150 دولة توافق على قرار محكمة العدل الذي يطالب إسرائيل بهدم الجدار وتعويض الفلسطينيين المتضررين منه. ولكن هناك 6 دول تعارض، هي إسرائيل، طبعاً، والولايات المتحدة وأستراليا، ولكن أيضاً ميكرونيزيا وجزر مارشال وبالاو (إلى الخرائط! وإلى إعمال العقل لفهم الأسباب الجيو استراتيجية لمواقف الدول الثلاث الأخيرة!).
الهدم والتعويض هما ما فاجأت بهما محكمة العدل إسرائيل وحماتها. ولكن المفاجأة الأخرى جاءت من الجمعية العامة إذ ان عدد الدول الموافقة على رأي المحكمة فاق كثيراً عدد الدول التي وافقت، قبل أشهر، على إرسال القضية إليها. ولقد أمكن الوصول إلى هذا الانتصار الفلسطيني والعربي المؤكد عبر تسويات ومساومات كان الاتحاد الأوروبي طرفها الآخر ورغبة دوله في توليد الإجماع في ما بينها غالبة.
من نافل القول الإشارة إلى أن تل أبيب وواشنطن رفضتا نتيجة الاقتراع. ومن الواضح أن أرييل شارون سيمضي في البناء مستنداً إلى الحماية السياسية الأميركية خاصة إذا انتقل الموضوع إلى مجلس الأمن.
نحن، إذاً، أمام رأي قضائي من أعلى هيئة دولية، وأمام نصاب سياسي كاسح. ولكننا، أيضاً، أمام دولة ترفض الامتثال وأخرى تدعمها في ذلك علماً بأن الدولتين المشار إليهما هما الأكثر اتهاماً لآخرين بlt;lt;المروقgt;gt;.
إن lt;lt;العدل أساس الملكgt;gt;. ومن الصعب جداً أن يتصور المرء، نظرياً، قيام دولة حديثة من دون قضاء نزيه ومستقل يصدر أحكاماً ويملك القدرة على تطبيقها. ويقال، في هذا المجال، إن هذه من خاصيات الدولة الوطنية ومن علامات سيادتها.
غير أننا شهدنا، في السنوات الأخيرة، محاولات لكسر هذه القاعدة. فلقد أعلنت الولايات المتحدة، من طرف واحد، أن محاكمها التي تلي الأحكام وفق قوانينها ذات ولاية دولية.
وهكذا أعطت واشنطن لنفسها الحق في تعقب من أساء إليها. وتعمّدت، فوق ذلك، استثناء رعاياها من إمكان أن تتعرض إليهم محكمة الجزاء الدولية في حين أنها أشرفت على إقامة محاكم خاصة بيوغوسلافيا ورواندا وسيراليون. ولا شك في أن الولايات المتحدة تعتبر قدرتها على جمع هذه التناقضات من علامات كونها القوة الكونية الأعظم. فما معنى هذا الموقع إن لم يكن صاحبه فوق القانون وإن لم يكن في وسعه أن يسمح لحلفاء مختارين بأن يستظلوا هذه المظلة؟
ولما حاولت بلجيكا أن تجعل لقوانينها ولاية عالمية جرى التسامح، لفترة، مع هذه lt;lt;المزحةgt;gt; إلى أن كاد أرييل شارون يدخل قفص الاتهام. توقفت حدود الولاية هنا وأرغمت بروكسيل على تغيير القوانين.
تدل هذه المؤشرات على وجود اتجاه محدد لحل معضلة من معضلات التفاوت بين العولمة، والتداخل، والاعتماد المتبادل، وتراجع الحدود الوطنية من جهة وبين انعدام وجود المؤسسات الدولية الموازية. إذا كان العالم يتوحّد فعلاً فالحري به إيجاد الهيئات الناظمة لذلك وهي هيئات تجعل صعباً على إسرائيل أن ترفض، باسم السيادة، قراراً قضائياً دولياً. لقد كان وجود محكمة شرطاً من شروط قيام منظمة التجارة الدولية. فمن يُرِد المضي إلى النهاية في فتح الأسواق على بعضها لا يسعه إلا ابتداع الهيئة التي تبت في خلافات محتملة.
