لم تبدد الزيارة الباباوية التاريخية إلى الإمارات ولا مؤتمر "الأخوة الإنسانية" والوثيقة العالمية للتعايش بين الأديان تشاؤم ثلثي قراء "إيلاف" الذين رأوا أن هذا كله لن يخفض الاحتقان الديني في العالم.

إيلاف من دبي: أجمع العالم على وصف زيارة البابا فرنسيس إلى دولة الإمارات العربية المتحدة بـ "التاريخية"، وعلى وصف لقائه بشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب بـ "المصيري". فأولًا، هذه أول زيارة لحبر أعظم إلى أرض الجزيرة العربية، وثانيًا هذا لقاء يعيد تشكيل العلاقات الإسلامية – المسيحية على مستوى العالم.

سألت "إيلاف" قراءها في استفتائها الأسبوعي: "هل تخفض زيارة البابا فرنسيس إلى الإمارات الاحتقان الديني في العالم؟". شارك في هذا الاستفتاء 842 قارئًا، أجاب 304 منهم بـ "نعم"، بنسبة 36 في المئة، فيما أجاب 538 منهم بـ "لا"، بنسبة 64 في المئة.

حرب ضروس
لفتت "صانداي تايمز" البريطانية في تقرير لها عن الزيارة الباباوية للإمارات إلى التغطية الإعلامية المكثّفة في الإمارات والسعودية لزيارة البابا والقداس الّذي أقامه في إستاد الشيخ زايد في أبوظبي، "فإحدى الصحف نشرت تغطية للزيارة على 27 صفحة بالكامل، بينها شرح لكيفية الإشارة بالصليب في أثناء الصلاة".

لكن... على الرغم من المؤتمر التاريخي بعنوان "الأخوة الإنسانية"، الذي حضره شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان وممثلو الأديان السماوية والطوائف العالمية وكبار القيادات الدينية والرموز الفكرية والثقافية، ورافقه توقيع وثيقة عالمية للسلام والتعايش بين أبناء الأديان المختلفة، وعلى الرغم من تقاطر رجال الدين المسلمين المعتدلين، سنة وشيعة، إلى الإمارات للقاء الحبر الأعظم، وعلى الرغم من احتشاد أكثر من 120 ألف مسيحي في أبوظبي لحضور القداس الاحتفالي هناك، فإن التشاؤم مستمر في التخييم على المنطقة بأسرها.

فهذا كله لم يغيّر رأي ثلثي قراء "إيلاف"، الذين رأوا أن الزيارة لن تخفض الاحتقان الديني في العالم. فالاعتدال في المنطقة ليس بقوة التطرف، إلى الآن في أقل تقدير، والقوى المعتدلة في الشرق الأوسط ما زالت تخوض حربًا ضروس ضد التوجهات الجهادية المتطرفة، التي ما زالت هي أيضًا تجد البيئات الحاضنة لها في بعض الدول، خصوصًا تلك التي يحكمها الإسلام السياسي، أو التي تناصر تنظيمات الإسلام السياسي وتدعمها، وتمدّها بأدوات الاستمرار والتطور، وبأدوات الإرهاب.

أصوليات أخرى
يقول مراقبون إن الاحتقان الديني في الشرق ليس إسلاميًا – مسيحيًا في الدرجة الأولى، ومن هذا المنطلق، وعلى الرغم من أهمية الرسالة التي وجّهها مؤتمر "الأخوة الإنسانية"، فإن تأثيره في الشرق سيكون نافلًا في الوقت الحالي. أما على مستوى العالم، فإن الأصولية ليست محصورة في الإسلام الجهادي السني، والذي يبدو أنه يلفظ أنفاسه مع انتهاء تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وحصار جبهة النصرة في إدلب تمهيدًا لإنهائها هي الأخرى، بل هناك أصولية أخرى لا ينبغي التراخي في مواجهتها، هي الأصولية الشيعية التي تحمل إيران لواءها، وتمارس من خلفها سياسة تصدير الثورة الإسلامية، ونشر الوكلاء كما هو حاصل مع حزب الله في لبنان وسوريا والعراق، ومع الحوثيين في اليمن، ومع بعض التنظيمات الصغيرة في بعض دول الجزيرة العربية. فهذه لا تقل خطرًا عن داعش وبقايا تنظيم القاعدة.

