قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بلغ تأثير الحركة الحوثية في النظام السياسي في اليمن أوجه في عام 2011، عندما اندلعت موجة الربيع العربي من شوارع تونس إلى المرتفعات اليمنية. لكن، ما هي خفايا هذه الحركة التي عرفت بأنها ذراع إيران في المنطقة؟

لقراءة المادة باللغة الانكليزية أنقر على الرابط

The Houthis of Yemen - on the formulation of a political thought rooted in armed militantism

"خاص - إيلاف" من لندن: تحولت دعوات تغيير النظام في اليمن إلى مواجهة عسكرية وحشية شهدت انفجار النسيج الاجتماعي والسياسي، وبالتالي وضعت المؤسسات الوطنية في البلاد تحت وطأة ضغوط جعلت بقاءها على قيد الحياة يبدو مستحيلًا.

الاستفادة من الفراغ

تنبع قوة الحوثيين القوية من عدم وجود معارضة لحكمهم. وهنا، يجب القول إنه لا ينبغي لنا أن نفهم قدرة الحركة على الحكم باعتباره تفويضًا شعبيًا واضحًا، بل تعبيرًا عن فشل الجمهورية اليمنية في تعزيز التعددية السياسية. وبسبب عدم وجود أي بديل، شعر الكثير من اليمنيين أنهم مضطرون لدعم حركة لا يؤمنون بها، ولا تمثل تطلعاتهم السياسية.

منذ عام 2011، كان الحوثيون قادرين على تحويل فراغ السلطة الناجم عن ثورات الربيع العربي لتوطيد حكمهم في محافظة صعدة، وتوسعوا في أجزاء كبيرة من شمال اليمن. واستفادت المجموعة من إحباط المواطنين اليمنيين من بطء التغيير، والفساد المستمر، والوضع الاقتصادي والأمني السيئ على خلفية مؤتمر الحوار الوطني 2014. كما استمد زعيم الحركة، عبد الملك الحوثي، قوته من فشل الجمهورية، وتردد النخبة في الاعتراف بالفشل السياسي.

غالبًا ما حصرنا تحليلنا باعتبار جماعة الحوثيين ذراعًا من أذرع إيران في المنطقة، تلتزم بعض التصريحات الإيرانية الثورية التي تعادي الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن من المهم أن ندرك أن هذه الحركة وُلدت كردة فعل على مشهد اجتماعي-سياسي رديء وعدم وجود تكامل اقتصادي، ما منع الحصول على الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، إضافةً إلى نهج العزلة السياسية الذي اتبعته النخبة الحاكمة.

ولأن الحكومة المركزية في صنعاء فشلت في دمج المرتفعات في المخطط الجمهوري الجديد، انسحب سكان هذه المناطق من منطق الدولة وتمسكوا أكثر بتقاليدهم، بحثًا عن مجد سابق.

تقرير راند

أشار تقرير نشرته مؤسسة راند، مقرها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، إلى أن ظاهرة الحوثي تعبر بشكل أفضل عن تلك الديناميات المعقدة بين الحكومة المركزية في اليمن والحوثيين، مضيفًا أن المواجهة بين الحوثيين ونظام علي عبد الله صالح ليس صراعًا بين الجماعات القبلية المختلفة.

يضيف التقرير أن التمرد الحوثي لم يكن مجرد حركة معارضة طائفية تتحدى شرعية الحكومة اليمنية، كما أنه ليس مظهرًا محليًا من مظاهر الهلال الشيعي عبر الوطني. بدلًا من ذلك، إنه صراع يتقاطع فيه السخط المادي المحلي وادعاءات هوية الزيدي مع أساليب مركز الدولة للحكم والشرعية الذاتية.

أدت التغييرات التي سببتها ثورات الربيع العربي في أقصى شمال اليمن، خصوصًا في محافظة صعدة والمناطق المجاورة لها إلى تفكك تراث الرئيس السابق علي عبد الله صالح الجمهوري. إن اتساع نطاق هذه التغييرات، من الهياكل والتكوين الاجتماعي والسياسي للسلطة في شمال اليمن إلى الطموحات المتزايدة لطبقة جديدة من رجال الدولة في مواجهة جيرانهم المباشرين، يجعل العودة إلى "الوضع السابق" أمرًا مستحيلًا.

