قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تكثر الخطابات السياسية في لبنان، وهي في معظمها تقصي الآخر وتخوّّّنه، ولكن يبقى السؤال ما مدى نسبة الحقيقة في كل تلك الخطابات السياسية؟.

إيلاف من بيروت: يؤكد الأكاديمي الدكتور فيليب أبو خاطر لـ"إيلاف" أن الخطاب السياسي يحتلّ مركزًا مهمًا في حياتنا اللبنانية العامة. "فنحن لا نفهم أي فعل خاص أو عام إلا بردّه إلى السياسة، ولا نستلذّ أي قول أو سلوك إلا مذابًا في ماء السياسة، ولا ننام إلا على الوعد بأحلام السياسة السعيدة، ويبقى أن تعلّق اللبنانيين بالسياسة لا يضارعه أي تعلّق".

ظاهرة جديدة
يلفت أبو خاطر إلى أن الخطاب السياسي اللبناني ظاهرة جديدة لم يأخذ مداه الفعلي إلا في أواسط العشرينات من هذا القرن.

فبين 1920 مولد لبنان الكبير واتفاق الطائف في التسعينات نما الخطاب السياسي في لبنان من خلال تكوّن حقل تحاور وتجادل، كانت تتواجه فيه وما زالت الأيديولوجيات والتيارات الفكرية التي حاولت أن تعرض على اللبنانيين تصوّرات لهويتهم القومية، ولمشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية، ولأساليب خلاصهم، ولمحتويات توجّهاتهم الثقافية، ولطبيعة الأعداء والعوائق التي تحول دون تحررهم.

صناعها وأربابها
يلفت أبو خاطر إلى أن "هذه السياسة التي تلازمنا في لبنان في صبحنا ومسائنا، في ذهابنا ومجيئنا، لها صنّاعها، ولها أربابها، ولها أخيرًا ناسها، ولها قبل أي شيء آخر لغتها".

أما ما مدى نسبة الحقيقة في الخطاب السياسي اللبناني فيقول أبو خاطر لـ"إيلاف" إن لغة السياسة بوجه عام لا تهدف إلى التعبير المعرفي، ولا يهمّها كثيرًا نقل الوقائع والحقائق، وإنما هي اللغة، أي الأداة التي توظّف لخدمة موقع أو هيئة أو شخص، وبالتالي فهي ليست لغة صريحة، وإنما هي لغة ملتبسة متعددة المعاني والإيحاءات والإحالات، وهي لغة تجمع بين الاستدلال العقلي والمغالطات المنطقية، بهدف إثارة الأذهان وتعبئة النفوس للإنخراط في العمل من أجل الوصول إلى الأهداف التي يبتغيها مستعملوها، وبذلك تلتقي بلغة الأيديولوجيا التي هي في الغالب فكر في خدمة السلطة.

المصالح
ويلفت أبو خاطر إلى "أن لغة السياسة هي على عكس اللغة الأدبية، ترتبط بمصلحة اقتصادية أو سياسية أو سيكولوجية، وتتجه إلى الإقناع والتمويه. لذلك نراها مضطرّة دائمًا للتبرير، تبرير الأفعال والأقوال، وتبريرها لا يقوم على تحليلات وتفسيرات، وإنما يقوم على تأويلات للوضع القائم، تأويلات ترمي من ورائها إلى دفع الناس إلى القبول بشرعيتها المشكوك في نزاهتها ونجاعتها.

يضيف: "هذا النوع من التأويلات (كل شيء يعود سببه إلى الحرب في لبنان) تتحوّل المسببات فيه إلى نتائج والنتائج إلى مسببات، أو تتحوّل المقدّمات إلى نتائج، والمعلولات إلى علل وبالعكس".

السياسيون والخطاب
أما كيف يستعمل السياسيون خطاباتهم للوصول إلى مصالحهم الضيقة فيلفت أبو خاطر إلى أن "اللجوء إلى فكرة الأزمة هو في الواقع مهرب سهل للسياسيين في السلطة لتبرير ممارساتهم واستدرار الظروف التخفيفية لإهمالهم وفشلهم في إدارة أمور الوطن العامة، وفكرة الأزمة المرافقة لكل وضع أو حالة هي في الواقع حجّة كاذبة لنفي المسؤولية عنهم، وتحميلها إلى عوامل خارجية، لا يد لهم فيها، فالحالة الاقتصادية المتردية في لبنان اليوم لا تعود إلى سوء إدارة الدولة بحكامها وموظفيها، وإنما تعود إلى سنوات الحرب، والبطالة المتفشية في سوق العمل لا تردّ إلى عجز الحكام عن إيجاد فرص عمل للعمال، وإنما تردّ إلى العمالة الأجنبية التي دخلت إلى لبنان، والخوف على سعر صرف الليرة اللبنانية لا يكمن في عجز الحكام عن ضبط الإنفاق وتطوير الإنتاج وإنما يكمن في عدم قدوم الرساميل الأجنبية إلى لبنان.

ويلفت أبو خاطر إلى أنه يمكن القول إن اللغة هي الأداة السياسية بامتياز لكونها الوسيلة القادرة على الإقناع والإيهام بحسن السياسة ونجاعتها، واستنتاجًا يمكن القول أيضًا إنه باللغة تفرض السلطة السياسية نفسها، وباللغة توفّر على نفسها استعمال العنف الجسدي، وبذلك تلعب دورًا كبيرًا في تكريس السيطرة كما يقول هابر ماس، وتعميم الأوهام، وتدعيم النظام الاجتماعي.