قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

المفاوضات لا الحرب هي الطريق لمنع إيران من التسلح بالقنبلة النووية. على وقع طبول الحرب، هل يعود الأميركيون والإيرانيون إلى طاولة المفاوضات لإنتاج اتفاق نووي جديد؟

إيلاف من دبي: لأربعة أعوام خلت، كانت طريق إيران إلى الحصول على سلاح نووي مغلقةً. فالاتفاق النووي الذي وقعته مع الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى في عام 2015 حصر برنامجها النووي بالاستخدام المدني، مثل توليد الطاقة، وفرضت عليه أقسى نظام تفتيش ومراقبة في التاريخ.

ألغى فاستأنفت

اتفق الخبراء على أن إيران تمتثل للتعليمات الدولية، وأن أنشطتها النووية قد تم احتواؤها. لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرر إلغاء الاتفاق النووي، فاستأنفت إيران تخزين اليورانيوم منخفض التخصيب، وهي اليوم توشك أن تتجاوز سقف 300 كيلوغرام المنصوص عليه في الاتفاق.

ربما تتردد إيران قبل تجاوز خط الخطر، لكنها تهدد أيضًا بزيادة مستوى تخصيب اليورانيوم، وتقريبه من المادة التي تكوّن قنبلة نووية.

لحسن الحظ، لا توشك إيران أن تصبح قوة نووية، فهي تحتاج إلى عام آخر قبل أن تحقق ذلك. لكنها تستخدم مرة أخرى برنامجها النووي لتضغط على الولايات المتحدة، وهذا يضيف عنصرًا جديدًا متفجرًا إلى مزيج متقلب بالفعل. فالولايات المتحدة تتهم إيران بمهاجمة ست سفن في مضيق هرمز منذ مايو الماضي. في 20 يونيو الجاري، أسقطت إيران طائرة تجسس أميركية من دون طيار. أكدت الولايات المتحدة أن الطائرة كانت تحلق فوق المياه الدولية، لا فوق إيران، وأرسلت طائرات حربية للرد. لكن، قبل عشر دقائق من الموعد المقرر لضرب أهداف داخل إيران، أوقف ترمب العملية، واكتفى بهجوم سيبراني على المنشآت النووية الإيرانية.

كان متساهلًا

لا يريد أحد حربًا جديدة كبيرة في الشرق الأوسط، لا ترمب ولا حلفاء أميركا ولا إيران. مع ذلك، فإن إستراتيجية ترمب المتمثلة في ممارسة "أقصى قدر من الضغط" على إيران تجعل احتمال نشوب حرب أكثر ترجيحًا، لأن إصدار كل طرف تهديدات غير مسبوقة إزاء الطرف الآخر قد ينتهي بإساءة أي طرف قراءة الخطوط الحمراء التي وضعها الطرف الآخر. مجال المناورة عند ترمب يتقلص. فمع تحول إيران إلى دولة أكثر عدوانية، ستزداد الدعوات إلى الرد، ليس أقلها من حزبه الجمهوري. قبل خروج الأمور عن السيطرة، يحتاج الطرفان إلى الجلوس حول طاولة المفاوضات، وهذا ليس مستبعدًا كما يبدو.

تعتمد إستراتيجية ترمب في إيران على فرضية أن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما كان متساهلًا جدًا في أثناء المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي في عام 2015. في العام الماضي، شرع ترمب يضغط للحصول على شروط أفضل، من خلال التخلي عن الاتفاق وإعادة فرض العقوبات التي شلت الاقتصاد الإيراني.

يحاجّ مستشاروه بأن هذا سيجبر إيران الضعيفة اقتصاديًا على القبول باتفاق جديد يستمر فترة أطول من الاتفاق القديم، والذي تنتهي صلاحية معظم بنوده بحلول عام 2030. كما يريدون فرض القيود على برنامج الصواريخ الإيراني، وإنهاء تدخل طهران العنيف في المنطقة. يرى مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي، أن العدوان الإيراني الأخير علامة على أن الإستراتيجية الأميركية تؤتي ثمارها.

الحسابات الأخطر

أجلست العقوبات الصارمة إيران إلى طاولة المفاوضات في عام 2015، لكن من غير المحتمل أن تؤدي إلى التحول الذي يريده ترمب. لهذا الأمر أسباب عدة، أحدها هو أنه أساء إلى الثقة التي يتمتع بها الرئيس الإيراني حسن روحاني، بطل الاتفاق النووي. فالمتشددون الآن هم من يمسكون بزمام الأمور. السبب الآخر هو أن الولايات المتحدة تتصرف اليوم وحدها. في عام 2015، وفي لحظة نادرة من لحظات الوحدة الدولية، حظيت الولايات المتحدة بدعم حلفائها الأوروبيين، وكذلك بدعم روسيا والصين.

