قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حول الأكاديمي السعودي حمزة المزيني حسابه على تويتير إلى منتدى للتبادل الثقافي والمعرفي، حين فتح بتغريدة باب النقاش حرل نظرية داروين والتعليقات عليها والدراسات التي فندتها.

إيلاف من الرياض: فتح الأكاديمي والكاتب السعودي حمزة قبلان المزيني باب النقاش على مصراعيه، مجددًا، بشأن كتاب "أصل الأنواع" والداروينية، من خلال تغريدات نشرها على حسابه الشخصي في تويتر، فتحلق حوله مغردون ومتابعون ومهتمون بالموضوع، مدلين بآرائهم في ما قال، بأسلوب فكري ينفي بالطبع الصبغة الاستهلاكية عن منصة تويتر، التي يمكن أن تكون، وبكل سهولة، منصة حوار ثقافي – فكري – فلسفي راقٍ، يتطرق إلى مسائل تحتمل الرأي والرأي المناقض، بأسلوب علمي.

داروينيتي
افتتح المزيني هذا النقاش الفكري مستعيدًا الداروينية، ومغردًا: "اشتهر تشارلز داروين في كتابه ’أصل الأنواع‘ بأسلوبه الراقي في الكتابة. ويمكن اكتشاف ذلك الأسلوب الإنكليزي المتقن بقراءة الفصل الأخير الذي يلخص فيه نظريته ويرد على منتقديها من كبار علماء عصره. الملاحظ أن حجج منتقدي نظريته القدماء ما تزال تردد على رغم ضعفها ورغم ردوده الواضحة!"

المزيني أستاذ لسانيات سعودي معاصر، عضو في مجلس إدارة هيئة الأدب والنشر والترجمة منذ يوليو المنصرم، وحاصل على درجة الدكتوراة من جامعة تكساس الأميركية، وهو أستاذ سابق في جامعة الملك سعود بالعاصمة السعودية الرياض.

دار حوار بين المزيني والعددي ممن حاوروه، فوافقوه أو عارضوه، خصوصًا عبدالله الشهري، فتدخل عثمان العمير، ناشر "إيلاف" ورئيس تحريرها، معربًا عن إعجابه بهذا الجدل الثقافي الفكري الغني.

غرد العمير: "أقرأ بإعجاب الحوار الدائر بين المفكر السعودي الأستاذ حمزة المزيني والأستاذ عبدالله الشهري حول داروين في حسابي، ورغم داروينيتي إلا أنني اتمنى عليهما الاستمرار والتوسع، فنحن نحتاج الى النقض والتفكير وإعلاء حرية البحث وسعة الصدر".

وختم العمير تغريدته بنشر صوة داروين، قائلًا: "تمثاله اعتراف بفضله في قلب العالم رأسًا على عقب".

مراجعتان ودليل
وعاد المزيني ليضيف في تغريدة ثانية: حتى لا نغتر بما كتبه مايكل دينتين عن نظرية التطور.. مراجعتان لأحد كتبه الرئيسية عن الموضوع تؤكدان ما وصفته ويكيبيديا به من تلاعبه بالأدلة وفهمه الخاطئ لبعضها".

فمايكل دنتون لخص في كتابه "ارتقاء: نظرية في أزمة" أسباب انهيار نظرية داروين: أولًا، لم تتمكن النظرية من إيجاد تفسير يستند على أساس علمي لكيفية بداية الحياة على كوكب الأرض؛ ثانيًا، ما عرضته نظرية التطور من آليات للتطور والنشوء والارتقاء لم تكن في حقيقة الأمر مولدة لأي تطور؛ وثالثًا، أثبتت المتحجرات الحديثة عكس ما زعمته سابقًا نظريّة التّطور. وبحسب ويكيبيديا: "قال عالم الأحياء والتر كومز الكاتب في لايبرري جورنل أن مايكل دنتون ’يضع تفاصيل تساؤلات حقيقية، بعضها قديمة قدم نظرية دارون، وبعضها حديث كعلم الأحياء الجزيئي، لكنه كذلك يحور أو يحرف مسائل" أخرى‘. وقال أن ’كثيرًا من الكتاب يبدو كثرثرة خلقوية، لكن ثمة بعض النقاط المثيرة كذلك‘.

غير علمي!
وفقًا لويكيبيديا أيضًا، كتب مارك فلتك مقالة نشرت في أرشيف توك أورجنز، فصل فيها الأسباب التي يرى أنها وراء فشل محاولات دنتون لتحدي علم الأحياء التطوري بشكل وافٍ، مؤكدًا أن دنتون لم يتمكن من إضعاف أدلة التطور، ولا من برهنة أن آليات التطور الكبروي غير ممكنة في أصلها.