إلى ذلك، نبّه مراقبون إلى أن الموجات الجهادية التي تقاطرت بالآلاف من الدول الأوروبية في السنوات القليلة الماضية عائدة أدراجها إلى دولها الأم، وهذه ستكون مهدًا للاحتقان الديني في مجتمعاتها، خصوصًا أنها ستجد في أنحاء متعددة من أوروبا صعودًا شعبويًا لليمين المتطرف، الذي لن يفكر في تخطيط البرامج الاجتماعية والاقتصادية لإعادة تأهيلها إنسانيًا ومجتمعيًا، تمهيدًا لإعادة دمجها في جماعاتها أولًا، وفي المجتمع العام ثانيًا، بل سيفكر في أفضل الطرائق الأمنية لملاحقة العائدين والتحقيق معهم والتضييق عليهم وعلى عائلاتهم وسجنهم بحجج أمنية، لن تكون فاعلة أولًا، ولن تؤدي ثانيًا إلا إلى تسعير الاحتقان الديني، ما دام هؤلاء من المسلمين، والسلطة اليمينية مسيحية. حينها، ماذا ستنفع رسالة التسامح التي أطلقها البابا فرنسيس وشيخ الأزهر في الإمارات؟..

مرجعية رسمية واحدة
في المقابل، ثمة بصيص نور وأمل... فيرى بعضهم أن زيارة البابا فرنسيس إلى الإمارات ربما تذكر بأن أساس العالم هو الشعوب وحضاراتها المتعددة ودياناتها المتنوعة وثقافاتها المختلفة، ويكفي النظر إلى مسجد الشيخ زايد الكبير الذي يحتضن لقاء الأخوة الإنسانية كي يرى الناس بعدًا لهذا الحدث أعمق من مجرد اعتباره احتفالية روحية مميزة.

يقول محللون سياسيون إن لقاء البابا للمرة الرابعة بشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، ولقاءه هذه المرة بأعضاء مجلس حكماء المسلمين، يعنيان أن المسيحيين والمسلمين تجاوزوا مرحلة التوتر التي شابت العلاقة بين الإسلام والبابا السابق بنديكت السادس عشر الذي لصق سمة "العنف" بالإسلام، وأن حاظرة الفاتيكان نفسها تخلت عن هذه المسألة في نقد إصلاحي ذاتي، تبدو مؤسسة الإسلام الرسمي، أي الأزهر، أحوج ما تكون إلى خطوات مماثلة وموازية.

برأيه، ما يساهم في إزالة الاحتقان هو أن العالم أجمع يعترف بأن للإسلام مرجعية رسمية واحدة، هي الأزهر، ولا تمثله أي مرجعية أخرى، لا خلافة إسلامية ولا جهاد إسلامي ولا ثورة إسلامية، في خطوة مهمة على طريق "تجفيف" الخزانات الفقهية والأيديولوجية للجهاديات الإسلامية.

في هذا الإطار، يقول الأب رفعت بدر، مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن، لـ"سكاي نيوز عربية": "العالم العربي خرج لتوه من نفق ضيق يمثله الإرهاب والاستخدام الخاطئ للدين، ما يعني أن الفرصة أصبحت سانحة أكثر لعقد حوار أكبر بين الأديان، والاجتماع بين رمز الفاتيكان وأعضاء مجلس حكماء المسلمين الذي يرأسه شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب، ورموز الإمارات الدينية والسياسية يعني إنقاذ الدين من كل ما سقط به على أيدي الإرهاب، والنهوض بالإنسانية عبر النظر إلى الدين كعامل للمودة والأخاء".