قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

فاجأ الانفجار المدوي الذي وقع في مرفأ بيروت الثلاثاء اللبنانيين وهم بين مطرقة أزمتهم المالية العميقة وسندان كورونا الذي يصيب المئات يوميًا، فأردى منهم العشرات، وجرح الآلاف، تاركًا منطقة منكوبة تذكر بويلات الحرب الأهلية قبل ثلاثين سنة.

إيلاف من دبي: لم يكن أي لبناني يفكر في أي لحظة بموت أحمر يأتيه من الغرب، من البحر، من الميناء الذي صدّر الحرف إلى العالم، من انفجار قدروا قوته بنحو 2750 طناً من المواد شديدة الانفجار. كان ينتظر غارة إسرائيلية، أو حربًا أهلية، أو ضربة سريعة من كعب بندقية جندي في جل الديب أو جسر الرينغ أو في أي ساحة أخرى من ساحات "لبنان ينتفض".

سحابة زهرية

إنه يوم الدينونة في بيروت.

في تمام الساعة السادسة وتسع دقائق مساء، ماجت الأرض ببيروت، واهتزت الأبنية في دائرة قطرها 11 كيلومترًا، وتساقط الزجاج، وتخلعت الأبواب. ما عرف اللبنانيون ماذا يحصل. شاهدوا سحابة زهرية اللون تحجب الشمس قبل غروبها.

من رأى قليلًا من الانفجار، شاهد الغمامة الفطرية التي تكونت بعد ثوان من الدوي، فعادت إلى الذاكرة ما شاهدناه في كتب التاريخ من صور لانفجاري هيروشيما وناغازاكي النووين.

لم يكن واضحًا ما حصل، خصوصًا أن القوى الأمنية حاصرت منطقة الانفجار، ومنعت الصحافة من الوصول إلى المكان. لكن، ما أن فك الحصار حتى بدأت الصور ترد مخبرةً عن خراب عجزت عن إنجازه حرب أهلية دامت 15 عامًا متواصلة، تخللها اجتياحان إسرائيليان.

مستودع متفجرات

كان الخبر الأول: انفجار على باب بيت الوسط.. بيت سعد الحريري. صار الشارع يغلي، والكل يعلم أن 7 أغسطس، أي بعد أيام قليلة، هو يوم الإعلان العالمي عن قتلة أبيه رفيق الحريري، الذي قتلوه بانفجار مشابه في 14 فبراير 2005.

ثم توالت الأخبار. الارتباك الإعلامي كان واضحًا جدًا، إذ كانت التطبيقات الإخبارية ترسل خبرًا ثم تنقضه بعد دقائق. ردة الفعل الأولى أتت من بدري ضاهر، مدير عام الجمارك، الذي تحدث عن انفجار في مستودع للمفرقعات في مرفأ بيروت.

بعد دقائق، تكلم اللواء عباس ابراهيم، مدير عام الأمن العام، فقال إنه مستودع متفجرات. حتى بدت الأخبار أكثر دراماتيكية... إسرائيل تقصق مستودعًا لسلاح حزب الله في مرفأ بيروت.

صورة: الدمار في محيط الإنفجار
قالت المصادر فورًا إن الانفجار لم ينجم عن عمل حربي، بل إن حريقًا شب في أحد حاويات التخزين في العنبر رقم 12 بمرفأ بيروت، ويبدو أنه كان يحتوي كمية كبيرة من المواد شديدة الإنفجار، من نوع نيترات الأمونيوم، ما أدى إلى الانفجار الكبير. لكن لم يكن أي من هذه الأخبار موثوقًا، خصوصًا أن الكثير من الناشطين أكدوا سماع أزيز طائرات حربية قبل الانفجار بثوانٍ قليلة.

حكومة غائبة
الحكومة اللبنانية في سبات عميق. فلا موقف بدا منها حتى بعد مرور 5 ساعات من الإنفجار. وحده وزير الصحة اللبناني حمد حسن يخرج بين الفينة والفينة ليحدث تعداد الضحايا والجرحى، على الرغم من أن السراي الحكومي تضرر جراء الإنفجار، وكذلك تضرر القصر الجمهوري في بعبدا، وأصيبت زوجة رئيس الحكومة حسان دياب وكريمته، وسقط أمين عام حزب الكتائب اللبنانية نزار نجاريان، وجرح 15 صحافيًا وموظفًا في جريدة النهار القريبة.

