قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

غمرت النزعة الاستهلاكية عيد الحب أو "الفالنتاين داي"، وأغرقته في لعبة التهادي والدب الأحمر والذهب الأبيض والأصفر، إلا أن السؤال يبقى: ماذا تقول الأديان السماوية وغيرها في العشق؟.

إيلاف من دبي: احتفل العشاق في 14 فبراير كما في كل عام بذكرى القديس فالنتاين، أو من يسمونه شفيع الحب والمحبّين. وكما في كل عام، يبدو الحبّ في مثل هذا اليوم أشبه بالديانة التي نبيُّها دب أحمر، وقرابينها ورود وشموع وبالونات على كل منها حرف من حروف كلمة LOVE، وكتابها "كاتالوغ" كبير للهدايا التي تُهدى في هذا النهار ولا تهدى، في تكريس للنمط الاستهلاكي ملازمًا للاحتفاء بالحبّ الرومانسي، وهو اختراع بشريّ جديد نسبيًا، مقارنةً بالمدارس الروحانية التي قاربت الحبّ بما يتناسب مع رؤيتها للخلاص، بجسب تقرير نشرته "بي بي سي عربي"، ألفته سناء الخوري.

الوحدة الكارثية
تقول الخوري إن الحبّ الرومانسي، بحسب الفيلسوف والكاتب البريطاني آلان دو بوتون، الأنموذج الأكثر شيوعًا للحبّ اليوم، ومن أبرز عناصره أننا نوجّه انجذابنا بالأساس إلى من يتمتع بجمال الشكل والمضمون في آن، كمعيار أساسيّ لقبول الحبّ أو رفضه.
ونتوقّع من الآخر ومن أنفسنا أن نحفظ شرارة الانبهار الأولى، على الرغم من مرور الزمن والانجاب وهموم المال والمهنة. فإن اختلفنا مثلًا على وضعيّة المناشف في الحمّام، أو لم ننجح بتغيير عادات الآخر وأسلوب حياته، يعني أننا فشلنا في الامتحان. في كتيّب الحبّ الرومانسي هذا، الوحدة مسألة كارثيّة، ما يجعلنا ننتظر من الآخر ألا يكون حبيبًا فحسب، بل طبيب نفسي وطباخ وسائق ومستشار مالي ومرشد روحي، وهذه توقعات غير منطقية وغير عمليّة، وتسبّب التعاسة.

يقول تقرير بي بي سي عربي إن التيار الرومانسي نشأ كردّ فعل على التطوّر العلمي والصناعي المتسارع، ودعوة إلى العودة إلى طفولة البشرية، إلى الطبيعة، والفطرة. فالبطل الرومانسي كما صوّرته الروايات الأوروبية في تلك الحقبة، حزين وبائس ومنتحر على الأرجح. إنه ضحية الامتثال لقوانين العالم الجائرة، الشهيد البريء في مجتمع نسي لغة الحبّ والمشاعر، ويشبه أبطال المسلسلات التركية أو الكورية المدبلجة.

استلهام الأساطير
في توق رومانسيي القرن الثامن عشر إلى الطفولة والفطرة استلهامٌ من الأساطير التي أعطت الحبّ والرغبة شكل طفل مجنّح يحمل قوسًا وسهمًا، هو ابن الهة الحبّ (فينوس/ أفروديت) وإله الحرب (مارس/ آريس). سمّاه الإغريق إيروس، والرومان كيوبيد، وكان يكفي أن يصيب بسهمه أيّ أحد، حتّى تدبّ في جسد المصاب الرغبة الجامحة.

بحسب الخوري، منح خيال الحضارات القديمة آلهتها القدرة على الحبّ والزواج والانجاب. كيوبيد الذي بات رمزًا للحب الرومانسيّ خلال القرن الماضي، كان في القدم وجهًا هامشيًا في معابد آلهات الحبّ التي قدُّست من مصر القديمة إلى بلاد ما بين النهرين، وصولًا إلى الحضارات الإغريقية والرومانية.

كانت فينوس وأفروديت وعشتار وإنانا وإيزيس والعزى وجوهًا متعددة لإلهة الحب والجمال والخصوبة والرغبة. في بعض الحالات، كانت إلهة الحبّ والخصوبة إلهة الحرب والعدالة والسلطة أيضًا، كما في حالة إنانا، أو حامية النساء والأطفال كما في حالة إيزيس. فالحبّ في تلك الديانات كان جزءًا من سلطة الطبيعة، وقوّة للخير والدمار في الوقت عينه. اعتبرت الرغبة قوّة إيجابيّة لاستكمال دورة حياة الإنسان المستمدّة من الفصول ومواعيد الحصاد.

المعاني الروحانية
بعد المدّ المسيحي في العالم وأثره في إنتاج الثقافة في أوروبا، تحوّل كيوبيد إلى طائر مكسور الجناح، لتحلّ مكانه إيروس الشبقيّ، المحبّة أو agape بمعناها القدسي، فبات الحبّ قيمة تربط الإنسان بالله وتربط الناس ببعضهم البعض. كُسر جناح الحبّ الشهواني لمصلحة معانٍ روحانية تنفي الجسد بالكامل وتقصيه، وتدعو الناس إلى المحبة والرحمة كأسلوب عفيف للعيش ولنيل الثواب في الآخرة.

