هل حان الوقت للإقرار بأن التسوية الرئاسية كانت خطأ فادحًا، وأنها ستكون قاتلة ومدمرة على الكيان اللبناني برمته، إذا استمرت الأمور ذاهبة في طريق الانهيار على غير مستوى؟.

إيلاف من بيروت: بعد نحو 3 سنوات على التسوية الرئاسية التي أتت بميشال عون رئيسًا للجمهورية اللبنانية، وعلى وقع ما شهدته البلاد منذ انتخاب عون، وما تشهده في الآونة الأخيرة، ما قبل "حادثة قبرشمون" وما بعدها من إمعان في ضرب المؤسسات، بات السؤال المطروح، هل حان الوقت للإقرار بأن التسوية كانت خطأ فادحًا وأنها ستكون قاتلة ومدمرة على الكيان اللبناني برمته، إذا استمرت الأمور ذاهبة في طريق الانهيار على غير مستوى؟.

في هذا الصدد يؤكد المحلل السياسي والأكاديمي منير فاخوري لـ"إيلاف" أنه "إذا كان الاستقرار السياسي مشروطًا بعمل الحكومة، فإن وضع الحكومة يتوقف أولًا على العلاقة بين الحريري وعون، فطالما هذه العلاقة قائمة على الثقة والتعاون يكون بالإمكان امتصاص الأزمات وإدارتها وتحييد الحكومة، ومن اللحظة التي تصاب فيها هذه العلاقة الثنائية بخلل أو عطب، تصبح الحكومة في خطر.

الانسجام
يضيف: "حتى الآن تحافظ العلاقة بين عون والحريري على قدر لا بأس به من الانسجام والتماسك والثقة المتبادلة، إلى درجة أن الحريري بات يعطي أولوية للعلاقة مع الرئيس عون، وأن مجلس الوزراء كاد أن أن يكون في الماضي منقسمًا في الملفات غير السياسية بين محورين، الأول ثابت، وضم وزراء عون والحريري، والثاني متحرك، ويتغير تبعًا لكل ملف ويضم الباقين، وإلى درجة أن "التحالف" بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحر بات مميزًا ومتقدمًا على أي تحالف آخر.

علاقة مميزة
يتابع: "هذه العلاقة المميزة بين عون والحريري هي التي أتاحت تمرير الكثير من التعيينات الحساسة، منها قيادة الجيش والأجهزة الأمنية وحاكمية مصرف لبنان، وطي ملف قانون الانتخاب بعد طول صراع مع التجاذبات والخلافات، وحيث كان التنسيق في هذا الملف على أشده بين سعد الحريري وجبران باسيل، مع أن النتائج لم تأت مفصلة تمامًا على قياس مصالحهما، واستطاع عون والحريري معًا تجاوز ضغوط إقليمية واستباق عقوبات أميركية وتحييد لبنان عن المحاور والصراعات الإقليمية، ولكن حدث في الفترة الأخيرة ما أدى إلى أن تدخل عوامل ومؤثرات جديدة على خط هذه العلاقة وضاغطة في اتجاه إحداث تبديل في مناخها ومسارها، عندما وضع ملف العلاقة مع سوريا على جدول أعمال الحكومة السابقة، وجرى طرح هذا الملف من قبل حزب الله وحلفائه من زاوية أن الوقت قد حان لنقل العلاقة مع سوريا إلى مرحلة جديدة من التنسيق الرسمي والعلني، ولخلق دينامية جديدة في هذه العلاقات تتماشى مع الواقع الميداني على طول الحدود اللبنانية ـ السورية، ومع تطورات الأزمة السورية المتجهة إلى تسوية سياسية على قاعدة بقاء بشار الأسد، وبالتالي فإن حزب الله يريد ترجمة "الانتصارات" العسكرية المتدحرجة على "أرض" العلاقات اللبنانية ـ السورية وتحت عنوان "حتمية وضرورة التنسيق بين الحكومتين في ملفات النزوح والاقتصاد، وبين الجيشين في ملفات الأمن ومحاربة الإرهاب".

الحريري
ويضيف: "هذا التوجه أثار حفيظة الحريري وحلفائه في الحكومة، وأولهم وزراء القوات اللبنانية، وتسبب في إحياء الانقسام السياسي والاصطفافات السابقة، فقد اعتبر الحريري أن في الأمر إخلالًا في قواعد اللعبة ومبادئ التسوية المتفق عليها، وأنتجت رئيسًا للجمهورية وحكومة وقانون انتخابات. فقد اتفق على "ربط نزاع" وإبقاء كل الخلافات والملفات السياسية جانبًا والنأي بالنفس عن الأزمات والمحاور الإقليمية، ولكن حزب الله قرر فجأة وضع ملف العلاقة مع سوريا على الطاولة، ودفع الحكومة اللبنانية السابقة إلى نقطة جديدة وإلى تموضع تبدو فيه أقرب إلى المحور السوري ـ الإيراني، وهذا التوجه لا يمكن للحريري أن يحمل تبعاته ونتائجه، ولكنه ليس في الوضع الذي يسمح له بالذهاب في رد فعله إلى أكثر من ردود فعل سياسية موازية والتلويح بفتح ملفات خلافية أخرى، مثل ملف سلاح حزب الله وإحياء الحوار الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية، ومثل ملف القرار 1701 والدعوة إلى توسيع تطبيقه ليشمل الحدود الشرقية مع سوريا. وأما الذهاب إلى خيار الاستقالة، فإنه ليس واردًا ولا ممكنًا في هذه المرحلة، لأن أحدًا لا يريد الوصول إلى هذا المفترق، وخروج الوضع عن السيطرة، ولأن الحكومة مستمرة بفعل التسوية السياسية التي مازالت سارية المفعول وحزب لله ملتزم بها، ومادامت العلاقة الوطيدة قائمة بين عون والحريري التي هي في أساس الاستقرار السياسي والحكومي.