قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

امرأة تدلي بشهادتها امام اللجنة
Getty Images
وقع الآلاف ضحايا حملة مكارثي في مختلف المجالات

يتحدث إحسان مسعود الذي أجرى بحثاً حول "المكارثية في المجال الأكاديمي" لمدة عام في معهد ماساتشوستس عن تجربة ثلاثة أكاديميين كانوا من بين ضحايا هذه الحملة.

قبل سبعين عاماً شهدت الولايات المتحدة حملة محمومة ضد ما وصف وقتها بــ" الخطر الشيوعي"، نتج عنها قلب حياة العديد من ضحايا هذه الحملة رأساً على عقب. وفي ما يلي نعرض تجربة ثلاثة أشخاص في المجال الأكاديمي ممن كانوا ضحايا هذه الحملة.

استيقظت الولايات المتحدة قبل 70 عاماً على سؤال كبير طرح لأول مرة: "هل أنت شيوعي أو كنت شيوعيا يوماً ما"؟.

في شهر فبراير/شباط 1950 أعلن عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية وينكسون جوزيف مكارثي أن لديه قائمة تضم 205 موظفين يعملون في وزارة الخارجية الأمريكية ويشتبه بأنهم شيوعيون.

وعقب ذلك انطلقت في الولايات المتحدة حملة مطاردة شاملة وغير مسبوقة في القرن العشرين أدت إلى اعتقال آلاف الشيوعيين أو الذين يشك بأن لديهم توجهات شيوعية، وجرى تقديمهم إلى القضاء بتهمة محاولة الإطاحة بالحكم بالقوة أو العنف.

ورغم مرور سبعة عقود على تلك الحملة ما زال الأمريكيون يتذكرون القائمة السوداء لهوليوود والتي كانت تضم 10 اشخاص فقط.

ليون كامين
Getty Images
أصبح ليون كامين أبرز علماء النفس في الولايات المتحدة فيما بعد

مطاردة

لكن نادراً ما تم التطرق إلى ضحايا المكارثية في المجال الأكاديمي خلال فترة الخمسينيات من القرن الماضي حيث تعرض العديد من العاملين في هذا المجال إلى التضييق عليهم بسبب أفكارهم السياسية.

من بين هؤلاء عالم النفس ليون كامين، ابن حاخام تاونتون في ولاية ماساتشوستس والذي أصبح لاحقاً أحد أبرز علماء النفس في الولايات المتحدة قاطبة.

في عام 1953 تم استدعاء كامين للمثول أمام هيئة محلفين في بوسطن وطلبت اللجنة منه الكشف عن أسماء الشيوعيين في بوسطن.

وكان كامين يعمل في مختبر بجامعة هارفارد المرموقة في مجال الأصوات تحت سطح الماء، حيث كانت تجري تجربة تقنية جديدة للكشف عن الغواصات حسب المراسل الصحفي في مجال العلوم فيكتور ماكالهيني والذي حضر جلسات استجواب كامين حين كان مراسلاً للصحيفة الطلابية لجامعة هارفارد.

ويقول ماكالهيني: "إن المختبر كان يعمل في مجال علمي له علاقة مباشرة بالشأن العسكري وبدا الأمر وكأن هناك شيوعيين يعملون في مختبر عسكري حساس".

ورغم مرور ستين سنة على جلسات التحقيق، يتذكر البروفيسور كامين اللحظات العصيبة التي مر بها وكأنها وقعت البارحة، ويقول "حالما دخل مكارثي إلى قاعة المحكمة وقف الجميع له، رجالا ونساءً وكل أعضاء هيئة المحكمة وهو يصفقون له".

وكان التصفيق لمكارثي سببا كافيا لنجاة كامين، إذ اعتبر القاضي أن التصفيق الذي حظي به ماكرثي قد يؤثر على موقف المحلفين من المتهم.

ويصف كامين الموقف بقوله: "لقد نجوت من الوقوع في المصيدة بسبب ذلك. طلب المحامي من القاضي رفض الدعوى فاستجاب للطلب".

ورحل كامين عن الدينا قبل أيام قليلة من عيد ميلاده التسعين. لم يحاول كامين إخفاء افكاره الشيوعية في بداية حياته بتاتاً، بل يقول "كنت افتخر بها".

ماكرثي
Getty Images
تم استقبال مكارثي بالتصفيق لدى دخول القاعة والوقوف له

مناهضو الشيوعية أيضا

لم يكن الشيوعيون وحدهم ضحايا حملة ماكرثي بل شملت حتى مناهضيها مثل الاقتصادي في مجال التنمية غوستاف باباناك الذي فرت أسرته من القارة الأوروبية مثل أسرة ليون كامين مع تصاعد المد الفاشي في أوروبا الشرقية في أوائل القرن العشرين.