ففي اللاهوت المسيحي، إن الله محبّة، لأنّه "تجسّد على شكل إنسان لتخليص البشرية من خلال الصلب والآلام. بحسب إنجيل يوحنا، وصيّة المسيح الوحيدة لتلاميذه كانت ’أحبّوا بعضكم كما أنا أحببتكم‘. ترى الكنيسة المحبّة واحدةً من قيمها الأساسية الثلاث، إلى جانب الإيمان والرجاء"، كما تقول الخوري في تقرير بي بي سي عربي.

فلا مكان للشهوانية في الفكر المسيحي على الإطلاق، بل تشديد على التقوى والعذرية ونكران الملذات. فالجنس خطيئة أصلية طردت آدم من الجنّة، والهدف من الزواج هو الإنجاب، ولا حبّ ممكنًا إلا بالمسيح المتألّم المخلّص.

يقظة وكاماسوترا
تلتقي البوذية مع المسيحية في فهمها الحبّ طريقًا للخلاص. ففي تعاليم بوذا، قدرُ الإنسان الذي لا فكاك منه هو العذاب. وكي يتجاوز هذه الحتمية ويتصالح معها، عليه ممارسة عدد من الفضائل الروحانية، تمرّ بالترفّع عن الغيرة والشهرة والرغبات.

الحبّ أو كارونا في البوذية، وتعني الكلمة أيضًا العطف والرحمة في السنسكريتية، من الفضائل الأساسية للخلاص الفردي والجماعي. إن الحبّ بالنسبة إلى بوذا يتجاوز حدود الوجود العادي، ليصير أحد سبل الحكمة. إنّه طريق لليقظة الكاملة من خلال النظر بعين الرحمة والعطف إلى الكون والإنسان والخلائق كافة. إنّه العطف من دون مقابل، من دون انتظار تقدير أو شكر أو ثمن. هكذا، فإنّ الحبّ في البوذية تمرين مستمرّ على تجاوز الخوف، وتقبّل ما ليست لنا عادة على تقبّله.

في روحانيات الشرق القديم، تتلاقى البوذية مع المسيحية في نبذ شهوات الجسد، كونها تشوّش ذهن الباحث عن الصفاء الكامل، بعكس الهندوسية التي ترى في الجنس والحبّ نوعًا من العبادة.

من أشهر الكتب الهندوسية المقدّسة كتاب "كاماسوترا" الذي يجعل من الرغبة أساسًا لولادة الكون الذي ينشأ من اتحاد الإله كريشنا بالإلهة رادها. للجنس مكان أساسي في اللاهوت الهندوسي، فمن خلال التزاوج بين الآلهة تنشأ الطاقة اللازمة لتجديد الخلق والحفاظ على دورة حياة الكون. والجنس بين البشر مشاركة في فعل الخلق المقدّس هذا، وطريقة لارتقاء الإنسان إلى مراتب عليا.

حلال وحرام
خلافًا للمسيحية والبوذية، لا يضع الإسلام شهوات الجسد على الهامش، فلا يحرّم على أتباعها متاع الدنيا، لكنّه يضع قواعد شرعيّة للعلاقة بين الجنسين: تأسيس العائلة؛ فالحبّ والجنس محبّذان وفق الشرع فحسب، وللزواج والإنجاب فقه خاص.

يأخذ الحديث عن الحبّ في الإسلام دينًا ومجتمعًا طابعًا خاصًا، مع ارتباطه الصارم بمفاهيم الحلال والحرام الناشئة عن أعراف اجتماعية، وتأويلات مختلفة للنصّ القرآني، بحسب تعدّد المدارس والمذاهب.

من أكثر المتحمسين لرؤية الإسلام كدين للحبّ، المفكّر والباحث الأنثروبولوجي الجزائري الراحل مالك شبل، الذي كتب مؤلفات عدّة في هذا المجال، وخلُص في كتابه "مئة اسم للحبّ" إلى أن الإسلام منح الحبّ لحمًا ودمًا، وأعطاه بعدًا إنسانيًا. أمضى شبل حياته في دراسة نظرة النصّ القرآني والأحاديث النبوية للحب والمتعة والجنس، ويقول في إحدى مقابلاته إن الإسلام يُعطي الحياة الجنسية والعاطفية حريّة واسعة شرط أن تكون بين زوجين، أي محددًا الإطار العام للعلاقة. وبحسب شبل، الدين الإسلامي في جوهره متسامح مع مفهوم الرغبة، ولا يعدّها شأنًا دونيًا أو مرفوضًا.

تقول الخوري في تقريرها إنه ربما يكون أجمل ما كتب في الحبّ ما أنجزه تيار التصوّف الذي قاده مفكرون وفلاسفة وشعراء مسلمون، من الحلاج إلى جلال الدين الرومي ورابعة العدويّة وابن عربي وغيرهم. على تنوّع الطرق الصوفية، يبقى الحبّ عاملًا جوهريًا فيها. فبالنسبة إلى الرومي، الحبّ "أسطرلاب الأسرار الإلهية"، و"ميراث أبينا آدم". أما الدهاء فهو بضاعة الشيطان.
الداهية الحكيم يعتمد على نفيه وعقله. أما الحب فتفويض وتسليم. إن العقل سباحة قد يصل بها الإنسان إلى الشاطئ، وقد يغرق، لكن الحب سفينة نوح التي لا خوف على ركابها ولا هم يحزنون".


أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن "بي بي سي عربي". الأصل منشور على الرابط:
https://www.bbc.com/arabic/art-and-culture-51498670