قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يزداد موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حَرجاً ازاء تطوّر العلاقات مع شريكيّه في سوريا – إيران وتركيا – ونتيجة تضاعف الضغوط عليه من المؤسسة العسكرية الروسية التي تنبض غضباً من الإجراءات العسكرية التركية وتخشى أن تجرّها التطورات الميدانية الى انخراط عسكري لا تريده.
طهران تلوم بوتين لِعدم اندفاعه ضد سياسة العقوبات الأميركية ضدها، وأنقرة تحمّله عبء تفاهماته مع الرئيس السوري بشار الأسد لدعمه في معركة ادلب. هذه المعركة ورّطت فلاديمير بوتين بين نارين ملتهبتين: اما المواجهة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أو التملّص من التزاماته نحو بشار الأسد للفوز بالمعركة على أدلب.
هذه المرحلة من النزاع في سوريا قد تؤدّي الى "تغيير دراماتيكي" في المشهد السوري، حسب تقويم أحد الروس المطّلِعين، سيما وأن "الوقت المُتاح للتوصل الى صفقة يضيق بسرعة". وبالتالي، ان التحدّي أمام الرئيس الروسي هو أن يقوم بتعريف ما هي رؤيته الجديدة في خضمّ هذه التطوّرات وما هي استراتيجيته الأوسع، بما يتعدى خطواته التكتيكية. فما يحَدث في الساحة السورية قد يدمّر كامل العملية السياسية التي دأب بوتين على حياكتها من أجل تسوية سياسية وعملية دستورية تُريحه وهو يعمّق تموضعه في سوريا. ثم ان الأدوار الأميركية المتعدّدة والمتضاربة أحياناً في سوريا تسحب الاطمئنان والطمأنينة من القيادة الروسية التي تشكّك في أهداف المؤسسة الأميركية.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بحسب مصادر وثيقة الاطلاع، ينوي من جهته أن "ينشّط" دوره الشخصي في صنع السياسة الخارجية الأميركية - ابتداءً من الشهر المقبل – وهذا يُقلق الكرملين لأنه قد يسبب مشاكل غير مرتقبة لروسيا وسياساتها الشرق أوسطية. إنما ليس فلاديمير بوتين وحده القَلِق من صفقات وراء ظهره يبرُمها دونالد ترامب وإنما أيضاً رجب طيب أردوغان الذي ينظر بخوفٍ وراء كتفيه حتى وهو يتصرّف بعزمٍ وثقة ويعمل على قلب المقاييس ميدانياً، سوريّاً وليبياً، فيما يلعب ورقة النازحين أوروبياً.

قد يجتمع الرئيسان الروسي والتركي الأسبوع المقبل في أعقاب تصعيد خطير تلاه دعوة روسية لتركيا لعدم "الاستفزاز" وتخفيض أنقرة سقف التهديدات. المؤسسة العسكرية الروسية تريد إيقاف أردوغان عن إجراءات تعتبرها انتهاكاً للتفاهمات، وهي باتت معادية جداً لتركيا. إنما المسألة الأهم بين المؤسستين العسكريتين الروسية والتركية هي تجنّب مواجهة مباشرة بين القوات الروسية والتركية في سوريا أو إسقاط طائرة حربية روسية لأن عواقبها ستكون وخيّمة.

الانتهاكات التركية للتفاهمات، بحسب رأي روسيا، يجب أن تتوقف، ويجب وضع حد لتحديات واستفزازات أردوغان، بحسب مطالب المؤسسة العسكرية الروسية. المشكلة هي أن خيارات موسكو محدودة في هذا المنعطف، وأية أخطاء يرتكِبها الرئيس بوتين قد تكون تداعياتها مصيرية. ذلك ان قطع الشراكة مع تركيا في سوريا نارٌ من نارين، والانفصال عن بشار الأسد هو النار الأخرى.

بكلام آخر، ان الوضع الذي يقع فيه فلاديمير بوتين يشكّل ورطةً لروسيا في سوريا لأن الإخفاق في ضبط الأمور واستعادة زمام القيادة سيطيح بفرصة التوصّل الى التسوية السياسية الضرورية لروسيا في سوريا.

أردوغان من ناحيته يريد إجبار بوتين على تغيير موقفه وتعديل التزاماته للأسد عند اجتماعهما في 7 كانون الثاني (يناير) والتي أثارت غضب أنقرة. ما يريده هو الدفع ببوتين الى أزمة وورطة تضطر به الى تغيير مواقفه، بالذات مباركة عمليات الأسد في أدلب. فأردوغان لا يسعى وراء إسقاط الأسد أو اشتراط ابتعاد بوتين عنه. انه يريد السيطرة على أدلب. روسيا توافق على امتداد السيطرة التركية الأمنية الى عمق خمسة كيلومترات فقط. وهنا الاختلاف.

