قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يدور جدل هذه الأيام حول تعامل الحكومة العراقية مع (نصب الشهيد)، وهذا الجدل ما بين شائعات وتأكيدات مشفوعة بكتب رسمية أن النصب معرض للإزالة أو للإضافة أو لجعله مقبرة لضحايا مجزرة سبايكر.

عبد الجبار العتابي من بغداد: أثار اقتراح، وافقت عليه الحكومة العراقية باقامة نصب جديد لضحايا جريمة سبايكر في موقع نصب (الشهيد) ببغداد، ردود افعال سلبية منددة بالاجراء ومحذرة من المس بالنصب بأي شكل من الاشكال، خاصة ان الاقتراح يتضمن اقامة مدفن لجثامين شهداء سبايكر، فقد اكد فنانون تشكيليون ان اية اضافة عليه ستمثل تخريبا له وتكون اضافة سلبية على جماليته، فيما عدّ الجميع ان هذا الاجراء هو استهلال لازالة النصب تماما بحجة ان النصب يعود الى عهد النظام السابق، ويعتقد الكثير من المثقفين العراقيين انهم فهموا طريقة تعامل السياسيين مع الاشياء، فهم يحاولون في البدء جس نبض الشارع من خلال نشر خبر او بث شائعة قبل التحول الى الخطوة الثانية ، فهناك من يعتقد ان الامر مجرد شائعة فيسبوكية سينجلي غبارها بعد يوم او يومين ولكن اتضح انها حقيقة خاصة مع الوثيقة الصادرة عن المفوضية العليا لحقوق الانسان صاحبة الاقتراح على رئاسة الوزراءومن ثم وثيقة موافقة مجلس الوزراء على ذلك.

جهل مريع

فقد اكدت الكاتبة سلوى زكو &ان دفن جثامين الشهداء في موقع النصب المقترح ينم عن جهل مريع، وقالت: تعقيبا على الكتب الرسمية التي نشرت حول اقامة نصب تذكاري لشهداء سبايكر في موقع نصب الشهي، الا يستحق شهداء سبايكر وكل شهداء الارهاب نصبا خاصا بهم بدل التجاور مع نصب اصبح جزءا من معالم بغداد؟

وأضافت: ان اقامة النصب الجديد ستكون بالتأكيد تجاوزا على فضاء نصب الشهيد وهذا الفضاء جزء محسوب من معمار النصب، وان دفن جثامين الشهداء في موقع النصب المقترح ينم عن جهل مريع بوظيفة النصب التذكارية التي تختلف عن وظيفة المقبرة.

وختمت بالقول: اتمنى على المهتمين متابعة هذا الامر مع رئاسة مجلس الوزراء التي وافقت على مثل هذه الخطيئة الثقافية بحق واحد من اهم معالم بغداد.

ليس مقبرة!!

من جانبه أكد الشاعر حميد قاسم ان من الصعب جعل النصب مقبرة، وقال: بعيدا عن العواطف والمبالغات أقول لكم ان نصب الشهيد لا يصلح ان يكون مقبرة فهو نصب فني وحسب، معماره وفضاؤه مصممان لهذه الغاية فقط، شهداء سبايكر جديرون بمقبرة ونصب يليق بهم لا يكون مجاورا او على هامش نصب اخر، حتى لو افترضنا ان اهالي الشهداء سيرضون بالمكان بديلا عن وادي السلام جوار الامام علي.

واضاف: حسنٌ، فأنتم لا تريدون ازالة نصب الشهيد، عليكم أذاً ان تخصصوا مكانا يليق بشهدائنا الذين غدر بهم الجبناء وهذا المكان لن يكون مقبرة فحسب بل مزارا يزدان بنصب يوثق مجزرة العصر.. لا تخلطوا الاوراق ياسادة مفوضية حقوق الانسان.

نصب يدوم الف عام

اما الفنان علي جبار فقد اكد نصب اسماعيل فتاح الترك تاريخياً اكبر من كل الحكومات والاحزاب والالقاب، وقال: هذا العمل الفني المعماري يقف بجانب الزقورة السومرية ومأذنة سامراء والهرم في الجيزة واهم المنجزات التي صنعتها الانسانية على الارض اراد منه الفنان الكبير اسماعيل فتاح الترك ان يعمل نصباً كبيراً يدوم الف عام وقد كفلته الشركة المنفذة وبذلك يحقق اقصى طموحه كفنان.

واضاف: نستطيع ولمن يريد تجريد العمل من الفكرة التي صنع من اجلها ومن رعاها ودعم تحقيقها وان نتوصل الى رؤية بصرية مجردة وخالصة ليس للفكرة اي اثر فيها غير الشواهد المضافة قصداً اليها وبذلك فقط ندرك لب الاحساس بالشكل المتحرك تحت ضوء الشمس منذ الشروق حتى المغيب ، الشكل الذي تختلط فيه الفلسفة الصوفية والعلمية معاً في مشهد يصعد من الارض الى الاعلى باتساق جمالي انثوي مدهش.

