بعد انتحار 3 أشخاص خلال اليومين الماضيين في لبنان، يطرح السؤال عن مدى تأثير الوضع الإقتصادي والسياسي والأمني في لبنان على زيادة نسبة الانتحار في لبنان.

بيروت: بدأت ظاهرة الانتحار تتفشى في لبنان، مترافقة مع الأزمات المالية والاقتصادية التي تعيشها البلاد، والتي ترجمت بانتحار ثلاثة أشخاص خلال اليومين الماضيين بسبب الديون المتراكمة عليهم، وفقدانهم موارد أرزاقهم وعجزهم عن إعالة أسرهم.

وتقول المحللة النفسية ليلى أبو جودة لـ"إيلاف"، إنه "في العادة لم يكن الانتحار من المواضيع التي تشغل بال اللبنانيين ولا يشكل ظاهرة ملفتة، لكنه بدأ يتحول إلى أحد المواضيع الساخنة في الأعوام القليلة الماضية، وبلغ الاهتمام به ذروته هذا العام، بحيث بات ظاهرة شغلت الرأي العام وصارت من المواضيع التي تشغل الإعلام اللبناني والعربي.

وتضيف:"تعددت التقارير والمقالات والتحقيقات، ما جعل التلفزيون العربي يشير في مطلع يونيو الفائت إلى أن لبنان سجل زيادة تبلغ 30 في المئة في معدلات الانتحار، وأن شهر مايو وحده سجل 23 حالة.

مع ذلك هناك من يجد أن الانتحار لا يزال ضمن المعدلات العالمية العادية ولا داعي للقلق. كما ازدادت معدلات الانتحار في السنوات الماضية زيادة ذات معنى، فتضاعفت عدة مرات منذ العام 2008 وحتى الآن.

وتشير "الدولية للمعلومات" إلى أن نسب الانتحار المسجلة لدى قوى الأمن الداخلي ارتفعت من معدل 60 حالة في الأعوام 2004، 2005، 2006 و2007، إلى 103 حالات في العام 2008، أي كادت تبلغ الضعف.

وقفز الرقم مرة أخرى عام 2013 إلى 143 بحيث كاد يتضاعف ثلاث مرات عما كان عليه سابقًا.

ثم عاد إلى الارتفاع مجددًا هذا العام فبلغت حالات الانتحار 100 حالة في النصف الأول فقط للعام الحالي، وهو ما أثار البلبلة.

الأسباب

عن الأسباب الكامنة وراء زيادة نسبة الانتحار في لبنان، تقول أبو جودة "إن تفكك المجتمع والتفكك الأخلاقي يؤدي إلى تيارات من الكآبة واليأس والخيبة، ما يعرض الفرد ذا الوضعية الهشة للانتحار.

وهذا مؤشر مهم على تردي أحوال الصحة الذهنية عمومًا في لبنان.

حافة الانهيار

ويبقى بحسب أبو جودة أن" التردي الهائل حصل عام 2017 ومطلع العام الجاري فوصل البلد إلى حافة الانهيار على جميع الصعد، من فشل الدولة والمؤسسات إلى الإفلاس وإغلاق المصانع، إضافة إلى الوضع السياسي والأمني المضطرب وغير المستقر والوضع الاقتصادي الخانق والبطالة والفقر، مما يقلق المواطن ويزيد ارتفاع حالات الاكتئاب المتفشي وسمة اليأس التي تتردد على كل لسان.

وتلفت أبو جودة إلى أن لبنان يمر بمرحلة انتقالية جعلت جميع الروابط تتعرض للانحلال.

ومن الطبيعي أن تزداد نسب الانتحار، لأنه يتولد عندما تنتهي صلاحية القيم المجتمعية السابقة فتولد معها قيم جديدة، أو أخلاق جديدة لم يتأقلم معها الفرد أو لم تتركز بعد، فينتحر لأقل صدمة من صدمات الظروف المحيطة، تتراوح من القلق إلى الحيرة أو غياب المعنى.

فالانتحار هو نتيجة تراخي روابط المجتمع، وينجم عن حالة مفرطة من التفرد، عكس المجتمعات التي تتمتع بضمير جمعي قوي ما يمنع حدوث وانتشار الانتحار فيها.

إن ضعف التيارات الاجتماعية الضابطة في المجتمع تمكن الأفراد بسهوله من تجاوز الضمير الجمعي ليفعلوا ما يريدون.

وهذا يساعدنا على تفسير حالات الانتحار التي حصلت في لبنان، والتي يحصرها البعض بالوضع النفسي للمنتحر، وكذلك بالوضع الإجتماعي والسياسي والإقتصادي للبنان.