مع الحديث عن احتمال إقفال صحيفة السّفير ثم العودة عن ذلك، تطرح إشكالية بقاء الصحف المطبوعة في لبنان واستمراريّتها في ظلّ وجود الصّحف الإلكترونيّة وانتشارها بكثرة.

بيروت: تطرح الإشكاليّة الّتي مرّت بها صحيفة "السفير"، من الحديث عن إقفالها ومن ثمّ العودة عن ذلك، مشكلة الصحف المطبوعة في لبنان والعالم، بعدما سبقتها صحيفة الأندبندنت البريطانية وتحوّلت إلى صحيفة إلكترونية فقط، حيث يطرح السّؤال ما هو مستقبل الصحف المطبوعة، وهل مصيرها أن تنتهي مقابل المواقع الإلكترونيّة؟ وهل مهنيّة الصّحافة المكتوبة هي اليوم الرّادع لبقائها؟

يقول الأكاديميّ الدكتور أمين كركي لـ"إيلاف" إنّ التّزايد في سلطة الانترنت، والانخفاض في الميزانيّات الإعلانيّة للصّحف التّقليديّة واتّجاهها نحو وسائل الإعلام الإلكترونيّة، وعدم اهتمام جمهور الشباب بالمطبوع، والتّغيّر في انماط التفكير والقراءة لدى مجتمع المعرفة، وانتصار ثقافة الحصول المجانيّ على كلّ شيء، كلّها مجتمعة تشكّل اليوم الأسلحة التي يتمسّك بها الدّاعون إلى نهاية عصر قراءة الصّحف، مقابل جيل آخر يرفع شعار"البقاء الأزلي لقراء الصحف"، كيف لا وهم من خلال قراءتهم للصّحيفة يشركون كلّ حواسهم ويؤكّدون أنّ المطبوع لا يزال يملك ميزة اللّمس والحواس والمسام الّتي تشارك كلها في عملية القراءة.

بين جيلين

ويضيف كركي :"قراءة الصّحف تتأرجح اليوم بين جيلَين، جيل الشّباب ومعه كلّ انواع التّكنولوجيا، الّتي دخلت في أدق تفاصيل الرّسالة الإعلامية، وجيل المخضرمين الذين لم يفقهوا من التكنولوجيا سوى صعوبتها وعدم قدرتهم على فكّ رموزها وطلامسها".

وبين الجيل القديم الذي لا يزال يتمسك بقراءة الصحيفة الورقية، وجيل الشباب، جيل الاي فون، والبلاك بيري، والآي باد، صراع قد تكون الصحيفة الورقية ضحيته، فهل نحن أمام حتمية انتهاء جيل الصحف وقرائها، للولوج امام حقبة جديدة ترفع راية التكنولوجيا عاليًا؟

يؤكد كركي:"لا شك أنه خلال العقود الخمسة الماضية كانت الصحافة جزءًا من حياة الناس ومن تاريخ المجتمعات، ومرآة لكل ما يجري فيها، لكن مع منتصف التسعينات من القرن الماضي واجهت الصحافة الورقية تحديًا خطيرًا يتمثل في منافسة إلكترونية شرسة ووحش رقمي وعالم افتراضي تفاعلي غير محدود فتح آفاق المعرفة لأجيال جديدة، كما فتح الباب أمام تواصل غير مسبوق في العالم، ما أثر على الصحف المكتوبة في العالم ووصل هذا التأثير أخيرًا إلى لبنان مع أزمة صحيفة "السفير" الأخيرة.

فارق كبير

ويتحدث الإعلامي نبيل بو منصف (نائب رئيس تحرير صحيفة النهار) لـ"إيلاف" عن الفارق الكبير بين أنواع الإعلام من مرئيّة ومسموعة ومكتوبة وصحافة المواطن، ويعتبر أن الإعلام المكتوب لا يزال يملك قدرًا كبيرًا من المعايير المهنيّة التي لا يمكن إيجادها في الإعلام المرئيّ والمسموع والإلكتروني، واحترام المعايير المهنيّة في وسائل الإعلام المكتوبة أعلى بكثير من سائر أنواع الإعلام، وهذا طبيعيّ، لأن الإعلام المكتوب في لبنان يبقى الأعرق والأقدم، فهو عريق جدًا، وعمره أكثر من قرن. إذ بدأ في القرن الثامن عشر مع إحداث نهضة كبيرة في العالم العربي، واليوم في لبنان نملك أكثر من 25 صحيفة لا تصدر جميعها لكنها موجودة. لذلك الإعلام المكتوب لديه معايير كبيرة تسمح له بالإستمرار، أكبر بكثير من معايير الوسائل الإعلاميّة الأخرى، لذلك نرى أن الإعلام المكتوب يتميّز عن سائر أنواع الإعلام بمسألة المعايير المهنيّة، على الرّغم وجود بعض المشاكل والأمراض داخله.

أما ما يسمى بوسائل التواصل الإجتماعيّ فيعتبر بو منصف أنّ المعايير المهنيّة فيها شبه معدومة، لأنّ الأمر يكاد أن يكون كارثيًّا لجهة المعايير المهنيّة، ولا يمكن إلقاء اللّوم على أناس عاديّين يعمدون إلى التواصل عبر هذه الوسائط، فهم من خلالها لا يمكن أن يحلّوا مكان الصحافيّ المتمرّس بعمله، ولا يمكن بالتالي إجراء المقارنة.

أزمة حقيقيّة

ويؤكد الإعلامي أنطوان خوري في حديثه لـ"إيلاف" أنّ الصحف الورقية في لبنان تواجه أزمة حقيقية، والسبب يعود إلى سرعة الإعلام الإلكتروني، حيث يغطي كل الأخبار التي تُقرأ في اليوم التالي في الصحف المطبوعة، والصحف الورقية لا تزال تتميز بالتحليل السياسي والمهنية، وفي الخارج شهدنا صحيفة الاندبندنت البريطانية كيف تحولت إلى الكترونية فقط، ومن المتوقع أن المسار في لبنان هو باتجاه تحول كل الصحف الورقية إلى الكترونية.

كيف يمكن الحفاظ على مستقبل الصحف الورقية وعدم اندثارها؟ يجيب خوري أن الصحف الورقية في كل العالم تواجه أزمة، ففي السابق لم يكن من سبل لمعرفة الخبر فورًا، ولكن الأمور تغيرت، فالخبر بات يعرف بلحظته، وهذا تطوّر طبيعي للأمور، فلماذا يجب أن نحافظ على الصحيفة الورقية في وقت هناك بدائل عنها؟

ويشير خوري إلى أن المهنية حتى في الصحف الورقية مع الجيل الجديد تراجعت كثيرًا، ونحن مع أن يتحول المهنيون في الإعلام من الجيل القديم إلى الصحف الإلكترونية.

ويلفت خوري إلى أنه على الأقل اليوم الكليات التي تخرّج الصحافيين في الصحف الورقية في لبنان والعالم يجب أن تتوقف قليلاً لأنها تخرّج صحافيين مهدّدين بأن يكونوا عاطلين عن العمل.