تضررت المستشفيات، ورغم ذلك، تستقبل أعدادًا من الجرحى تفوق قدراتها الاستيعابية، وهي المنهكة أصلًا بسبب أزمتي كورونا وانهيار قيمة العملة الوطنية. النداءات مستمرة للتبرع بالدم. الضحايا بالعشرات، وعدد الجرحى يفوق ثلاثة آلاف.

القرار الفوري الوحيد الصادر عن الحكومة: الأربعاء يوم حداد وطني.

صورة: بيروت مدينة منكوبة

قصف أو لا قصف؟
كثر المحللون وكثرت التحليلات. تجمع أغلبيتهم أن في الأمر أكثر مما يقال. الفرضية الأولى قائمة على ما سمعه كثيرون من أزيز طائرات قبل الانفجار. فهل قصفت إسرائيل فعليًا مستودعًا في مرفأ بيروت يحتوي على سلاح ومواد متفجرة يخزنها حزب الله؟ إسرائيل نفت ذلك، على الرغم من أن النفي الرسمي لا ينفي بالضرورة واقعة القصف بشكل كامل.

وبحسب محللين، ربما تكون إسرائيل قد قصفت المستودع، خصوصًا أن صورة له أتت في سياق الصور التي نشرتها إسرائيل سابقًا قائلة إنه مستودع لوقود الصواريخ تابع لحزب الله، يخزن فيه المواد التي تصله بحرًا من إيران. وربما لا تريد إسرائيل الاعتراف رسميًا بذلك، كي لا تقدم لحزب الله حجة دامغة تدفعه إلى الرد بعمليات تجر المنطقة إلى أتون حرب شاملة.

في المقابل، إن لم تكن فرضية القصف الجوي الإسرائيلي قائمة، ثمة سؤال مهم: لماذا يخزن هذا النوع من المواد شديدة الإنفجار في منطقة مكتظة بالسكان؟ محللون يجزمون بأن هذا المستودع تابع لحزب الله، وربما انفجر لأسباب تقنية أو لسوء تخزين، مستندين إلى إعلان قبرص في مايو 2015 توقيف لبناني مرتبط بحزب الله في لارنكا بعد ضبط طنين من مادة نترات الأمونيوم التي تستخدم في تركيب المواد المتفجرة في منزله.
أيًا تكن الفرضية الصحيحة، اللوم واقع على حزب الله، الذي حول اللبنانيين دروعًا بشرية في خضم تنفيذه الأجندة الإيرانية في المنطقة، الأجندة التي ذهب ضحيتها عدد كبير من اللبنانيين حتى اليوم.

مستقيل واحد
في أي دولة في العالم، إلا في لبنان وأترابه من الدول السائرة على درب الحكم المطلق، نكبة كهذه لا تنتهي إلا باستقالة الحكومة بكل أعضائها. لكن يبدو أن الحكومة اللبنانية ليست في وارد تحمل هذه المسؤولية. المستقيل الوحيد هو النائب مروان حمادة، المنتمي إلى كتلة نواب اللقاء الديمقراطي الذي يتزعمه تيمور جنبلاط، نجل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط.

فقد خرج حمادة على الإعلام، وأعلن تقديمه استقالته من البرلمان الأربعاء، لأنه لا يريد أن تكون له أي علاقة بالحكم في لبنان، قائلًا إن على رئيس الجمهورية ميشال عون نفسه الاستقالة فورًا.

الدمار في محيط الإنفجار

حملات تضامن
حظي الشعب اللبناني المنكوب بتضامن عربي ودولي لافت. فقد تقدمت دولة الإمارات العربية المتحدة بالعزاء الى الشعب اللبناني جراء الانفجار، وغرد الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي: "تعازينا لأهلنا في لبنان الحبيبة.. اللهم ارحم من انتقلوا إليك.. اللهم الطف بأهلها.. اللهم ألهم شعب لبنان الصبر والسلوان..". وأرفق تغريدته بصورة للعلم اللبناني.

كما غرد أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، على حسابه في تويتر: "قلوبنا مع بيروت وأهلها. دعاؤنا في هذه الساعات العصيبة أن يحفظ رب العالمين لبنان الشقيق واللبنانيين، وأن يخفف مصابهم ويضمد جراحهم، ويحفظ بيوتهم من الأحزان والآلام". ونشر في تغريدته صورة لبرج خليفة في الإمارات مضاء بالعلم اللبناني.

