قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

اميل خوري

يرى سفير سابق مثَّل لبنان في عدد من عواصم القرار، أن الزيارات المهمة التي ينبغي أن يقوم بها الرئيس ميشال عون مع وزراء يمثلون القوى السياسية الأساسية في البلاد هي للدول المعنية بوضعه ورسم صورة مستقبله مثل أميركا وروسيا وفرنسا وايران، كما كانت مهمة الزيارات في الماضي لمصر وسوريا وأميركا باعتبار أنها كانت صا حبة القرار في لبنان والمنطقة.

لقد أراحت زيارة الرئيس عون للسعودية وقطر لبنان اقتصادياً، ولا شك في أن زيارة ايران تريحه أمنياً وسياسياً، إذ ما نفع انتخاب رئيس للبنان وتأليف حكومة واجراء انتخابات نيابية إذا بقي السلاح خارج الدولة، وتحديداً سلاح "حزب الله" الذي تستطيع إيران تحريكه ساعة تشاء وأنّى تشاء، وما نفع وجود رئيس وحكومة ومجلس نواب إذا ظل في استطاعة "حزب الله" كونه مسلحاً، منع اتخاذ أي قرار ومنع تنفيذ أي قرار لا يعجبه لا يعجب إيران، وهو الحاصل منذ عام 2005، وما نفع اجراء انتخابات نيابية تأتي بأكثرية لا يعترف "حزب الله" بها كما فعل حيال نتائج انتخابات 2005 و2009، فاستطاع أن يحول دون انتخاب رئيس للجمهورية من الأكثرية المنبثقة منها، ولا انتخاب رئيس لمجلس النواب ولا تأليف حكومة إلا كما أراد الحزب، أي حكومة تسمى كذباً وبهتاناً "حكومة وحدة وطنية" لا وحدة وانسجام بين أعضائها، فكانت حكومات فاشلة غير منتجة ألحقت الضرر بمصالح الوطن والمواطن.

لقد نجح "حزب الله" المسلح في جعل الشغور الرئاسي يستمر سنتين ونصف سنة، وهي مدة كانت كافية لإلحاق الضرر بمصالح الناس وشل عمل مؤسسات الدولة، ما اضطر القوى الفاعلة الى الإذعان لما يريده الحزب فكان انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية من دون سواه، وتألفت حكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري وكان للحزب وحلفائه فيها حصة وازنة. وها أن الحزب يصر الآن على اجراء انتخابات نيابية على قاعدة النسبية الكاملة وإلا فلا انتخابات ولا تمديد لمجلس النواب، أي ادخال لبنان مجدداً في خطر الفراغ.

أما لماذا يصر الحزب على اعتماد النسبية في الانتخابات المقبلة فلأنها في اعتقاده تضمن له الفوز بأكثرية المقاعد النيابية، فتصبح الكلمة لهذه الأكثرية في الانتخابات الرئاسية عندما يحين موعدها، وفي انتخاب رئيس المجلس وفي تأليف الحكومات. أي ان هذه الأكثرية في الحكومة، وفي مجلس النواب هي التي تحكم أياً يكن رئيس الجمهورية، حتى أن الرئيس عون اذا حاول الخروج على الخط الذي رسمه الحزب وايران للبنان، ففي امكانه التصدي له بقوة ديموقراطية الأكثرية وليس بقوة غير شرعية وغير ديموقراطية.

لذلك فإن انتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة تتمثل فيها القوى السياسية الأساسية في البلاد وإجراء انتخابات نيابية تبقى بلا معنى إلا في الشكل وليس في المضمون اذا لم يتم التوصل الى اتفاق على حل مشكلة سلاح "حزب الله". وهذا الحل ليس في لبنان انما هو في ايران أو لدى الدول المؤثرة عليها ليعرف لبنان أين مكانه في المنطقة. فمن المهم إذاً أن يتحرّك الرئيس عون مع فريق من الوزراء في اتجاه ايران للتفاهم معها على حل لمشكلة سلاح الحزب، إذ من دون هذا الحل لن تقوم دولة في لبنان قوية وقادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل أراضيها، ولا تكون سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها ولا سلاح غير سلاحها. فإذا استجابت ايران وقامت هذه الدولة فإن لبنان يكون قد دخل فعلاً عهداً جديداً لم يشهده من قبل، واستعاد فعلاً لا قولاً السيادة والحرية والاستقلال. واذا وجد الرئيس عون أنه في حاجة للاستعانة بدول لها تأثير على ايران، فعليه أن يزورها ويطلب منها العون، وإلا كان عهده كسائر العهود ولا شيء يكون قد تغير في لبنان، ويبقى شعار "التغيير والاصلاح" مجرّد شعار.

لقد تعرّض لبنان بعد نيله الاستقلال لما يتعرّض له اليوم، اذ ان القادة فيه انقسموا بين من يريد انضمام لبنان الى جامعة الدول العربية، ومن لا يريد ذلك حرصاً منه على الحياد بين "الشرق" و"الغرب". لكن بريطانيا التي كانت تريد لبنان في دائرة نفوذها من خلال انضمامه الى الجامعة العربية، أصرّت على انضمامه إليها، ففقد لبنان مذذاك قراره المستقل وصار خاضعاً لقرارات الجامعة. وانقسم القادة في لبنان بين من يريده منحازاً الى "حلف بغداد" ومن يريده خارج أي حلف أو يريده منحازاً الى "التيار الناصري" الذي كان يجتاح دولاً في المنطقة. وانقسم القادة مرة أخرى بين من هم مع الكفاح الفلسطيني المسلح في لبنان ومن هم ضده فكانت "حرب السنتين". وانقسموا أيضاً بين من يريدون بقاء القوات السورية في لبنان وإن خلافاً لاتفاق الطائف، ومن يرفضون ذلك بشدة تنفيذاً للاتفاق، فكانت الوصاية السورية على لبنان مدة 30 عاماً هي الحل الجائر.

هل يتعلم القادة في لبنان من أخطاء الماضي فيتوحدون في مطالبة الدول الصديقة والشقيقة بمساعدة لبنان على إقامة الدولة القوية، دولة غير منحازة الى أي محور أو حلف، ليرتاح ويريح؟