قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

وصل حال اختراق الحرس الثوري الإيراني إلى حدود فقدانه ثقة النظام والمؤسسة الأمنية في طهران، حتى صار وكرًا لجواسيس يرتدون ثوب المتشددين أحيانًا ويصلون إلى أعلى المناصب.

قبل أربعين عامًا، هاجمت جماعة إسلامية من أنصار مرشد الثورة الإيرانية آية الله خميني باحتلال السفارة الأميركية في طهران، وارتهنت العاملين فيها أشهرًا. وكانت هذه السفارة في عرف الإيرانيين وكرًا للجواسيس.

ذهنية الشبهة

بحسب تقرير نشره موقع "فورين أفيرز"، كان ذلك الحدث منعطفًا تاريخيًا في العلاقات الأميركية – الإيرانية، ما زالت تداعياته ماثلة إلى اليوم. لكن، ما لم تعرفه الولايات المتحدة آنذاك هو أثر هذا الحدث في طريقة تعامل إيران مع مسألتي الاستخبارات ومكافحة التجسس، فالجمهورية الإسلامية صرفت عقودًا عدة بعد حادثة احتلال السفارة الأميركية باحثة عن الجواسيس، متتبعة أثر الغرب في مجتمعها، مستعينة بالأيديولوجيا الثورية لتوجيه عيون الأمن إلى أفراد ومؤسسات مرتبطة بمكونات الجمهورية الإسلامية التي تستمد قوتها من آليات تبدو مشابهة لآليات تعتمدها دول الغرب الديمقراطية.

يقول التقرير: "بدأت ذهنية الشك والشبهة هذه تتغير، ولأول مرة منذ عام 1979، لأسباب عدة؛ في مقدمها سياسة الضغط الأقصى التي تمارسها الإدارة الأميركية اليوم على إيران. فسياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب دفعت بمكونات النظام الإيراني وفصائله إلى البحث عن إجماع سياسي في قضايا تتعلق بأمن النظام الإيراني، إلى جانب فشل المؤسسة الأمنية الإيرانية في منع إسرائيل من نقل أطنان من الوثائق التي تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني في العام الماضي، إضافة إلى تراجع موارد الدولة نتيجة العقوبات الأميركية، ما دفع بالمؤسسات الامنية الإيرانية إلى التفكير العميق. فأدرك القادة الإيرانيون أنهم لا يستطيعون تجاهل وجود العملاء والجواسيس، حتى في قلب المؤسسة الأمنية نفسها".

يتغلغلون بيننا

في 24 أغسطس الماضي، كان محمود علوي، وزير الاستخبارات الإيراني، أول من دق ناقوس الخطر، إذ حذر من "تغلغل الأعداء بيننا"، غامزًا من قناة الحرس الثوري الإيراني.

يقول علوي إن السلطات العليا اصيبت بصدمة كبيرة عندما أبلغها عن الجواسيس الذين اكتشفهم داخل الحكومة الإيرانية، مؤكدًا أن الاستخبارات الأجنبية زرعت جواسيس لها في فروع في الدولة مدةً طويلة، تزيد على 20 عامًا، في إطار عملية اختراق بطيئة وعميقة.

بعد ما قاله علوي، عدّل الحرس الثوري قياداته العليا، محاولًا معالجة مظاهر القصور الأمني التي أثارها علوي، هذا القصور الذي كان مسؤولًا عن فشل الاستخبارات الإيرانية في إحباط عملية اعتيال الجنرال حسن طهراني مقدم"الأب الروحي لبرنامج الصواريخ الإيراني" في عام 2011، واغتيال علماء إيرانيين عدة بين عامي 2010 و2012، وحصول إسرائيل على وثائق البرنامج النووي الإيراني السرية.

