بين صفوف فناني نيويورك Andy Warhol وRoy Lichtenstei و James Rosenquist وClaes Oldenburg، وغيرهم ممن سطع نجمهم نتيجة تصويرهم مختلف جوانب الثقافة الشعبية التي أثرت بشدة على الحياة المعاصرة، وتم تقديم رموزهم البصرية الخاصة المستوحاة من الأعمال التلفزيونية والكتب المصوّرة ومجلات الأفلام ومختلف أشكال الإعلانات، بصورة واضحة وموضوعية من خلال أساليب تجارية محددة تستخدمها وسائل الإعلام ذاتها التي استمد منها الفنانون رموزهم التصويرية. 

وفي معرض حديثه عن أحدث مجموعاته الفنية الجريئة بعنوان "أساطيرنا"، أكّد "فالنتيني" على أن الشخصيات الشهيرة التي يقوم بتصويرها والمحاطة بسلسلة من الرموز والاستعارات تمثّل معنى النقاء غير الملوّث، والذي جسده من خلال إعادة صياغة الأغلفة الشهيرة للصحف والمجلات مع التركيز على القيم الأساسية. وتتميز العوالم الإبداعية المتعددة لهذا الفنان بقدرته على توليد قوى دافعة تسهم بدورها في إلهام المستهلكين والنقاد على حدّ سواء. ويكشف لنا الفنان الإيطالي المتألق في عالم الموضة عن ماضيه الخاص وشغفه بإضافة اللمسات الجمالية وتخيلاته الحالمة، وذلك من خلال أعماله الفنية الغنية بالرموز والاستعارات الإبداعية.

 وتعكس أعمال "فالنتيني" بكل ما فيها من لمسات فنيّة شخصية رؤيةً شاملة من خلال محطاتها انطلاقاً من روما ووصولاً إلى دبي. حيث يكمن التناغم والاندماج بين الأنواع والأجناس، ضمن سياق يجذب انتباه عشاق الفن من كافة الأعمار والاهتمامات الثقافية حول العالم، وعبر مسار إبداعي يرسم صورةً تعس أقصى درجات النقاء.

 

 

لوكا فالنتيني
يصف الفنان الإيطالي ومبدع فن البوب آرت البصري لوكا فالنتيني أعماله بأنها "تعبيرٌ صادقٌ عن الطبيعة الحقيقية للمجتمع الذي نعيش فيه اليوم"؛ وهو يؤكد على ذلك عبر تركيزه على استخدام قماش الأكريليك، والأوراق الذهبيّة الرقيقة، وسكين الرسم ودمج الألوان. وعلى مدى العقد الماضي. استطاع فالنتيني ترسيخ مكانته في عالم الفن عبر تمثيله الجريء لقطاع الأزياء والتصوّرات والأعمال الفنية المرتبطة به، والتي تهدف إلى إثارة الحديث عن فكرة الكمال، وتأسيس نقطة حوار ومناقشة مثيرة للجدل.

 

 

ولد فالنتيني في ضواحي مدينة روما الإيطاليّة، وأمضى سنوات نشأته متأثراً بسحر مدينته القديمة التي تجذّرت مكانتها في عُمق التاريخ على مدى مئات السنين، والتي لطالما شكلّت موطناً حاضناً للكثير من العروض البصريّة التي قدّمها نخبة من مشاهير الفن في العالم، وذلك بدءاً من فترات عصر النهضة والباروك.

وأثناء دراسته للهندسة البيئية في جامعة ’لا سابينزا‘ في روما والتي تُعتبر من أقدم جامعات المدينة، التحق فالنتيني بالعديد من الدورات والبرامج الفنية، والتي غرست في نفسه دافعاً بديهيّاً للخوض أكثر فأكثر في الفضاءات الإبداعية المجهولة والمتحررة من أي قيود. وعندما أيقن شغفه المشبع بالفضول الفني والذي عبّر عنه لأستاذه، واجه فالنتيني حقيقة مُرّة رفضت فكرة أن الفن "مهنة غير مجدية مالياً"، وهو مجال غير كافٍ للتنعم بحياة كريمة. ورغم شعوره بالإحباط وعدم الاقتناع، دافع فالنتيني عن شغفه تجاه الفن في عقله وقلبه، وواصل المضي لاستكمال تحصيله العلمي والأكاديمي، مُدركاً أن منحى الأمور سيأخذ اتجاهاً آخر في يومٍ من الأيام.