لام مغردون عديدون المزيني لاعتماده على مصدر مفتوح غير موثوق مثل ويكيبيديا. يقول مغرد باسم City-Moon: "استغرب دفاعك الشديد عن ويكبيديا لأن يا دكتور استخدامك ويكبيديا كمرجع خطأ، ولا بد من أن تدرك أن اتفاقها مع المراجع العلمية حتى وإن اصاب يظل غير علمي".

تنسب إلى غيره
في تغريدته الثالثة، يقول المزيني: "أشار داروين في فصل بعنوان Historical Sketch في أول كتابه إلى عدد كبير من علماء الأحياء من سابقيه ومعاصريه وصلوا إلى فكرة قريبة من فكرته عن تطور الأنواع (أنظر خاصة الهامش على ص ٢٣). وهذا من أمانته العلمية كما يدل على أن أفكاره ستنسب إلى غيره لو لم يتفرد بالكتابة عنها بهذا التوسع".

ويختم المزيني سلسلة تغريدته قائلًا: "من الطريف أن بعض قراء مجلة المقتطف المشهورة التي كانت تصدر في القاهرة وتنشر بعض المقالات عن نظرية داروين في أواخر القرن التاسع عشر كانوا يكتبون لمحرريْها أن العرب سبقوه إلى تلك الأفكار ويوردون الأدلة على ذلك!".

نقاش مستفيض
أثارت هذه التغريدات نقاشًا فكريًا واسع النطاق، واستدعت حلقات من الجدال الثقافي، فيقول نايف بن تركي بن محيا: "أفضل من ناقش النظرية هو الدكتور محمد شحرور فهو يقول أن الانسان اصله بشر وهو احد اصناف الثديات تطور حتى استوى فنفخ الله فيه الروح فاصبح انسان (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)".

ويعلق عبد العزيز الميزاني: "بعد مرور مئة سنة وأكثر على نظريته لم يستطع الداروينيون إيجاد أدلة حقيقية على النظرية كل ما عندهم توهمات وأقاويل براقة". يضيف: "حتى أنه كان متكبرًا على الناس ففي نفس الكتاب يقول داروين: لو تأملنا وفكرنا في حقيقة وجود الإنسان لوجدنا أن وجود الخالق هو التفسير الواقعي ولكن كيف يمكن الوثوق بعقل جاء من أصل حيواني؟ وهذا لعمري من المضحكات المبكيات! فكيف نصدق نظريتك وعقلك من أصل حيواني!".

يغرد عبدالله الشهري: "في 3 يوليو 1881م بعث داروين رسالة خاصة إلى صديقه وليام جراهام يقول فيها ما نصه: ’ينتابني دائمًا شك فظيع حول ما إذا كانت قناعات عقل الإنسان، والذي بدوره تطور من عقول كائنات أدنى، تتمتع بأي قيمة أو تستحق أدنى ثقة‘".

قناعات عقل الإنسان
يتفق الشهري مع المزيني في وجود تسطيح كبير في فهم النظرية وفي الرد عليها، في بعض الدوائر عالميًا، وفي بالدوائر العربية خصوصًا، "لكن هذا أجنبي عن محل النزاع هنا. تطور النقد في الغرب وهو الآن من قامات تطورية معتبرة مثل التطوريَيْن جيري فودور وماسيمو بياتيلي- بالماريني، ولين مارغيوليس وغيرهم. مثلًا يقول فودور وصاحبه: هذا ليس كتابًا عن الله، ولا عن التصميم الذكي، ولا عن الخلق. ليس أيًا من أحدنا متورط في شيء من ذلك. لقد ارتأينا أنه من المستحسن أن نوضح هذا منذ البداية، لأن رأيَنا الأساسي فيما سيأتي يقضي بأن هناك خطأ ما - وربما خطأ لدرجة قاتلة - في نظرية الانتخاب الطبيعي".

ويعرض الشهري قول إدموند هوسرل: "قد تعرض للخاطر بعض الأمور من علم الحياة، فنذكر نظرية التطور الحديثة حيث نما الإنسان في كفاحه من أجل الوجود بحسب الانتقاء الطبيعي، فنما معه عقله بالطبع، ومع العقل سائر الصور التي هي أخص به، ولا سيما الصور المنطقية. ألا يدفعنا ذلك إلى القول إن الصور والقوانين المنطقية إن هي إلا سمة عارضة للنوع البشري، وإنها قد تكون مختلفة، وتصير كذلك في سياق التطور المقبل؟".

