إيمان إبراهيم من بيروت: quot;أنت صحافيّة فاشلة، فهلاّ تفضلت وتركت المهنة وجلست في منزلك؟quot;، رسالة وصلتني منذ يومين على خلفيّة مقالي عن الفنانين اللبنانيين واللهجة المصريّة، ولم يسعني سوى الضحك، ربّما لأنّي اعتدت هذه النوعيّة من الرسائل المليئة بغضب لم أتمكّن يوماً من فهمه، فلطالما قرأت مقالات مزعجة، وأضعت وقتي مراراً بقراءة مقالات فاشلة، لكنّي لم أغضب يوماً من كاتب المقال إلى حد مطالبته باعتزال المهنة.
لم تستوقفني الرسالة بقدر ما استوقفتني رسالة طويلة باللغة الإنكليزيّة وصلتني على بريدي الإلكتروني من قارىء، طلبت من الزميلة مي الياس أن تترجمها، فقد اعتدنا تبادل الأدوار بحيث أترجم أنا الرسائل التي تصلها باللغة الفرنسيّة، وتترجم هي الرسائل الإنكليزيّة، وما أن قرأت مي الرسالة حتّى ارتسمت على وجهها تعابير مرحة، وقالت وهي تضحك quot;عم يبهدلوكيquot;، فنظرت إليها غاضبة quot;عم تشمتي فيي؟quot;، فسارعت إلى التبرير quot;لا أبداً، لكن اليوم اكتشتفت انو مش بس أنا عم بتبهدلquot;.
فلطالما لفتت نظري تلك التعليقات القاسية من قرّاء غاضبين، على مقالات تكتبها مي التي كانت تحاول التظاهر باللامبالاة، وبأنّ ما يكتب لا يعنيها، وبأنّها لا تغضب إلا حين يتعرّض الفنّان أياً يكن إلى الشتم عبر صفحات إيلاف من قبل القراء، لكن ردّة فعلها العفويّة كانت مؤشراً على رغبة مي بمن يشاطرها quot;البهدلةquot; من قرّاء يجرّدوننا من مهنيتنا لمجرّد أن آراءنا لا تسير على هواهم.
قلت لمي quot;هذه ديموقراطيّة إيلافquot;، فقالت لي quot;الديموقراطيّة أن يقال المقال لا يعجبني لا أن يشتم الصحافي أو الفنّانquot;.
يا عزيزتي إنها الديموقراطيّة على الطّريقة العربيّة!
قبل أسبوع اتّصلت الزميلة ضحى السعفي غاضبة ومحبطة، فقد اتّهمها أحد القرّاء أنّها صحافيّة مأجورة لمجرّد أنّها نقلت بكل أمانة تصريحات متبادلة بين رئيس أحد المهرجانات الفنيّة في تونس، وبين الفنّان هاني شاكر، لم يجد ذلك القارىء سوى التجريح بضحى ليشفي غليله ممّا تعرّض له الفنّان هاني شاكر من توصيف أقلّه أنّه جبان، فحاولت تهدءتها وقمنا بحذف التعليق بعد فوات الأوان، واستعادت ضحى حيّويتها فور حذف التعليق، ووعدتني ألا تقرأ تعليقات القرّاء السلبيّة منها والإيجابيّة كي لا تتأثّر بها.