أقصى ضغط يتولّد مع مخاطر إضافية. يريد الملالي ومعهم الحرس الثوري إثبات رغباتهم من خلال إظهار أن لأفعال ترمب أثمانا يدفعها الجميع. إضافة إلى الهجمات على السفن وبالطائرات من دون طيار، ضرب وكلاء إيران خطوط أنابيب في المملكة العربية السعودية، ويشتبه في أنهم ضربوا قواعد عراقية تستضيف القوات الأميركية. إذا لم يتم رفع العقوبات، ربما يلجأ المسؤولون الإيرانيون إلى إغلاق مضيق هرمز الذي يعبره خمس نفط العالم.

يرد صقور الإدارة الأميركية، مثل مستشار الأمن القومي جون بولتون، بالقول إنه إذا كانت إيران تريد الحرب، فهذا ما ستحصل عليه، خصوصًا إذا كانت تظهر علامات تدل على امتلاكها القنبلة النووية، ما سيؤدي إلى انتشار كارثي للسلاح في الشرق الأوسط. لكن هذه الحسابات هي الأخطر على الإطلاق. فبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، ربما لا تحوز دعم حلفائها الأوروبيين إذا قررت توجيه ضربة عسكرية إلى إيران. فستعارض الصين وروسيا بشدة أي عمل عسكري ضد طهران.

معوق عقليًا!

ربما تؤدي العقوبات أو الحرب إلى انهيار النظام في إيران. لكن هذه ليست استراتيجيا مشهودة: فقد قاومت كوبا العقوبات الأميركية عقودًا طويلة. على الأرجح، ستقرأ إيران المهزومة أمثولة كوريا الشمالية المسلحة نوويًا، فتضاعف جهودها للحصول على قنبلة نووية. الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية لن يدمر الخبرة النووية الإيرانية كما يعترف بولتون. إذا منعت إيران المفتشين الدوليين من العمل في منشآتها، وهذا محتمل جدًا، فسوف يستمر برنامجها تحت الأرض، حرفيًا ومجازيًا، ما يجعل من الصعب إيقافه.

البديل للمسار الحالي هو محادثات سريعة بين أميركا وإيران، ولو كانت هذه المحادثات تبدو بعيدة المنال. تقول وزارة الخارجية الإيرانية إن العقوبات الأميركية المفروضة على المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية آية الله علي خامنئي وغيره من كبار المسؤولين تمثل "إغلاقًا تامًا لأي مسار دبلوماسي". وقال روحاني إن البيت الأبيض "معوق عقليًا".

لكنّ المتفائلين سيتذكرون الصدامات المماثلة بين الرئيس الأميركي وكيم جونغ أون، حاكم كوريا الشمالية المستبد، قبل أن يجتمعا في سنغافورة و"يتبادلا الغرام"، كما قال ترمب. عندما لا يهدد ترمب بإبادة الملالي، يعرض التحادث من دون شروط مسبقة ويتكلم على "جعل إيران عظيمة مرة أخرى". إنه لا يريد أن تلوح آفاق الحرب في الشرق الأوسط في حملته لإعادة انتخابه رئيسًا. في المقابل، يتقلص الاقتصاد الإيراني، فالأسعار ترتفع ويصاب الناس بالضيق، ويتزايد الضغط على خامنئي لتبرير تعنته. يمكن وردة الحب أن تتفتح أكثر.

اتفاق جديد؟

ربما تُقنع الولايات المتحدة إيران بالعودة إلى طاولة المفاوضات بإيماءة حسن نية، مثل إعادة الإعفاءات التي تسمح لبعض الدول بشراء النفط الإيراني. يمكن إيران، بدورها، أن تعد بالامتثال للاتفاق النووي مرة أخرى. في ما وراء الكواليس، أعرب قادة إيران عن استعدادهم لتوقيع اتفاق يشبه الاتفاق القديم مع بعض الإضافات، مثل تمديد أجزاء من الاتفاق إلى ما بعد عام 2030.

لن تكون المفاوضات سهلة؛ فالتعامل مع الإيرانيين الغاضبين صعب. لكن هذا من شأنه أن يسمح للرئيس الأميركي بالإعلان عن النصر، كما فعل بشأن الاتفاق بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، الذي وقّعته إدارته في العام الماضي، والذي يشبه إلى حد كبير سلفه اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية.

ماذا عن الاتفاق الذي يقيد برنامج الصواريخ الإيراني في المنطقة؟ كما يبدو، يدرك ترمب أن الحصول على كل شيء دفعة واحدة أمر غير واقعي. لا يمكن حل جديد أن يحل المشكلات كلها التي تمثلها إيران، أو أن يطبع العلاقات الأميركية - الإيرانية بعد عقود من العداء.

ربما لا يرفع الاتفاق الجديد كل العقوبات الأميركية، وهذا ما لم يفعله الاتفاق السابق أيضًا. لكن، إذا تم ذلك بشكل صحيح، سيركن الاتفاق برنامج إيران النووي على الرف، ما يجعل من الأسهل معالجة المشكلات الأخرى كلها، من دون التسبب في حرب.

* تظهر هذه المقالة في قسم "القادة" بنسخة "إكونوميست" الورقية، تحت عنوان "كيفية احتواء إيران"، وتصدر في 27 يونيو الجاري.