متشدد عميل

يثير التقرير أيضًا مسألة "المتشدد الذي ربما يكون جاسوسًا"، وهي مسألة تشير إلى أن لا حصانة من الاختراق الجاسوسي لأي من مؤسسات الدولة. ويذكر التقرير بواقعة هرب أمير توحيد فاضل، الصحافي في وكالة أنباء موج، إلى السويد في أغسطس الماضي، بعدما كان أنموذج المتشدد والثوري، ما أكسبه ثقة متشددي النظام، ففوضوه الترويج لهم من خلال وسيلته الإعلامية. وأثار طلب فاضل اللجوء السياسي إلى السويد تساؤلات بشأن صدقية المتشددين وولائهم.

بعد أيام من هرب فاضل، اعتقل عدد من مداحي شهداء الشيعة التاريخيين بتهمة التعامل مع إسرائيل، علمًا أن المداحين يرتبطون بمكاتب الدولة رفيعة المستوى كمكتب المرشد الروحي للثورة، كما اعتقل محمد حسين روستامي ورضا غولبور، الزميلان في منصبين مؤثرين مرتبطين بالحرس الثوري، في نهاية عام 2016 بتهمة التجسس لإسرائيل، وكانا يتمتعان بعلاقة قوية بالحرس الثوري.

شارك روستامي في الحرب السورية في عداد الحرس الثوري، ونشر غولبور كتاب "تجسس الوهم"، انتقد فيه فشل وزارة الاستخبارات في عهد الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، بتكليف الحرس الثوري بغية الإساءة لسمعة وزارة الاستخبارات التي رأى فيها منافسًا غير موثوق. لم تعترف القيادة الإيرانية بفكرة وجود وكر للجواسيس داخل المؤسسات الإيرانية المتشددة مخافة أن تفقد سيطرتها على مفاصل السلطة.

إخفاقات الحرس

يقول تقرير فورين أفريز إن خوف النظام الإيراني من عودة احتجاجات كالثورة الخضراء، دفع آية الله خامنئي إلى دعوة الحرس الثوري لإنشاء وحدة أمنية تنافس وزارة الاستخبارات، مهمتها منع اندلاع أي احتجاجات جديدة، وعين عليها حسين تائب، المقرب منه والموثوق من الحرس الثوري.

على الرغم من تعاون هذه الوحدة الأمنية مع باقي مؤسسات النظام الأمنية، فإن منظمة الاستخبارات في الحرس الثوري تخصصت في منع أي مظهر من مظاهر الخروج على النظام في مؤسسات الدولة، الأمنية والعسكرية.

مع أن وزارة الاستخبارات أصبحت أشد ميلًا إلى الاعتدال، ودسّت الجواسيس لتضعف تأثير الحرس الثوري، فإن حملة مكافحة التجسس التي تركز على المعسكر المتشدد مسألة جديدة، ومعاناة الحرس الثوري سلسلة من الإخفاقات الأمنية تؤثر في القيادة الإيرانية، إضافة إلى أن مغادرة هذه الإخفاقات من دون محاسبة تؤدي إلى إضعاف نظام الملالي ومؤسساته المتشددة وخطابها الثوري.

سرديتان مختلفتان

كان رد الحرس الثوري على التحدي الجاسوسي أن يبحث عن كبش فداء، كما حدث مع الناشط البيئي كافوس سيد إمامي الذي قتل في السجن في العام الماضي، وما زال زملاؤه من دعاة البيئة في غياهب السجون بتهم تجسس واهية. أما ما لم تفعله منظمة الحرس الثوري الاستخبارية فكان إنكارها اختراق الجواسيس صفوفها. والمعركة لاقتلاع وكر الجواسيس الغربي وتجلياته المحلية هي السردية الرمزية التي يريد خامنئي تقديمها في داخل إيران وخارجها، على الرغم من وجود إيرانيين يروون سردية مختلفة.

أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن "فورين أفيرز". الأصل منشور على الرابط التالي:

https://www.foreignaffairs.com/articles/iran/2019-11-12/ayatollahs-den-espionage