التقرير الاستراتيجي الخطير الذي كتبته الباحثة شيريل بينارد التي تعمل في قسم الأمن القومي بمؤسسة راند الأمريكية, والذي صدر عام2003 بعنوان الاسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والموارد والاستراتيجيات, هو أحدث دراسة امريكية عن التيارات الاسلامية الحديثة والمعاصرة.
وتبدو أهميته القصوي في أنه ليس مجرد دراسة اكاديمية للتيارات الاسلامية تضاف الي عشرات الدراسات والكتب التي ألفت عن الاسلام والصحوة الاسلامية والأصولية الاسلامية والارهاب الاسلامي, الي غير ذلك من موضوعات متعددة. ولكن لكونه أشبه بتقرير استراتيجي يقدم توصيات عملية لصانع القرار الأمريكي, بغرض الاسهام في بلورة تيار الاسلام المدني الديمقراطي بشكل مباشر وغير مباشر معا. وذلك من خلال نقد التيارات الاسلامية الأصولية والتقليدية, ودعم وتشجيع التيارات الاسلامية العلمانية والحداثية.
وهذا التقرير الاستراتيجي المهم ينفرد بارتكازه في تصنيف التيارات الاسلامية المعاصرة علي منهجية مبتكرة, تقوم علي تجاوز نظم التصنيف التقليدية الجامدة, وتصوغ افقا مفتوحا تتوزع عليه التيارات الاسلامية المتعددة من أقصي اليمين الي أقصي اليسار ـ ان صح التعبير ـ بالاضافة الي ابراز موقف كل تيار ازاء عدد من الموضوعات والمشكلات المثارة حاليا في المجتمعات الاسلامية. وذلك بغرض التحديد الدقيق لرؤي العالم التي يتبناها أنصار كل تيار. ولا يقف هذا التقرير المهم عند حدود الفهم والتقييم لمختلف التيارات الاسلامية المعاصرة, ولكنه يتقدم بصورة مباشرة الي هدفه الحقيقي وهو كيف يمكن لصانع القرار الأمريكي والأوروبي ان يتدخل عمليا لتهميش التيارات الاسلامية المعادية للقيم الغربية والأمريكية خصوصا, والتدعيم المباشر للتيارات الاسلامية التي تندرج تحت مايطلق عليه الاسلام المدني الديمقراطي.
السوابق الأكاديمية الأمريكية
والواقع ان تركيز هذا التقرير الاستراتيجي الأمريكي الخطير علي مايطلق عليه الاسلام المدني الديمقراطي ليس جديدا في الدراسات الأكاديمية التي ركزت تركيزا شديدا علي دراسة الظاهرة الاسلامية من كل جوانبها في العقود الأخيرة. ولعل الأب الحقيقي للتيار الأكاديمي الأمريكي الذي حاول بعمق شديد ونادر تأصيل الليبرالية الاسلامية, هو عالم السياسة الأمريكي المعروف ليونارد بايندر في كتابه الليبرالية الاسلامية: نقد للايديلولوجيات التنموية الصادر عام1988 عن دار نشر مطبعة جامعة شيكاغو.
ومن الأهمية بمكان في سبيل ايضاح الفكرة الجوهرية التي يقوم عليها تيار اللليبرالية الاسلامية كما صاغ منطلقاته الباحثون في دراساتهم, ان نعتمد علي ماقرره بايندر نفسه في شرحه لخطة كتابه وهو يقول وأنا أقتبس المحور الأساسي للكتاب هو دراسة العلاقة بين الليبرالية الاسلامية والليبرالية السياسية. وهو يضع في اعتباره الرأي الذي مؤداه ان العلمانية تنخفض معدلات قبولها, ومن المستبعد ان تصلح كأساس ايديولوجي لليبرالية السياسية في الشرق الأوسط. ويتساءل الكتاب فيما اذا كان من الممكن بلورة ليبرالية اسلامية, ويخلص الكتاب الي أنه بغير تيار قوي لليبرالية الاسلامية فإن الليبرالية السياسية لن تنجح في الشرق الأوسط, بالرغم من ظهور دول برجوازية.
ونريد ان نقف بالتحليل قليلا أمام هذه النتيجة المهمة التي صاغها بايندر مبكرا حقا عام1988, لأنها هي الفكرة الجوهرية التي قام عليها في الواقع كتاب شيرلي بينارد عن الاسلام المدني الديمقراطي, بل ان هذه النتيجة المهمة هي التي قامت علي أساسها تحركات سياسية لقوي اسلامية محددة, وللولايات المتحدة الأمريكية.
بالنسبة للتحركات السياسية للقوي الاسلامية يمكن ان نتابع التطورات التي لحقت بفكر جماعة الاخوان المسلمين في العقود الأخيرة, حيث قبلوا الممارسة الديموقراطية, وقبلوا فكرة الأحزاب السياسية, بل ودخلوا معترك الانتخابات المصرية وكان لهم في برلمان1987 عشرات النواب. ومن ناحية اخري تقدم الناشط الاسلامي المعروف أبوالعلا ماضي بمشروع تكوين حزب الوسط الذي اعترضت علي قيامه جماعة الإخوان المسلمين والسلطة السياسية في مصر لأسباب مختلفة بالنسبة لكل طرف.