إنّه القارىء حين يكتب، ليس كل القرّاء ولا غالبيتهم، بل بعضهم حين تبلغ بهم القسوة حد مطالبة الصحفي بالاعتزال، أو اتهامه بأنّه ماجور إذا كتب ما لا يوافق مزاج هذا القارىء، والطريف تلك النوعيّة من القرّاء التي تشتمنا لأننا ننشر أخباراً فنيّة في وقت يقتل فيه أطفال العراق وفلسطين. فيا عزيزي القارىء ماذا سننشر في صفحة فنيّة؟ ولماذا كبّدت نفسك عناء قراءة الصفحة في الوقت الذي يقتل فيه الأطفال العرب؟ ومن قال أن وتيرة الحياة يجب أن تتوقّف وأن نعيش ما تبقّى لنا من أيّام على وقع أخبار القتل والموت؟ ألا تعلم عزيزي القارىء أنّ أروع ما غنذته السيّدة فيروز عن الحب والعشق كان في مرحلة الحرب الأهليّة المظلمة، حيث كانت أغاني الحب والسلام تؤنس ليالي اللبنانيين الموحشة، ولو على إيقاع المدافع والانفجارات؟
قبل يومين لفت نظري تعليق من هذه الفئة تحت خبر منشور في صفحة الموضة يتّهمنا بأننا معدومي الإحساس لأننا نهتم بالموضة والأزياء في وقت يباد فيه شعب العراق. فماذا علينا أن ننشر في صفحة الموضة كي يرتاج عزيزنا القارىء؟ هل علينا أن ننشر صور الجثث في الصفحة كي لا نجرّد في إنسانيتنا وقوميتنا؟
قبل سنة حين بدأت عملي في quot;إيلافquot; نصحني احد الزملاء الأكبر سناً ألا أطرب إلى مديح القرّاء وألا أحبط من هجائهم، وأن أتعامل مع التعليقات وكأنها غير موجودة، لكن حين نرتبط بعلاقة إنسانيّة مع قرائنا، يصبح من الصعب تجاهل آرائهم.
فمنذ حوالى العام اعتدت على تلقّي رسالئل من قارئة عراقيّة مقيمة في بغداد، كانت تعلّق على مقالاتي بطريقة راقية، وكانت تنتقدني بطريقة موضوعيّة، وأذكر أنها في الحرب طلبت منّي أن أكون أقل حدّة، قالت لي quot;أعرف أن الحرب قاسية، لكن أرجوك لا تنساقي بعواطفك وتفقدي موضوعيتكquot;، وبعد رسالتها توقّفت مدّة عن الكتابة واكتفيت بما يرسله المراسلين من مواد للصفحة، وبقيت علاقتي بشذا قائمة إلى ما قبل رأس السّنة حين انقطعت فجأة عن مراسلتي ولم تعد تجيب على رسائلي، فاعتقدت أن ثمّة مكروه حلّ بها، خصوصاً حين أرسلت إليها رسالة إلكترونيّة لم تتلقاها منّي لأنّ الإيمايل الخاص بها كان مليئاً بالرّسائل.
لا أنكر للقرّاء أنّ تعليقاتهم تعطي لمواضيعنا نكهة مميزة، خصوصاً حين يبدأ القراء بالنقاش فيما بينهم وينسون ما كتبنا، ونحن بدورنا ننسى ما كتبناه لنتابع مناوشاتهم الظّريفة التي غالباً ما تنتهي فور نشر موضوع جديد.
وإذا كنّا نحن الصحافيين نتمتّع بحصانة ضدّ الانتقادات الشخصيّة على اعتبار أننا لسنا شخصيات عامة، وأنّ ما يكتب ضدّنا ليس سوى حكم من قارىء لا يعرف عنا سوى ما نكتبه، فإنّ بعض الفنّانين بل غالبيتهم، يشعرون بغضب شديد وإحباط حين يقسو القراء عليهم، فقد اتصلت بي إحدى الإعلاميات العرب فور نشر مقابلة معها أثارت الكثير من ردود الفعل لدى القراء لتقول لي بصوت مخنوق quot;هذا اسوأ يوم في حياتيquot;، فقد جرّدها القراء من وطنيتها لمجرّد أنها قالت رأيها بصراحة في قضايا حساسّة.
معظم الفنانين يتظاهرون باللامبالاة، قلّة منهم يجرأون على التصريح بأنّ تعليقات القراء تستفزهم، لكنّي أجزم بأنّ الفنان يقرأ التعليقات بقلق من دون أن تفوته نظريّة المؤامرة وأن ثمّة من يسعى لتدمير نجاحه، حتى لو كان المنتقد مجرد قارىء كتب تعليقه من دون أي خلفيات.
[email protected]
- آخر تحديث :




التعليقات