الولايات المتحدة دخلت على خط الخلاف الروسي – التركي ليس فقط بسبب ما يجري في أدلب من قتل جماعي للمدنيين وقصف مستشفيات وتهجير أكثر من 800 ألفاً معظمهم من الأطفال والنساء. فدونالد ترامب ينظر الى ما يحدث بين تركيا وروسيا في سوريا من زاوية ما يستعد للتموضع من أجله في اللعبة الكبرى للسياسة الخارجية الأميركية برُمّتِها. انه يريد ان يأخذ بنفسه زمام السياسات الخارجية الأميركية الممتدة من الشرق الأوسط الى آسيا وأوروبا وأميركا الجنوبية.

"الرئيس ترامب ينوي تنشيط سياسته الخارجية بدءاً من أوائل مارس وهو يدرس خياراته للسياسة الخارجية الكبرى المعقّدة"، حسب قول مصدر مطّلع أشار الى أن ترامب يريد أن يشارك شخصياً في إدارة دُفّة بعض السياسات الخارجية بما فيها التي تشمل روسيا وتركيا وإيران، إنما ليس فقط انطلاقاً من شراكتهم عبر "آستانا" في سوريا.

ترامب يراجع كامل السياسة الخارجية نحو الشرق الأوسط والخليج وأفريقيا ليس بمعنى الانحراف عنها وإنما لجهة القراءة المعمّقة لما أنجزته سياساته حتى الآن، أو فشلت في تحقيقه. انه يدقّق في الجبهات السياسية التي حشدها وراء سياساته القائمة أساساً على استخدام العقوبات الاقتصادية سلاحاً حاداً. انه يريد التأكد من حشد الدعم لـ"صفقة القرن" التي يريد تسويقها، ومن عدم تضعضع الجبهة الخليجية العربية في وجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

قرار مجلس الشيوخ الأميركي هذا الأسبوع الذي يتطلّب موافقة الكونغرس على أية عمليات عسكرية مستقبلية ضد إيران قد يلاقي فيتو الرئيس الأميركي، كما تعهّد، أو قد يستخدمه دونالد ترامب ليلجم نفسه بنفسه ويحتوي التصعيد المتبادل الذي نشأ بينه وبين القيادة الإيرانية. أو قد يقرّر الرئيس الأميركي أن يراقب بارتياح حظ القيادة الإيرانية وهو في انحدار اقتصادياً ليس فقط نتيجة العقوبات الأميركية ورفض أوروبا التورّط في اعفاءات منها، وإنما أيضاً بسبب انعكاس "فيروس كورونا" على استيراد الصين النفط من إيران.

سورياً، ان إيران ليست في واجهة المواجهة بين روسيا وتركيا، وإنما هي ماضية في دعم النظام في دمشق كحليف أساسي لها في مشروعها الإقليمي. إسرائيل تشن غاراتها بقرب دمشق على مواقع عسكرية حيوية، كما تزعم، بهدف عزل إيران وتقليص فرص امتدادها في سوريا استراتيجياً. فهذه ليست غارات ضد بشار الأسد، تؤكد المصادر، وإنما هي احتواءً للشهيّة الإيرانية في سوريا.

الشهيّة التركية في سوريا وأيضاً في ليبيا هي التي تُقلق القيادة الروسية، المدنية والعسكرية، وترى أن لا مناص من سياسات حازمة إزائها. مشكلة موسكو أن أنقرة تتحداها علناً وقد تلقّت جرعةً للاستقواء بعدما أعلن المبعوث الأميركي الخاص في شأن سوريا، جيمس جيفري، أن واشنطن "تنظر في سُبُل تقديم الدعم لتركيا في ادلب في إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والأولوية هنا هي لتزويد العسكريين الأتراك بمعلومات استخبارية ومعدّات عسكرية".

موسكو لا ترتاح الى إحياء لغة حلف شمال الأطلسي في العلاقة مع تركيا بعدما كانت ظنّت أنها تمكّنت من شق فجوة في علاقة تركيا مع شركائها الغربيين في حلف الناتو عبر الشراكة الروسية – التركية في سوريا، وعبر بيعها منظومة S-400 الروسية التي خلقت أزمة بين أنقرة وواشنطن.

ما قد تلتقي حوله موسكو وواشنطن وأنقرة هو ما قاله جيمس جيفري عن استبعاد اندلاع نزاع واسع النطاق في الساحة السورية يشمل روسيا وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل، إذ قال ان هؤلاء "اللاعبين الكبار يتوخّون أقصى درجات الحذر في تحركاتهم". الكارثة أن هؤلاء الكبار لا يكترثون بما تخلّفه معاركهم على البنية الإنسانية في سوريا أو في ليبيا، وهم في هذه الناحية لا يتوخّون الحذر.