درس بابانك، 92 سنة، في جامعة هارفارد مثل كامين، وهو لا يزال يقدم المشورة لبعض الدول مثل أندونيسيا في مجال التنمية.

في خمسينيات القرن الماضي نال باباناك درجة الدكتوراه، وفي بداية مسيرته المهنية عمل في وكالة تابعة لوزارة الخارجية الأمريكية تعمل في مجال تقديم المشورة التقنية للدول الفقيرة.

يقول باباناك "قال مكارثي وقتها إن وزارة الخارجية مليئة بالشيوعيين وبعديمي الكفاءة وعلينا اقتلاعهم منها. لم أشعر بالقلق أبداً. كنت مثل 95 في المئة من موظفي الخارجية اتمتع بالحماية القانونية ولا يمكن طردي من العمل".

غوستاف باباناك
Getty Images
غادر غوستاف الولايات المتحدة بعد فصله من العمل ومنعه من العمل

وكان من غير الممكن أيضا طرد البروفيسور باباناك لسبب آخر بسبب مشاركته في الحرب العالمية الثانية وهذا يمنحه الحماية بموجب قانون حماية قدماء المحاربين، وبالتالي كانت الوسيلة الوحيدة للتخلص منه هي حل الوكالة التي كان يعمل فيها برمتها وهو ما جرى فعلاً.

ويشرح باباناك ذلك قائلا: " قاموا بتأسيس وكالة جديدة وظفت 85 في المئة من موظفي الوكالة القديمة وجرى استبعاد من وصفوهم بعديمي الكفاءة والشيوعيين وكنت من بين من جرى إبلاغهم رسميا بالاستغناء عن خدماتهم".

اضطر باباناك إلى مغادرة الولايات المتحدة بعد أن بات في عداد من لا يحق لهم العمل. اصطحب أسرته إلى باكستان حيث عمل مستشاراً اقتصادياً حتى عام 1958 وعاد إلى بلاده مع تراجع موجة المكارثية.

كان باباناك من القلة المحظوظين الذين لم يضطروا إلى مواجهة مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي الواسع النفوذ

"أساليب قذرة"

كان المكتب يعمل على مدار الساعة بهدف تخليص البلاد مما ووصفه بـ "الوباء الأحمر" ولم يكن يتردد في اللجوء إلى الأساليب القذرة حسب ما تقول المؤرخة والبروفيسورة ايلين شريكر، أبزر مؤرخي مرحلة الماكرثية والتي تعمل في جامعة يشيفيا في نيويورك.

وتشرح شريكر ما كان يقوم به مكتب التحقيقات في المجال الاكاديمي ضد من كان يشك بميولهم السياسية قائلة: "يأتي عنصر من مكتب التحقيقات إلى مكتب رئيس الجامعة أو الكلية أو حاكم ولاية ويسلمه ورقة لا تحمل أسم الوكالة أو رقماً في سجلاتها" وكانت الورقة تحمل عنوان: "مذكرة غير قابلة للتعقب ومجهولة المصدر، تتضمن فقط اسم الشخص وأسماء أشخاص مشبوهين له صلة بهم، والتوصية بعدم تعيينه في منصب وعدم تجديد عقده أو الوظيفة التي يتولاها. وكان يتم إنهاء عمله بهدوء دون أن يكون هناك أي دليل أن مكتب التحقيقات الفدرالي يقف وراء ذلك".

وكان أحد هؤلاء الضحايا الدكتور كارل سولومون المؤرخ في مجال الأمريكيين من أصول أفريقيا في كلية سايمونز في ماساشوستس وحامل درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد.

بعد سنوات عديدة طلب سولومونز من المكتب الحصول على ملفه لديه، فتبين له أنه جرى استهدافه من أعلى المستويات في المكتب،وأوضح قائلا : "رغم أن الملف الذي حصلت عليه مختصر جداً لكنه تضمن طلبا من المدير الإقليمي للمكتب في بوسطن من مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي وقتها أدغار هوفر للموافقة على شن حملة تهدف إلى تقويض سمعتي الأكاديمية وطردي من جامعة هارفارد. ووافق هوفر على الطلب لكنه طلب التزام الحرص على المصادر التي تم الاعتماد عليها في هذا المجال بغية عدم كشف أي دور للمكتب في تلك الحملة".

ويقول البروفيسور باباناك إن أوروبا وأمريكا تشهدان بروز الساسة الشعبويين وبالتالي لا يستبعد ظهور المكارثية ثانية وليس من السهل التصدي لها لأن ذلك يتطلب تضافر جهود المواطنين الأمريكيين من جميع التوجهات والميول، مضيفا: "الذين يتحلون بالشجاعة يمكنهم التصدي لأمثال مكارثي".