وهكذا يمكن القول ان الاهتمام المبكر لعالم السياسة الأمريكية ليونارد بايندر باللبيرالية الاسلامية منذ عام1988, قد فتح بابا للاجتهاد الأمريكي أدي من بعد ـ من خلال عملية تراكمية معرفية معقدة ـ الي ان يصدر عالم السياسة الأمريكي رايموند ويليام بيكر عام2003 كتابا لافتا للنظر عن الاسلاميين المستقلين في مصر, عنوانه اسلام بلا خوف: مصر والاسلاميون الجدد نشرته جامعة هارفارد وقد خصصه لدراسة أفكار اربعة من الكتاب الاسلاميين المعروفين وهم أحمد كمال أبوالمجد, وطارق البشري, وفهمي هويدي ومحمد سليم العوا
وقد صدر بيكر الكتاب في مقدمته بالاشارة البارزة الي الحوار الفكري الذي دار بيني وبين الدكتور أبوالمجد علي صفحات الأهرام حول الكتيب الذي حرره باسم مجموعة كبيرة من المثقفين الاسلاميين وعنوانه رؤية اسلامية معاصرة وكانت وجهة نظري في هذا الوقت ان هذه الرؤية لاتتضمن جديدا, وأن الأفكار الواردة فيها هي محض اعادة انتاج لبعض الأفكار المستقرة في الخطاب الليبرالي الغربي التقليدي, في الوقت الذي ركز فيه الدكتور أبوالمجد حول عناصر الجدة في هذه الرؤية, وخصوصا اذا ماقورنت بالاجتهادات المتشددة والفكر المنغلق للجماعات المتطرفة.
خطة التقرير الاستراتيجي الأمريكي
وكتاب شيرلي بينارد عن الاسلام المدني والديمقراطي والذي نفضل وصفه بأنه تقرير استراتيجي, لأن ذلك يعبر بدقة عن طبيعته ووظيفته في نفس الوقت, يتكون من تمهيد وثلاثة فصول وأربعة ملاحق وقائمة مراجع.
الفصل الأول عنوانه: رسم خريطة للموضوعات: مقدمة لآفاق الفكر في الاسلام المعاصر, ويناقش فيه الوضع الراهن من حيث المشكلات المشتركة والاجابات المختلفة, ويحدد مواقف التيارات الاسلامية ازاء عدد من الموضوعات الرئيسية مثل الديمقراطية وحقوق الانسان, وتعدد الزوجات, والعقوبات الجنائية والعدالة الاسلامية, وموضوع الأقليات, ولبس المرأة, والسماح للأزواج بضرب الزوجات
أما الفصل الثاني فهو يمثل صلب التقرير وعنوانه العثور علي شركاء من اجل تطوير وتنمية الاسلام الديموقراطي, وهو يتضمن تصنيف التيارات الاسلامية المعاصرة الي أربعة: العلمانيون والأصوليين والتقليديون والحداثيون, حيث يحدد السمات الرئيسية لكل تيار وموقفه من المشكلات المطروحة.
أما الفصل الثالث وعنوانه استراتيجية مقترحة, فهو يتضمن توصيات عملية موجهة لصانع القرار الأمريكي لاستبعاد التيارات الاسلامية المعادية وتدعيم التيارات الاسلامية, وخصوصا مايطلق عليه التقرير التيارات العلمانية والحداثية, ولأنها أقرب ماتكون الي قبول القيم الأمريكية وخاصة القيم الديموقراطية.
وهكذا يفهم من هذه الاشارة الموجزة ان شيرلي بينارد استطاعت بمقدرة واضحة طرح مشكلة الاسلام الليبرالي باعتباره المدخل الرئيسي لتطوير ممارسة الديموقراطية في البلاد العربية, من خلال تدعيم التيارات العلمانية والحداثية لافساح المجال امام أنصارها لاقتسام السلطة والدخول بقوة في حلبة المشاركة السياسية, من خلال الضغط المباشرة وغير المباشر علي الأنظمة السياسية العربية. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف قدمت تصنيفا للتيارات الاسلامية يتضمن تحديد طبيعة كل تيار, وهو تصنيف ـ وان كان فيه بعض التداخل ـ إلا انه يتسم برهافة التحليل المعرفي, والذي يكشف عن إلمام دقيق بالمشهد الفكري الاسلامي المعاصر. وفي النهاية قدمت لصانع القرار توصيات عملية في نظرها, لاصطناع شركاء من الاسلاميين في سبيل تنفيذ المشروع.
وشيرلي بينارد في وضعها للمشكلة لاتخفي ان للغرب مصلحة مؤكدة في تطوير اسلام ليبرالي يشارك بايجابية في الممارسة السياسية العربية. وهي تقرر ان الغرب يراقب بدقة الصراعات الأيديولوجية العنيفة داخل الفكر الاسلامي المعاصر وتقول بالنص من الواضح ان الولايات المتحدة والعالم الصناعي الحديث والمجتمع الدولي ككل يفضل عالما اسلاميا يتفق في توجهاته مع النظام العالمي, بأن يكون ديموقراطيا, وفاعلا اقتصاديا, ومستقرا سياسيا, تقدميا اجتماعيا ويراعي ويطبق قواعد السلوك الدولي, وهم ايضا يسعون الي تلافي صراع الحضارات بكل تنويعاته الممكنة, والتحرر من عوامل عدم الاستقرار الداخلية التي تدور في جنبات المجتمعات الغربية ذاتها بين الأقليات الاسلامية والسكان الأصليين في الغرب, وذلك تلافيا لتزايد نمو التيارات المتشددة عبر العالم الاسلامي, وما تؤدي اليه من عدم استقرار وأفعال ارهابية
وهكذا أفصحت الباحثة الأمريكية بكل صراحة عن المصلحة المؤكدة للولايات المتحدة وللدول الغربية عموما في دعم وتنمية تيار الاسلام الليبرالي. فلنر كيف صنفت التيارات الاسلامية من ناحية, وماهي الاستراتيجية المقدمة لتجنيد شركاء اسلاميين معتدلين لتنفيذ المخطط الأمريكي.
*الأهرام المصرية















التعليقات