فتح الربيع العربي اليمني الباب الخلفي للفتنة من المعارضة الثورية، وبالتالي ترك رئيس حكومة صنعاء المركزية الضعيفة عرضًة للسقوط. كانت النخبة الحاكمة ترفض الحوثيين في كثير من الأحيان، لافتقارهم إلى الرعاية الأجنبية والنفوذ الديني، وقد تمكنوا من الانتقال من حركة زيدية في البداية إلى حركة جماهيرية تم توجيه أجندتها العسكرية ومهاراتها التنظيمية نحو إنشاء نظام حكم جديد، من دون أن يعني هذا بالضرورة أن المجموعة تمكنت من تطوير فكر سياسي واضح.

السيطرة على الحكم

تزايدت أهمية جماعة الحوثيين وزخمها التوسعي بشكل خاص خلال انتفاضة عام 2011 ومؤتمر الحوار الوطني الذي تلا ذلك، والذي كان يهدف إلى إصلاح المؤسسات اليمنية، وتحدي الجوع الذي يعانيه سكان البلاد. ومع تحول تركيز الحكومة المركزية على العاصمة، انهارت سلطة الدولة في محافظة صعدة، ما سمح للحوثيين بتوطيد سيطرتهم على إدارة مقاطعة كانوا يتنافسون عليها منذ أكثر من عقد.

بينما كانت الدولة تصارع لتبقى، ترك الحوثيون موطن أجدادهم ليطالبوا بمزيد من المناطق لأيديولوجيتهم الوليدة التي تطغى عليها النزعة العسكرية والشعبية الدينية. وغني عن القول إن هذه الخطوة أثبتت أنها مدمرة للدولة ورئاسة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، حيث توقفت جهود الرجل الذي كانت مهمته نقل اليمن إلى الجمهورية الثانية بسبب المطالب الملحة لحركة تخيلت نفسها من الشعب وللشعب، بحسب التقرير نفسه.

عززت المشاركة السياسية للحوثيين في مؤتمر الحوار الوطني اليمني النفوذ السياسي للجماعة من خلال جمعها مع أولئك الذين تجنبتهم النخبة. وقد أنشأ الحوثيون اليوم بحكم الواقع دولة شعبوية ترسخت شرعيتها في النسخة الزيدية للإسلام السياسي.

كما لا بد من القول إن مخططاتهم تختلف عن مخططات الثورة الإسلامية في إيران. فالثورة الإيرانية كانت تدور حول مبادئ حكم الفقيه، في حين يرغب أنصار الله في إقامة شكل من أشكال حكم القبائل الشعوبية القائمة حول الجيش والدين، وهذا بعيد كل البعد عن الإصلاحات التي تم الاتفاق عليها في مؤتمر الحوار الوطني اليمني.

التناقض واضح

حول الشعوبية، يقول جان فيرنر مولر، الأكاديمي في جامعة برينستون: "يُظهر الحكم الشعبوي ثلاث ميزات: محاولات اختطاف جهاز الدولة، والفساد والعمل الجماعي (منافع مادية أو خدمات بيروقراطية للحصول على الدعم السياسي للمواطنين الذين يصبحون" عملاء "الشعبوية)، والجهود المبذولة لقمع المجتمع المدني بشكل منهجي".

ظهرت جماعة الحوثيين في أكثر من متناقضة في داخلها. أظهرت على سبيل المثال استعدادها لاستخدام القوة العسكرية والإكراه والترهيب، مع التزامها السرد السياسي الذي يدّعي دعم إقامة دولة تشاركية، مع فصل واضح لا لبس فيه للسلطة، ما يشير إلى أن الحوثيين لا يمثلون في الواقع حركة موحدة، وبالتالي لا يزالون يفتقرون إلى البنية الفوقية الأيديولوجية. وأثبتت التطورات الميدانية الأخيرة صحة هذا الأمر، مع تعبير حركة أنصار الله عن جداول أعمال سياسية ودينية متناقضة بشدة.

ليس السؤال المطروح اليوم إذا كان الحوثيون سيلعبون دورًا في مستقبل اليمن، بل ما سيكون عليه هذا الدور. فالاندماج بلا شك سيكون أكبر اختبار لجمهورية اليمن الثانية، وهو اختبار سيحدد جانبًا كبيرًا من مستقبل اليمن، على الصعيدين الوطني والإقليمي.