وقدم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي "خالص التعازي والمواساة لأشقائنا في لبنان حكومة وشعبًا، جراء حادث الانفجار الأليم الذي وقع اليوم بالعاصمة اللبنانية بيروت، داعيًا المولى عز وجل بالشفاء العاجل للجرحى وأن يلهم أسر الضحايا الصبر والسلوان".

ووجّه أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بإرسال مستشفيات ميدانية إلى لبنان، كما أجرى اتصالًا هاتفيًا بالرئيس اللبناني ميشال عون عقب الانفجار، معبرًا عن تضامنه مع لبنان.

كانت هنا مدينة

وأكد رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي تضامن بلاده مع لبنان وقال في بيان "نعرب عن تضامن العراق حكومة وشعبًا مع شعب وحكومة لبنان على خلفية الانفجار الذي شهدته العاصمة اللبنانية بيروت هذا اليوم". وأضاف الكاظمي: "نؤكد استعداد العراق للوقوف الى جانب الشعب اللبناني في محنته الحالية سائلين المولى العلي القدير أن يمنّ بالشفاء العاجل على جرحى الحادث الأليم وأن يلهم ذوي الضحايا الصبر والسلوان وأن يتمكن الشعب اللبناني من تجاوز المحنة التي ألمّت به".

وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان مساء الثلاثاء أن فرنسا تقف "الى جانب لبنان" ومستعدة لتقديم المساعدة اليه بعد الانفجار الضخم الذي وقع في مرفأ بيروت واسفر عن قتلى ومئات الجرحى. وكتب لودريان على تويتر "فرنسا واقفة وستقف دائما الى جانب لبنان واللبنانيين. إنها مستعدة لتقديم مساعدتها وفق الحاجات التي ستعبر عنها السلطات اللبنانية".

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن الوزارة تتابع عن كثب التقارير عن انفجار في بيروت ومستعدة لتقديم "كل المساعدة الممكنة". وذكر أن الوزارة ليست لديها معلومات عن سبب الانفجار، وأضاف أنها تتعاون مع السلطات المحلية لمعرفة ما إذا كان هناك أميركيون ضمن المصابين.

علقوا المشانق
تكلم الناشطون على تويتر بحرقة، بمرارة نتيجة الوضع البائس والمأساوي الذي وصل إليه البلد. غرد الإعلامي
إدمون ساسين: "الجولة بين الشوارع المدمرة والمنكوبة أقسى ما شاهدته في حروب وتفجيرات. هي نكبة حقيقية من دون مبالغة ومأساة وكارثة وكل حروف الوجع والألم".

وقال الشيخ محمد الحاج حسن: "حزب الله الوباء الحقيقي لكل المجتمعات الآمنة ، إنه السرطان الذي نخر في جسد الوطن ، وستتكشف حقيقة ما جرى في مرفأ بيروت ودويلة السلاح والميليشيوية ستنهار وقريبا جدا ، الرحمة للشهداء المظلومين والشفاء للجرحى وأعان الله شعبنا".

وغردت زينب عبد الساتر: "هيروشيما لبنان؟ تشيرنوبل لبنان؟ ١١ أيلول لبنان؟ سمّوها ما شئتم لكن علّقوا المشانق لمن تسببوا بهلعنا وببكائنا وبصدمتنا وبضياعنا وبنكبتنا ... علّقوا المشانق لكل من تسبّب بهذه الكارثة".

وكتب حساب أنونيموس لبنان: "5 ساعات! 5 ساعات بعد ما حدا عنده الجرأة و المسؤلية يطلع يقول للناس شو الي انفجر وشو عم تتنفس الناس!"

وغرد الناشط زياد دنقر: "ما حصل في بيروت اليوم يستدعي استقالة رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب مع المجلس النيابي ورئيس الحكومة مع كل الوزراء وكل شخص يحمل لقب رئيس في هذا الكابوس المسمّى لبنان".

وغرد الناشط السعودي إبراهيم السلمان: "أين وزير خارجية لبنان ليدين تخزين إيران وحزب الشيطان للمتفجرات والاسلحة الخطرة بين المدنيين ..؟!".