ويغرد حساب يحمل اسم "المشرّق": "الأمر بسيط جدًا: بعيدًا عن الفلسفة، من كان يؤمن بالقرآن فهو كافر بالداروينية، لأنهما نقيضين ولا يمكن الجمع بين النقيضين، واسأل أحد كبار السن حولك، من أي شيء أصل خلق الإنسان؟ وسيجيبك أنه من طين وخلقه الله مرة واحدة وهذه من القضايا الواضحة تصريحًا في القرآن ويصعب تأويلها".

لقاء الثقافة
تلتقي "إيلاف" مع المزيني في الاهتمام بمسألة الداروينية، أو نظرية التطور والارتقاء، أبدته وتبديه من خلال باقة واسعة من المقالات والتقارير والترجمات، تصب في تبيان ما لداروين في نظريته وما عليه، نعرض لنزر يسير منها هنا. ومفيد التطرق إلى إحداها تتعرض لكلمة "نظرية" التي تسبق داروين دائمًا، خصوصًا أن للنظرية حجة تقارع بها، وحجج مضادة تُحارب بها، والمزيني يتهم منتقدي الداروينية بضعف الحجة.

فصحيح أن النظرية وجهة نظر قابلة للإطاحة، إلا أن داروين لاحظ في "أصل الأنواع" أن اكتشافات جديدة يمكن "أن تنسف نظريتي". لكن، حين يفهم خصوم النظرية من ذلك أن النشوء، أو مبدأ داروين في الاصطفاء الطبيعي، ليس إلا رأيًا واحدًا يتنافس مع آراء أخرى، فإن أنصاره ينفون ذلك، وتقول مؤسسات علمية إن بعض النظريات تشكل "أسس فهم الإنسان للطبيعة"، وأنها "تقوم على جسم من الحقائق، التي تأكدت مرارًا من خلال الملاحظة والتجربة".

وهذا ريتشارد دوكينز يقول إن العلماء يستخدمون مفردة "نظرية" بمعانٍ مختلفة، وإن محاولة استجلاء هذه النقطة الاصطلاحية عن معنى "النظرية" معركة خاسرة، مقترحًا تسمية النشوء بالـ "حقيقة"، لأن "الدليل على النشوء قوي، وحجب القبول به سيكون انحرافًا"، على حد تعبيره.

لم يخطئ
في من يأخذ على المزيني اتكاله على ويكيبيديا في نقض دانتن لتفنيد الداروينية، ويكيبيديا لم تخطئ في هذا. فهذه لورا فان هولشتاين، أستاذة الأنثروبولوجيا البيولوجية في كلية سانت جون في جامعة كامبريدج، تقول في مقالة نشرتها "إيلاف" إن العلاقة التطورية بين أنواع الثدييات والأنواع الفرعية "تختلف اعتمادًا على موطنها. وتتشكل الأنواع الفرعية وتتنوع وتزيد في عددها بطريقة مختلفة بحسب عاداتها، وهذا بدوره يؤثر في كيفية أن الأنواع الفرعية قد تصبح أنواعًا".

تضيف: "فعلى سبيل المثال، إذا اعترض حاجز طبيعي مثل سلسلة جبلية طريق الحيوانات، فهذا يمكن أن يفصل بين مجموعات الحيوانات ويرسلها في رحلات تطورية خاصة بها في البيئة التي ستعيش فيها".

قالت هولشتاين ذلك اعتمادًا على بيانات جمعها علماء الطبيعة في مئات السنين.

لكلامه ما يسوغه
أما في تغريدته عمن سبق داروين إلى "النشوء والارتقاء"، وتكلمت عنهم "المقتطف" في ايامها، فلكلام المزيني في هذا ما يسوغه. ألم يسبق الجاحظ داروين إلى "الانتقاء الطبيعي" في كتابه المعروف "الحيوان"؟

ففي مقالة نشرتها "إيلاف"، يرد أنه قبل داروين بنحو ألف عام، ألف الفيلسوف المسلم أبو عثمان عمرو بن بحر الكناني البصري المعروف بالجاحظ كتابه "الحيوان" عن كيفية تغير الحيوان من خلال ما سماه الانتقاء الطبيعي.

يقول الجاحظ في كتابه إن الحيوانات تشتبك في صراع على البقاء والموارد حتى تتكاثر وحتى لا تفترسها حيوانات أخرى. ويرى أن عوامل بيئية تساعد الكائنات على تطوير سمات جديدة لضمان البقاء، وبهذا تتحول إلى أنواع أخرى، وأن الحيوانات التي تبقى تنقل صفاتها وسماتها الناجحة إلى ذريتها.

يتضح من الكتاب إذًا إدراك الجاحظ أن الكائنات والعالم الطبيعي في صراع دائم للبقاء، وأن هناك أنواع أقوى من أنواع أخرى، وهي المقولة التي بنى داروين عليها نظريته برمتها.

مقالات ذات صلة