وتابع: في زيارتي الاخيرة للمكان قبل عامين بحثت في الجدران السفلى عن اسماء اصحابي فوجدت اسم احدهم محفوراً بين رليف نخلتين قد نحتهما انا بنفسي عام ١٩٨٧، لا اظن ان احداً سيتجرأ ويخدش القبة المفلوقة لانها متشكلة في لاوعيه وان لم يعلم بذلك وان تلك الاسماء المنقوشة على الجدران هي اسماء اخوتنا واصحابنا، ابناء العراق الكامل وليس كتفاً منه وهم ليسوا ابناء وزراء الحكم السابق ولا الحالي، وان كان ثمة اشرار بيدها اتخاذ القرار فهناك من هو خيّر ولن يسمح بذلك مطلقاً، وقد جرت محاولات في الماضي ولم تنجح بل لم يٌسمح لها.

وختم بالقول: نصب اسماعيل فتاح الترك تاريخياً اكبر من كل الحكومات والاحزاب والالقاب ، كلهم زائلون وهو الباقي.

مماثل لما تتخذه (داعش)

اما الناقد التشكيلي صلاح عباس فقد اشار الى هذا الاجراء يشبه ما يفعله تنظيم داعش، وقال: يثار في هذه الايام, موضوع رفع (نصب الشهيد) و ( تمثال ابو نؤاس) وكلا العملان من انجازات الفنان اسماعيل فتاح الترك, وليس صحيحا ان نقف مكتوفي الايدي ازاء هذه النوايا والتخرصات التي تقيم الفاجعة على فنوننا الراقية وتاريخنا الفني والثقافي, ذلك ان هذه الشواخص الهامة حفرت عميقا في ذاكرة المجتمع العراقي, واسمهت بتاسيس منهاج فنية جديدة, ليس على مستوى عطاءات الفنون في العراق فحسب, بل وعلى صعيد العالم ايضا.

وهنا أود القول: نقول لمن يعنيه الامر بان رمزية نصب الشهيد تاخذ مدياتها الابعد من كون نصب الشهيد يعد احد اهم عشرة نصب تذكارية ومعمارية في العالم منفذة خلال القرن العشرين, ومسجلة اهميتها في اشهر مراكز التوثيق بالعالم وبذا ندعو الجهات ذات الصلة بالتريث قبل اتخاذ القرار والا سيكون الاجراء مماثل لما يتخذه (داعش) وسواها من ذوي النظرة الضيقة لاسيما ونحن نعيش حالة من الصراع الحضاري بين التخلف والتقدم.

ايديولوجيات متناقضة

اما الفنان خالد خضير الصالحي فقد اكد ان مأساة الفن التشكيلي عندنا انه ما زال يرزح تحت نير الكلمات والايديولوجيات متصارعة المصالح، وقال : صرح الدكتور على الأديب رئيس كتلة التحالف الوطني وعبر وكالات إخبارية إن رئاسة مجلس الوزراء في العراق أصدرت تعليمات تقضي بإزالة نصب الشهيد الذي يعد واحدا من أجمل وأرقى النصب في العالم وإقامة نصب على أنقاضه بحجج ساقها الدكتور الأديب تتلخص في: أن نصب الشهيد من عمل البعثي إسماعيل فتاح الترك وانه أقيم زمن النظام السابق، وهي حجج تقع خارج القيم التشكيلية التي ينطوي عليها هذا النصب الراقي، ويبدو أن المشكلة الاعظم في هذه الأمة وقادتها السياسيين إنها امة لا تقرأ ولا تفهم وإنها غير قادرة على فصل (الجماليات) عن خارجها، وبالتالي فصل (المنحوتة) عن (خارجها)، وهذا ليس مقصورا على العامة بل يشمل المختصين في الشأن الثقافي: سياسيين وكتابا وفنانين ونقادا تشكيليين، إنهم لا يدركون إن للمنحوتة حياة ووجودا مستقلا لا علاقة له بصانعها، ولا بالنظام الذي انتجها سابقا كان او لاحقا، ولا بجيران العراق في اي من الاتجاهات الجغرافية والطائفية.. وذلك يثبت ان القائمين على الشان العراقي لا يحاكمون المنحوتة بسماتها الداخلية ليثبتوا هل ان فيها ما يمجد النظام السابق ام يمجد النظام الحالي؟ لنرى اين وكيف تم هذا التمجيد؟ أفي القبة المشطورة التي هي في غاية القداسة والجمال والايحاء ام في المساحات الرحبة التي تدخل ضمن قداسة فضاء المنحوتة.. لماذا يستند هؤلاء السياسيون في هجومهم على الثقافة العراقية على عكازات النحات البعثي وزمن النظام السابق؟ حاكموا المنحوتة بقوانينها الداخلية وليس بقوانين سياستكم.

