باريس: تهدد مشاكل يواجهها مفاعل نووي من الجيل الجديد في الصين بتقويض جهود التسويق التي يبذلها مصممه الفرنسي لبيع منتجه في دول أخرى، كما يمكن أن تلحق الضرر بالقطاع النووي الصيني، وفق محلّلين.

وسعت شركة "أو.دي.اف" (كهرباء فرنسا) والحكومة الصينية إلى التقليل من شأن المخاوف من تراكم الغاز في منشأة الطاقة النووية في تايشان في محافظة غوانغدونغ في جنوب البلاد، بعدما تطرّق تقرير لشبكة "سي.ان.ان" الإخبارية الأميركية إلى احتمال وجود تسرب في الموقع.

والأربعاء أعلنت السلطات الصينية للسلامة النووية وشؤون البيئة أن هناك تزايدا في النشاط الإشعاعي في إحدى وحدتي الطاقة بسبب خمسة قضبان وقود متضررة، لكنها شددت على أنها "ظاهرة شائعة" لا تثير القلق.

إلا أن المشاكل الأخيرة تندرج ضمن سياق من المتاعب التي تواجهها "أو.دي.اف" في المفاعل.

فريدة من نوعها عالمياً
فمحطة الطاقة النووية في تايشان أصبحت في العام 2018 أول منشأة في العالم تستخدم تصميم الماء المضغوط الذي واجه تأخيرا لسنوات في مشاريع في بريطانيا وفرنسا وفنلندا.

والعام الماضي تم إطلاق مفاعل نووي ثان من النوع نفسه (المفاعل الأوروبي المضغوط) في تايشان. وتمتلك "أو.دي.اف" حصة في المنشأة بالشراكة مع "المجموعة الصينية العامة للطاقة النووية" وهي شركة مملوكة للدولة تستحوذ على غالبية الحصص وتتولى الإدارة.

وهذا الأسبوع أعلنت "أو.دي.اف" أنها تبلّغت بالمشكلة المتعلقة بقضبان الوقود لأول مرة في تشرين الأول/أكتوبر، لكنّها لم تعلم بوجود تراكم للغاز إلا يوم السبت، وفق الشركة.

وأثارت المشكلة كما وتكتم السلطات الصينية انتقادات من قبل الشركة الفرنسية التي يُفترض أن مفاعلها أكثر أمانا وأطول عمرا وأكثر إنتاجية للكهرباء من النسخ السابقة.

وقال الباحث في معهد الطاقة في كلية لندن الجامعية بول دورفمان "يبدو أن الهيئة الصينية الناظمة للقطاع النووي والشركات النووية الفرنسية قد تكون تصرّفت بسوء نية".

وتابع "إن صح ذلك فستكون لأزمة المفاعل الأوروبي المضغوط تداعيات وخيمة على أي خطط مستقبلية لبناء مفاعلات من هذا النوع في فرنسا والمملكة المتحدة والعالم".

من السابق لأوانه إطلاق الاستنتاجات

لكن نيكولا مازوكي الباحث في "مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية" ومقرها باريس، اعتبر أنه من السابق لأوانه إطلاق الاستنتاجات.

وتساءل مازوكي "هل يكمن السبب في إجراءات غير ملائمة لهيئة السلامة (الصينية)؟ أم أن المشكلة هي من نوع تتطلّب معرفة تأثيرها على المفاعل مزيدا من التقييم؟ في الوقت الراهن لا أجوبة على هذه التساؤلات".

وتأتي حادثة تايشان في توقيت تبذل فيه "أو.دي.اف" جهودا لإنجاز مفاعل فلامانفيل في فرنسا الذي استغرق بناؤه أكثر من 12 عاما، على أمل الفوز بعقود جديدة.

ويتعين على فرنسا أن تحسم قرارها بشان تجديد مفاعلاتها النووية المتقادمة، لكن باريس ترجئ البت في هذه المسألة بانتظار إنجاز مفاعل فلامانفيل المتوقّع أن ينتهي بناؤه في أواخر العام 2022 على أقرب تقدير.

وصرّحت الوزيرة الفرنسية لشؤون التحوّل إلى الطاقة المراعية للبيئة باربارا بومبيلي لمحطة "فرانس إنتر" الإذاعية "لكل مصادر الطاقة مزايا ومساوئ، فلنبحث فيها من دون رد فعل متسرّع".

وتجري "أو.دي.اف" محادثات مع دول أوروبية على غرار بولندا وجمهورية تشيكيا.

وتبحث بريطانيا حيث تجري أعمال بناء مفاعلين من هذا النوع في إمكان بناء مفاعلين إضافيين.

كذلك تجري "أو.دي.اف" محادثات مع الهند حول بناء منشأة ضخمة في جايتابور تضم ستة مفاعلات.

لكن الشركة الفرنسية تواجه منافسة من روسيا ومن الصين التي طوّرت مفاعلا خاصا بها.

ومن شأن الاشتباه بانعدام الشفافية في طريقة معالجة الصين للمشاكل في تايشان أن يقوّض الثقة بمفاعلاتها، وفق خبراء.

وقال مازوكي "إنها حقا أنباء سيئة للغاية للمفاعل النووي الصيني" الذي "يمكن أن ينتهي به الأمر بسمعة سيئة عالميا".

ونتيجة كتلك لن تزعج الولايات المتحدة الساعية للتصدي لتنامي التأثير الصيني عالميا، وفق مازوكي الذي شدد على أن ضرب النفوذ الصيني يصب في مصلحة واشنطن.

تطوير القطاع النووي الصيني
ومن شأن الأزمة في مفاعل تايشان أن تقوّض تطوير القطاع النووي في الصين.

فالصين التي تمتلك ثالث أكبر ترسانة من المفاعلات النووية، لا يزال قطاع الطاقة النووية فيها ضعيفا نسبيا.

وبعد كارثة فوكوشيما في اليابان في العام 2011، أصبحت السلطات الصينية أكثر تحوّطا في تطوير منشآت للطاقة النووية بسبب تزايد تشكيك الرأي العام في أمان تلك المنشآت.

وقال خبير الشؤون النووية في "مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي" مارك هيبز إن "ما يحصل في تايشان يجب أن يدفع بكين إلى توضيح الوقائع لشعبها، على الرغم من أن الصين وجّهت في الأسابيع الأخيرة انتقادات علنية لليابان على خلفية إدارتها ملف تنظيف المياه المبتذلة في فوكوشيما".

والأربعاء نفت الحكومة الصينية في بيان صحة معلومات وردت في تقرير شبكة "سي.ان.ان" تفيد بأنها رفعت الحد الأدنى من النشاط الإشعاعي المسموح به حول المنشأة.