والمعروف أن محكمة التجارة الدولية أصدرت أحكاماً ضد الولايات المتحدة وأن واشنطن امتثلت لها.
لقد حصل ما حصل في هذا المجال التجاري لأن ثمة توازناً دولياً بين تكتلات اقتصادية كبرى. ولذا فإن ما ترتضيه أميركا هنا ترفضه حيث تعتبر أن التوازن لصالحها. لذلك، مثلاً، تمنح نفسها حق الضربة الاستباقية، واختراق السيادات، وتجاوز مجلس الأمن،
وتسخيف وكالة الطاقة الذرية ولجان التفتيش... وها هي اليوم ترد المحكمة الدولية والجمعية العامة على أعقابهما.
يعني ذلك أن قائدة العولمة تريد عالماً تحكمه ضوابط حيث التوازن يتيح ذلك، أو يرغمها عليه. وتريد، بموازاة ذلك عالماً
على شكل غابة يحكمها الأقوى وحلفاؤه الأقربون. إنها رسالة مخيفة فعلاً من الدولة الأولى.
تفعل واشنطن ذلك في وقت تعلن الحرب على الإرهاب. ويتوجب القول إن ما من شيء يشجع على الإرهاب أكثر من احتقار الرأي الذي أصدرته المحكمة ووافق عليه العالم. لقد أقيمت المحاكم، بالأصل، من أجل lt;lt;ألا يأخذ الأفراد حقهم بأيديهمgt;gt;. وعندما تصبح
الطريق القانونية مسدودة، وهذا انتكاس بشري هائل، لا يعود ممكناً، أخلاقياً، الاعتراض على سلوك سبل أخرى. وتزداد هذه الصعوبة عندما تتصرف المحكمة العليا الإسرائيلية وكأنها الجناح المتنوّر في هيئة أركان جيش الاحتلال!
تصويت الجمعية العامة مهم جداً... وهو، بالمناسبة lt;lt;متوازنgt;gt; جداً. لقد كان الطعن في lt;lt;عدم توازنgt;gt; القرار سلاحاً أميركياً وإسرائيلياً. إلا أن النص يشير إلى حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وفق قواعد الشرعية الدولية، كما أنه يحض سلطة الحكم الذاتي على مكافحة الإرهاب. غير أن هذا التوازن هو ما يحرج ربما. كذلك لا صحة للزعم بأنه يعرقل جهود
السلام في المنطقة. فهذه الجهود معطلة تماماً، كما أن ما نشهده منها ليس السلام هدفه. إن ما يعرقله التصويت هو الحل الشاروني القائم على إطلاق قنابل دخانية في غزة من أجل تثبيت وقائع الفصل والضم في الضفة.
جاء التصويت ليشكّل عامل ضغط على الفلسطينيين لاستيعاب آثار الأزمة الغزاوية ولإنهاء محاولة استيطان الحل الإسرائيلي القائم على استخدام الانفكاك الوهمي (حتى الآن) عن القطاع من أجل قضم الضفة وإخضاعها.
إن تطويق الأزمة السياسية والأمنية الفلسطينية لا يعني سوى منع الوضع من التدهور والإبقاء عليه في حدود الأزمة التي كان يعيشها أصلاً. ومن الواضح أن هذا لا يكفي.
إن المفترض تطوير المعركة بالاتجاه الذي يؤشر إليه رأي المحكمة وقرار الجمعية العامة.
سيأتي يوم يُقال فيه: قل لي ماذا كنت تفعل وقت بناء الجدار أقل لك من أنت!
- آخر تحديث :














التعليقات