هدد اغتيال قاسم سليماني بتقريب الولايات المتحدة وإيران من الحرب أكثر من أي وقت مضى منذ أزمة الرهائن في طهران في عام 1979. لكن، ماذا بعد الرد الإيراني؟.

"إيلاف" من بيروت: إن جرأة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقتل أهم جنرال في إيران جعلت طهران تترنح. بعد تهديدات التخريب الدامية التي صدرت من الشرق الأوسط، جاءت الضربة الصاروخية الانتقامية على قاعدتين أميركيتين في العراق من دون خسائر في الأرواح. وبدا الأمر وكأن إيران تسعى إلى حفظ ماء الوجه لتهدئة الأزمة.

تأثير الردع
إذا انتهى الأمر على هذا المنوال، سيكون ترمب محقًا في القول إن خطوته نجحت. فتخليص العالم من شخص مرير كسليماني وإجبار إيران على كبح عدوانها سيكون حقًا إنجازًا جديرًا بالاهتمام. لكن المشكلة تبقى في أنه لا يمكن لأحد، بما في ذلك الرئيس ترمب، ضمان ما سيحدث لاحقًا.

وقف ترمب طوال العام الماضي متفرجًا بينما هاجمت إيران وعملاؤها وكلاء الشحن التجاري في مضيق هرمز، وطائرتين بلا طيار أميركيتين، ومنشآت نفطية في المملكة العربية السعودية وقواعد عسكرية في العراق. ولأنها خلصت إلى أنه لا يوجد ثمن تدفعه، أصبحت إيران أكثر وقاحة وعدائية.

أما التأثير المفيد لاغتيال سليماني فهو إعادة تأسيس فكرة أن أميركا مستعدة للرد، وهنا يشير ضبط النفس الإيراني إلى أن طهران لا تريد مواجهة هجوم جوي تشنه واشنطن.

التعطش للثأر
إن تعطش إيران للثأر يبقى أمرًا قائمًا وقد تتجنب أشكالًا علنية من العدوان؛ إذ من المرجّح أن يتبع الحرس الثوري تكتيكات أخرى، بما في ذلك الهجمات الإلكترونية والتفجيرات الانتحارية التي يقوم بها الوكلاء واغتيال المسؤولين الأميركيين.

الاختبار الثاني الذي يجب أن نراقبه يتلخص في ما إذا كانت الضربة الأميركية تضعف من قبضة إيران على جيرانها. حيث تمتلك إيران شبكة من الميليشيات والوكلاء والقواعد الأمامية لفيلق القدس تمتد من البحر المتوسط إلى بحر العرب.

ولا بد من ذكر أن مقتل سليماني يحرم الشبكة الكئيبة من المايسترو الذي يقودها. وبما أن الجنرال كان استثنائيًا مثل سمعته، فستكون خسارته محسوسة. وقد يُحرم أيضًا فيلق القدس من الأموال، نظرًا إلى أن الدولة الإيرانية تعاني ضائقة مالية شديدة.

تعقيدات
إضافة إلى كل ما ذُكر آنفًا، هناك تعقيدات بعد الاغتيال، إذ إن إيران مصممة على إخراج أميركا من الشرق الأوسط. ويسيطر الساسة الشيعة التابعون لها على الحكومة في بغداد. وفي الخامس من يناير الجاري، أقر البرلمان العراقي قرارًا يدعو الحكومة إلى البدء في طرد القوات الأجنبية، بما في ذلك 5000 جندي أميركي يتمترسون هناك.

بعد كل هذه السنوات، لا يزال البرنامج النووي الإيراني أكثر تهديدًا. سحب ترمب أميركا من الاتفاق النووي مع إيران في عام 2015، ما حدّ من قدرتها على الحصول على قنبلة نووية. ولقد جادل بأنه سيكون قادرًا على التفاوض حول صفقة أفضل تشمل أنشطة إيران غير النووية، وهو اقتراح كرره في مؤتمره الصحافي خلال هذا الأسبوع.

تغيير حسابات
في الصيف الماضي، كانت هناك تكهنات بأن إيران مستعدة للتفاوض. لكن هذا يبدو الآن غير وارد، وربما لفترة طويلة. وفي الواقع، قالت إيران في الخامس من يناير الجاري إنها لن تلتزم أي قيود على تخصيب اليورانيوم. ولديها كل الأسباب لتنغمس في حافة الهاوية النووية، فإذا حصلت إيران على القنبلة، فإنها ستلزم أميركا بتغيير حساباتها بشأن استخدام القوة العسكرية ضدها.

إن عدم وجود استراتيجيا أميركية للتفاوض يعني أن مقتل سليماني حوّل سياسة أميركا تجاه إيران إلى عقوبات شديدة مصحوبة بتهديد غير محدد بالانتقام الشامل إذا أسيء التصرف.

مع ذلك، فإن تجويع إيران لإخضاعها لن يُكتب له النجاح، لأن هناك أنظمة أخرى قاومت الضغط الأميركي لفترة أطول. أما طريق السلام الذي تحدث عنه ترمب في هذا الأسبوع فلا يزال بعيدًا عن الواقع، لأن الخطوط الحمراء لأميركا غير واضحة، ما يجعل خطر التخبط في الحرب ممكنًا.


أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن "إكونوميست". الأصل منشور على الرابط:
https://www.economist.com/leaders/2020/01/09/donald-trump-wants-to-curb-iran-has-he-gone-about-it-the-right-way