واضاف: ان مأساة الفن التشكيلي عندنا انه مازال يرزح تحت نير الكلمات والايديولوجيات متصارعة المصالح والتي تفرض سلطتها وشراهتها في التهام اي شيء وتطويعه لصالحها.. لذلك عانى الفن من الهيمنة الايديولوجية المتعسفة منذ وصول هذه الايديولوجيات الى السلطة وحتى وقتنا الحاضر.. ايديولوجيات متناقضة ولكنها متفقة في اطلاق شراهتها الالتهامية ضد الفن والثقافة العراقية.

رسالة الى رئيس الوزراء

وكان الشاعر شاكر لعيبي قد بعث برسالة مفتوحة الى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قال فيها: "تناهى إلى مسامعي، سيدي الكريم، أن هناك قراراً بإزالة نصب الشهيد، وإقامة آخر مكانه. نصب الشهيد عمل فنيّ في المقام الأول، ولا يرشح بالضرورة من مظهره الخارجي وشكله وتركيبه ولونه أي بشارة سياسية أو أيديولوجية، برغم أنه أنْجِز لأغراض ونوايا نعرفها جميعاً. لا نستطيع تحطيم كل منجز تشكيليّ أنجز زمن الطاغية صدّام حسين وإنْ استخدمه هو وأعوانه في الماكنة الإعلامية الطاحنة. ليس كلّ عمل تشكيليّ مُنْجز زمن الطاغية صدّام حسين سيىءٌ حتماً من الناحية الجمالية.و إرث البلد الفنيّ والجماليّ ليس مِلْكاً لأحد، بل لتاريخه، بقضّه وقضيضه".

وأضاف لعيبي: "إننا بإزالة هذا النصب نقوم بكتابة متعسفة، أحادية للتاريخ القريب. لو كان مجتمعنا أقلّ غضباً لاحتفظ في المتاحف ببعض تماثيل صدام نفسه، عبرة لمن يعتبر، ودرساً للأجيال اللاحقة: كل طغيان مهما عظم ورَفَع التماثيل لنفسه مصيره الزوال، وهاكم أيتها الأجيال الجديدة الدرس البليغ في متاحفنا. لم نبلغ بعد، للأسف، نحن والعرب قاطبة مستوى حكيماً مثل هذا."

وختم لعيبي قوله: "سيدي الفاضل، فلأصارحك القول: لا يبدو لي أن اهتماماً جمالياً معاصراً، من أولويات الفكر الذي اقترح إزالة هذا النصب. لا ينظر العراقيون جميعاً بالعين نفسها للمسألة الفنية والجمالية. وإذنْ فالفكر الذي طرح المقترَح لا يعبِّر عن رؤية جميع العراقيين. علينا احترام الشطر الآخر والفكر الآخر والطوائف الأخرى من المسائل جميعاً، بما في ذلك ما يبقى وما يُزال من نصب وآثار. وعليكم السلام".

نصب الشهيد

يقع نصب الشهيد في جانب الرصافة من بغداد. وقد انشئ سنة 1983 ويرمز النصب إلى تضحية الشهيد في سبيل وطنه ومبادئه.ويعد من ابرز المعالم المعمارية في بغداد. وهو من تصميم المهندس المعماري العراقي سامان أسعد كمال والقبة من تصميم الفنان التشكيلي العراقي إسماعيل فتاح الترك. وتكمن عبقرية التصميم فتكمن في الخداع البصري في النصب المقام على أرض مفتوحة مترامية الأطراف, إذ يشاهد المار بالسيارة حول النصب أن شطري القبة التي تبدو مغلقة عند بداية الشارع, ويبدآن بالابتعاد أحدهما عن الآخر وكأن بوابة تنفتح أمامه تمهيدا لخروج شيء ما. وعندما يدخل الزائر موقع النصب يلاحظ أن هذا الشيء هو العلم العراقي الذي يرتفع إلى الأعلى تجسيدا لارتقاء روح الشهيد إلى السماء.

يتكون النصب بشكل رئيسي من القبة العباسية المفتوحة بارتفاع 40 متر والراية التي ترتفع بطول خمسة أقدام فوق الأرض وثلاثة أمتار تحت الأرض حيث تشاهد على شكل ثريا، والينبوع الذي يتدفق ماؤه إلى داخل الأرض ليرمز إلى دم الشهيد. يتألف النصب من منصة دائرية قطرها 190 متراً تجثم فوق متحف سفلي، وتحمل قبة من شقين يبلغ ارتفاعها 40 متراً. ويجثم هذا الطاقم بأكمله وسط بحيرة صناعية واسعة.