فكّر قليلًا. هب منتصبًا. تناول قارورة اللون السائل وبدأ يرش. وفي أقل من نصف ساعة... ها هي الجدارية تجعل الحجر يروي قصةً بعيون ودموع وابتسامات. إنه "كلاخ"، رسام الغرافيتي السعودي.

إيلاف من دبي: قد لا يوحي اسم "كلاخ" بأي معنى في الوهلة الأولى، ولكن، حين يتصفح المرء ما ينشر على صفحة تحمل هذا الاسم في موقع "تويتر" حتى يجد نفسه أمام فنان يتحلى بطاقة من الإبداع لا ريب فيها، قادرة على التعبير السهل الممتنع بالصورة، وبرذاذ ملون يملأ مساحات الجدران في مدن السعودية، ويحولها مشاريع فنية رائعة.

و"كلاخ" فنان غرافيتي سعودي، قرر في زمن "الديجيتال" أن يمارس هواية غير مألوفة قليلًا في مدينته الطائف بالسعودية، متجاوزًا عقبات يطرحها أمامه خروجه من مجتمع محافظ. لم يشأ الخروج على هذا المجتمع، لكنه في غفلة من المدينة قرر أن "يرشّ" موهبته على جدرانها، وليس في يده إلا علبته الصغيرة التي يتوسلها لتقص عنه حكايةً في كل رشّة.

لم يعتادوها

في حديث سابق لصحيفة "الشرق الأوسط"، قال "كلاخ" إن رسوماته في السنوات الأولى لم تتخط محبة نجوم الرياضة والفن، "وقبلها كان رسومات لشخصيات كرتونية مثل سبونج بوب، حيث كان النصيب الأكبر لتلك الشخصيات الكرتونية، نقلت ذلك في الطائف ولكن بشكل آخر، حيث بدأت في رسم شخصيات مختلفة مثل اللاعب البرتغالي كريستيانو رونالدو واللاعب الأرجنتيني ميسي، وأيضًا نيمار وزين الدين زيدان إضافة إلى الفنان السعودي خالد عبد الرحمن، فأنا من جمهور هذا الفنان الكبير".

يقول: "كان سكان المدينة وخصوصًا ذلك الحي البسيط والهادئ يستيقظون على رسومات لم يعتادوا رؤيتها بهذه الطريقة، فالفن الإبداعي كان ولا يزال مع الأسف يمارس بخجل فمجتمعنا لا يزال يتحفظ على مسمى فنان. وصلت رسوماتي إلى 13 رسمة وكانت كل رسمة لا تأخذ معي سوى دقائق معدودة وأحيانًا لا تتعدى النصف الساعة، فلم يخطر في بالي أنني سأتعرض للمساءلة القانونية". كانت عقوبته توقيعه تعهدًا بعدم "تشويه الجدران" ومسح رسوماته كلها.

إحباط فدمعة وطن

أُحبط "كلاخ" بعدما مسح رسوماته، لكنه حاول ألا يسيطر ذلك الإحباط عليه، وتساءل: "أنا فنان غرافيتي أطمح إلى تقديم لوحات جدارية دون ضجة أو مضايقة أحد. هل ما أفعله خطأ؟ توقفت فترة وانتقلت إلى جدة وجاء صوت أخي الأكبر داعمًا وناصحًا وأعطاني ثقة كبيرة وأعاد لي ذلك الإحساس الجميل، وبعد وفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله عليه تأثرت كثيرًا وهزتني تلك المشاعر وخصوصًا حزن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز على فقدان أخيه، فذهبت إلى كورنيش جدة ورسمت على الجدار صورة الملك سلمان وسميتها (دمعة وطن)، ورغم أنني واجهت صعوبات في رسمها حيث قبل البدء في الرسم تم منعي من ذلك ولم يجيء في بالهم أنني سأرسم صورة للملك سلمان بهذا الشكل، أخذت علبتي دون شعورهم وبدأت في الرسم وكتبت عليها (دمعة وطن) وغادرت المكان".

طموح غير محدود

طموح "كلاخ" كبير. فهو يريد، كما قال، أن يرفع اسم وطنه عاليًا، وأن يساهم في تقديم أي شيء لبلده الغالي، "فأنا أحاول أن أقدم الجمال والإبداع والسعادة للناس سلاحي هي رسوماتي سأطورها وأنشرها وأتمنى أن يضع لي مكان في إحدى شوارع السعودية وأقدم فيها مناظر جمالية وفنية وبإذن الله طموحي أن أكون واحدًا من أفضل عشرة رسامين في العالم".

ربما ليس هذا صعب المنال. وربما تؤكد هذا جولة على تغريدات "كلاخ" على تويتر، إذ ينشر فيها ما يرسم، حتى لو "خرب"، مقدمًا تفاصيل من حياته اليومية في أثناء قيامه بالرسم، كأن يقول مثلًا: "رغم الأخطاء اللي سويتها هنا بس عاجبتني".

جدارية في حديقة المشهد أبها

وفي تغريدة أخرى لا يرى ضيرًا من الاعتراف بما أخطأ: "استخدمت لون بويه خايس للتحديد وخربها لي بس مع ذلك عادي عاجبتني".

وكأن يعلن في تغريدة عودته إلى شوارع العاصمة السعودية الرياض، متمنيًا أن يحافظ الناس على ما رسم.

جدارية في شوارع الرياض

سرّ العيون

تشي تغريداته وغيرها الكثير، ويمكن متابعتها على صفحته twitter.com/kla5i ، بأنه فنان تتجاوز شفافية الروح عنده رسامي الغرافيتي. فهو لا يخرج على المألوف، لكن يخرج عنه، ليزين الوجوه التي تتراءى للجميع عادية فيحولّها خارطة من المشاعر المرتبكة حينًا، ومن التراكيب المعرفية المستقرة حينًا آخر.

لا تغادر العيون رسوماته، فهو يركز على العين البشرية الأنثوية في جدارياته. إنها مرآة عينه هو، وهو الذي بلمح البصر يستطيع تأليف اللوحة في ذهنه المبدع، مركبًا تفاصيل الجدارية رصفًا رصفًا قبل أن "يرشّها" بأقل من نصف ساعة، بحسب اعترافه هو، لوحة تنطق بمزيج من الأحاسيس على جدار صلد.

رسمة على جدران بيت مهجور