 

 

وأثناء عمله كمهندسٍ في إيطاليا، التقى بالفنان الإيطالي الشهير فابريزيو جونيلا؛ وبعد أن توطدت معرفتهما، بدأ فالنتيني يتردد بصورة منتظمة إلى استوديو جونيلا، وكان يقضي ساعاتٍ طويلة في مراقبة تقنياته وأساليبه الفريدة التي كانت تعتمد على الرسم باستخدام القماش الزيتي وسكين المعجون بهدف إضفاء مزيدٍ من الواقعية على اللوحات الفنية. ويقول فالنتيني أنه استطاع ببساطة اكتساب خبرة أكبر في مجال الرسم من خلال الملاحظة والمراقبة المرئية. كما حرص على تسخير مهاراته الفنية المكتسبة من خلال الهندسة لتكون نقطة انطلاق نحو تطبيق رؤيته الفنية على أرض الواقع. وسرعان ما حصل فالنتيني على الإرشاد والتوجيه من جونيلا الذي لم يكن يدرك في يوم من الأيام أنه سيواجه منافسةً من "تلميذه" الناجح الذي قدّم مجموعة من اللوحات الفنيّة الأكثر مبيعاً ضمن العديد من المعارض الفنية في مدينة روما. ولاحقاً، أصبح الفنان بيترو فورتونا الموجّه والمعلّم وعرّاب الفن ’الحقيقي‘ بالنسبة إلى فالنتيني، إذ أرشده إلى كيفية التعايش مع الفن.

وبعد فترةٍ زمنيّة وجيزة، وبينما كان يواصل تغذية مواهبه الإبداعية، توجّه إلى لندن من أجل التعاقد لمدة عام مع إحدى الشركات الهندسية البريطانية، وهي فترة يصفها كـ ’تحولّ جذري‘ من الناحية الفنيّة. وعندما التقى زملاءه في لندن واستطاع بناء شبكة قوية من الأصدقاء والمعارف، اكتسب فالنتيني دافعاً أكبر لتحسين مهاراته باللغة الإنجليزية بشكل جذري، مما ساعد بالتالي على بلورة إحساسٍ جديد من الثقة والقدرة على مواصلة الخوض في المناقشات البنّاءة واستكشاف الفرص القيّمة التي تظهر ضمن نطاق عالم المواهب المحيط به. وقد أكد فالنتيني أن مدينة لندن قدّمت له شيئاً مميّزاً بالفعل؛ حيث استمدّت قدراته الفنية وللمرة الأولى زخماً كبيراً في هذه المدينة، مما أتاح له الخوض أكثر في الحوارات المتعمّقة، وأثارة فضول واهتمام أقرانه، ليكتسب احتراماً واسع النطاق.

 

 

وأثناء انطلاقه في فضاءات التأمل والتفكير، كان يعتقد أن حلم والدته في أن يصبح مهندساً مجرد مسارٍ منطقي في حياته، ولكنه أيقن أن الافتقار إلى الإبداع والشغف في العمل سيفضي إلى تجربة مملّة وخالية من أي تحدياتٍ أو فرص. ولم يكن فالنتيني يتخيّل أبداً أنه سيجلس في مكتب تقليدي أمام شاشة الحاسوب. لقد كان هدفه ببساطة، ولغاية يومنا هذا، استخراج الطاقات الإبداعية الكامنة في داخله، والتعبير عن نفسه وطموحاته بأفضل شكلٍ ممكن. ويقول فالنتيني أن الفن قدم له الفرصة كي يصبح قائداً متبصراً يتطلّع نحو المستقبل؛ وكان يُدرك شخصياً أن السبيل الوحيد للمضي قدماً نحو النجاح والتميّز يتمثّل في العمل من أجل تعزيز قدرات الذات والتعبير عن أنفسنا كما كان يطمح بالضبط في سنوات عمره الأولى.

 

 

ويسافر فالنتيني اليوم كفنانٍ معروف في شتى أنحاء العالم؛ ورغم أن بلده يحتل مكانةً مرموقة في قلبه، إلا أنه يرى أن قطاع الفن في إيطاليا يفتقر إلى "مفاهيم البراعة والإبداع أسوةً بالعديد من المدن العالمية الأخرى، مثل لندن ونيويورك أو دبي". ويصف فالنتيني الفن بأنه "الجانب الثقافي الأكثر أهمية وتأثيراً على الناس والجمهور"؛ حيث يتمتع الفن بقدرةٍ استثنائية على كسر القواعد النمطيّة، وترسيخ شعورٍ عميق بالتأمل والذي لا يمكن وصفه دائماً من خلال أساليب التعبير والكلام.

وهو يُعتبر من أبرز الفنانين العصاميين الذين يرفضون قبول أي معايير تقليديّة، حيث يرتكز في ذلك على شعارٍ محدد وهو: "إن كُنت أشعر بالتوتر والتعب، فأنا فعلياً أبذل قُصارى جهدي". ويؤكد فالنتيني أنه لم يتسنّ له بعد تقديم التوليفة الفنية الحقيقية التي يصبو إليها، وذلك لأن حواره مع جمهوره يتمحور حول فنانٍ فضوليّ ينشد تجربة إبداعات فنية بلغات جديدة، والانغماس في بحر الإلهام دون أي خوفٍ أو مهابة. ورغم صغر سنّه، نجح فالنتيني في عرض أعماله ضمن العديد من المعارض الفنيّة حول العالم، وقد حظي بإشادة واسعة في أوساط النُقّاد والجمهور.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.


فيديو

جان يمان وديميت أوزديمير يتحدّثان لـ "إيلاف" عن إنطباعهما بزيارة بيروت للمرة الأولى
المزيد..
في ترفيه