قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مع الحراك الشعبي في لبنان، الذي يستمر منذ عشرين يومًا، برزت المطالبة بالدولة المدنية، وبدا هذا المطلب أيضًا في الخطاب الأخير لرئيس الجمهورية ميشال عون، فما مدى أهمية تطبيقه في لبنان، وهل فعلًا يمكن العمل به؟.

إيلاف من بيروت: يقول الأكاديمي الدكتور فريد عطالله لـ"إيلاف" إن "الدولة المدنية هي فكرة متداولة منذ زمن في لبنان، خصوصًا في الفترة التي سبقت الحرب الأهلية، التي أدّت إلى إنهيار مفهوم الدولة في لبنان لمصلحة حكم الميليشيات.

إستطاعت هذه الميليشيات بعد إتفاق الطائف أن تتغلغل داخل مؤسسات الدولة وتُهيمن عليها، على قاعدة المحاصصة الطائفية، فاحتكرت تمثيل الطوائف، وكرّست الطائفية أكثر في الثقافة السياسية اللبنانية.

إلغاء
ورغم أن الطائف دعا إلى إلغاء الطائفية السياسية، وتشكيل مجلس شيوخ للطوائف، بعد إنتخاب أول مجلس نيابي وطني غير طائفي، إلاّ أن فترة ما بعد الحرب وحتى الآن لم يُظهر فيها الساسة اللبنانيون أي جدية حيال هذا الأمر، رغم المطالبات الشكلية بذلك من قبل البعض.

اليوم، أعاد رئيس الجمهورية ميشال عون فكرة الدولة المدنية، واعتبرها حلًا للأزمة اللبنانية، فهل هو جادّ في طرحه؟.

يؤكد عطالله أنه سبق لرئيس مجلس النواب نبيه بري أن أعاد أيضًا طرح أفكار عدة متعلّقة بإصلاح وتحديث النظام السياسي في لبنان، من القانون النسبي إلى إلغاء الطائفية السياسية، وهي أفكار ليست خاصة به بالطبع، لكنه من أبرز المسؤولين داخل منظومة الحكم التي نادوا بها.

لكن بحسب عطالله، طرح الأفكار من قبل رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي شيء وتطبيقها شيء آخر، إذ إن تجربة القانون النسبي جعلت كثرا يُعيدون حساباتهم في لبنان، ويتمسكون بحكم الطائفية السياسية والديمقراطية التوافقية.

السبب في ذلك يعود بحسب عطالله إلى أن هذه الأفكار الإصلاحية، ورغم إيجابياتها، لا تترافق عادة مع حملة تثقيف لممارستها، فتأتي النتائج مشوّهة.

فالنسبي مثلًا كان مطلبًا للمعارضة للوصول إلى البرلمان، إلاّ أن النتائج كانت كارثية، فلم يصل منهم إلا نائب واحد من أصل 128 نائبا.

الشعب
مرد الأمر بحسب عطالله يعود إلى "أن الشعب وثقافته المعتادة على الإنتخاب الأكثري هو نفسه من إنتخب وبالثقافة نفسها على أساس قانون نسبي، فتغيّر القانون، ولم تتغيّر الثقافة، ما أدّى إلى سيطرة القوى الطائفية الأبرز على مجمل المقاعد النيابية، حتى إن القوى الإسلامية ما زالت تُسيطر على عدد من المقاعد المسيحية، وهذا ما يُخيف البعض".

العدد
فالهاجس الأساس يضيف عطالله، هو من العدد، إذ إن أكثرية السكان في لبنان هم من المسلمين، وأي طرح للنسبية الكاملة أو إلغاء للطائفية السياسية، في ظل غياب ثقافة ووعي كامل لدى الفئات العمرية كافة عند اللبنانيين، يعني أمرا واحدا، وهو هيمنة إسلامية على الدولة اللبنانية تحت ذريعة طروحات إصلاحية.

فأي حزب مسلم سيستفيد من طروحات إلغاء الطائفية السياسية ليحكم، لكون الظروف ستُلائمه أكثر على قاعدة الديمقراطية الأكثرية بعد إلغاء الديمقراطية التوافقية، وفي ظل أيضًا ثقافته كمسلم وتمسكه بهويته الدينية على حساب مدنية الدولة.

ضمن هذا السياق، يضيف عطالله، تأتي الدولة المدنية لتكون مشكلة لا حلًا، وفي لحظة تفوق إسلامي، شيعي خاصة، في لبنان، وتُفتح معها سجالات النصوص والنفوس.

فهذه النفوس يجب أن تكون مستعدة لتقبّل فكرة قيام الدولة المدنية، وألا تعتبرها عاملا مساهما في تكريس هيمنة طائفة على حساب أخرى، وبالتالي يجب العمل بشكل جادّ على ثقافة ووعي ونفوس اللبنانيين. وإن كان من السهل المطالبة بالدولة المدنية، لكن تطبيقها والعمل على ذلك يُظهران مدى الجدية من عدمها.

الدولة المدنية
يشرح عطالله ويقول إن "الدولة المدنية هي الدولة التي تفصل بين الدين والسياسة، ولا يحكمها عسكر أو رجال دين، بل مدنيون، ضمن نظام مدني يُعامل الجميع على أساس أنهم مواطنون، لهم حقوق وعليهم واجبات، بغضّ النظر عن دينهم وعرقهم ولونهم وجنسهم.

في الدولة المدنية، هناك نظام مدني يحكم على أساس الدستور، والقانون هو من يُنظّم علاقات المواطنين في ما بينهم البعض، لا الشريعة أو باقي النصوص الدينية، وفيها يُعامل الجميع بسواسية وبالحقوق نفسها، الديني والملحد والمثلي وغيرهم.

وهي تكفل للجميع ممارسة طقوسهم الدينية والإجتماعية والثقافية، وتصون مفهوم الحرية وتحمي الحريات على إختلافها ما دامت تحت سقف القانون. ولا يمكن في الدولة المدنية أن تُفرض أجندة دينية أو أيديولوجيا دينية، بل الحكم المدني هو السائد، وتعمل على تكريس الثقافة المدنية ليحكم النظام المدني.

أما النقطة الأهم، فهي أن الدولة المدنية لا تُعامل المواطنين على أنهم جماعات، بل أفراد متساوون بالحقوق والواجبات.

المشكلة اللبنانية
يضيف عطالله: "هذه الأفكار لو تكوّنت في نفوس وعقول اللبنانيين، وأصبحت ثقافة مُقنعة لهم، وسلّموا بها، فهي تعني أن الدولة المدنية ستحلّ المشكلة اللبنانية نهائيًا. أما غير ذلك عبر البدء بالدخول في الإستثناءات والترويج لفكرة "دولة مدنية عالطريقة اللبنانية" فهو خداع وترقيع للمشكلة.

ورشات عمل
كيف يمكن تحقيق ذلك؟، يجيب عطالله "على القوى السياسية التي بدأت الترويج لفكرة الدولة المدنية، أن تُعدّ ورشات عمل تثقيفية وفتح حلقات نقاش وجدال تعمل على تكوين وعي وأفكار عنها لدى المنتسبين والمؤيدين، ليكونوا جاهزين لاحقًا للحكم المدني في ظل الدولة المدنية، من دون هواجس العدد أو نوايا مسبقة وطمع بالهيمنة على الآخر. وفي ظل تكوّن هذه الثقافة تحديدًا، تُصبح الدولة المدنية حلاً نهائيًا للأزمة اللبنانية.