لم يكن كافياً أن يوجه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الأنظار نحو اسرائيل، الخطر الخارجي، حينما خاطب المتظاهرين المؤيدين له، في اطار الصراع الداخلي القائم في غزة، والتوتر الذي امتدّ في سياقه الى الضفة الغربية.
ومع ان المرء يفهم ان يقول عرفات للمتظاهرين في ان الاعتداءات الاسرائيلية على شعبنا عبثاً تنجح، وأن يشدد نبيل عمرو النائب الفلسطيني الجريح من اعتداء عليه لمواقفه المطالبة بالاصلاح، على "أن علينا ان نواصل جهودنا في الاتجاه الصحيح لحماية الشعب الفلسطيني ولرؤية دولة فلسطينية مستقلة"، فإن المشهد الفلسطيني الداخلي يحتاج الى تعديل لأنه يناقض المشهد الاقليمي - الدولي غير المريح لاسرائيل. ان الأزمة الفلسطينية الداخلية تخفف عن اسرائيل أعباء تتراكم عليها منذ أسابيع، بدءاً بقرار محكمة العدل الدولية حول جدار الفصل العنصري، مروراً بأزمة تل أبيب مع فرنسا (والاتحاد الأوروبي) حول دعوة اليهود الفرنسيين الى الهجرة، وبقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة تبني قرار محكمة العدل، انتهاء بالأوضاع الاسرائيلية الداخلية المحمومة هي الأخرى بفعل محاولة آرييل شارون تأمين ائتلاف جديد مع حزب "العمل" بعد انفكاك ائتلافه السابق مع الأكثر تطرفاً منه ومع حزب "شينوي".

وربما يكون عرفات اتقن، كما في كل مرة، مواجهة خصومه الداخليين ونجح في الامساك بخيوط اللعبة الداخلية، فترك المعترضين على تعييناته في الاجهزة الأمنية يتظاهرون ويحتجون، بل شجعهم على ذلك، ثم أوحى، بأنه "انصاع" لاحتجاجاتهم ثم تلقى الدعم والتأييد من الأوساط نفسها التي تظاهرت ضد قراراته. وهو أطلق رسائل عدة بطريقته في ادارة الأمور: عيّن أناساً قد يرتاح الأميركيون والاسرائيليون الى تعيينهم، ولوّح بتعيين أمثالهم، ثم عاد فتخلى عنهم تحت ضغط تنظيم "فتح" العسكري و"الجماهير"، وحينما قام بالتعيينات سعى الى إقناع جمهوره بأنه يستبدل بعض الفاسدين الذين تحتج كادرات "فتح" وعامة الناس على تغطيته فسادهم...
في اختصار برهن عرفات انه يبقى الأقوى (خلافاً للصورة الظاهرة)، في استعراض يؤكد بقاء المبادرة في يده، قبل حصول ما يسمى الانسحاب الاسرائيلي المزعوم من قطاع غزة.

وطالما استطاع أن يبرهن ذلك، فما الذي يمنع ان يوزع بعضاً من صلاحياته، لرئاسة الوزراء وللحكومة ولأجهزة الرقابة القضائية و"ينصاع" للمجلس التشريعي لإعطاء مؤسسات السلطة بعض الصدقية في مواجهة الضغوط الخارجية التي يتعرض لها الفلسطينيون؟ وطالما بلغت الرسالة الجميع، فإن تمسك عرفات بمركزة السلطة بكل مظاهرها في يده يبدو تفريطاً بالرمزية الوطنية التي يجسدها أمام الشعب الفلسطيني. وهي الرمزية التي يسلم له بها منتقدوه ومعارضوه ومطالبوه بمزيد من الديموقراطية والتحديث في مؤسسات السلطة. وهو التسليم الذي يجعل المطالب الفلسطينية في أي تسوية للوضع النهائي مع اسرائيل، في شأن القدس والحدود والمستوطنات واللاجئين... وغيرها موضع إجماع. إلا ان استعراض القوة والاحتجاجات على الوضع الداخلي الفلسطيني تخللتها نقطة سوداء، هي محاولة اغتيال النائب عمرو. وكائناً من كان منفذها، فإنها دليل ضعف، فضلاً عن انها تستعيد أساليب بالية.

يميل معظم التوقعات الى ان الأزمة الداخلية الفلسطينية ستتجه نحو المعالجة. لكن الفرصة التي سنحت داخلياً، اذا تمت مزاوجتها مع الفرصة الدولية التي برزت بقرار محكمة لاهاي والخلاف الأوروبي - الاسرائيلي، قد تدفع الوضع الفلسطيني الى شيء من التقاط الأنفاس، اذا أُحسن الافادة منها. وإذا كان الاستعراض الأخير كرس قوة أبي عمار، فإن استباق الحملة الاسرائيلية على الموقف الأوروبي من أجل تعديله، لا يكون الا ببيع الاستجابة للاصلاحات، لدول الغرب قاطبة، من دون اغفال ان تحقيقها يهدف اساساً وقبل أي شيء الى تحسين ادارة المواجهة المستمرة والمتواصلة مع الاسرائيليين، التي سعى كل من عرفات وعمرو الى توجيه الأنظار اليها... في هذا الخضم الداخلي. ان حصر عرفات ومؤيديه همهم بإثبات ألا إمكان لاضعاف الرئيس الفلسطيني في السلطة وبالتالي ألا بدائل عنه، يجب ألا يعميهم عن حقيقة أخرى هي ان اسرائيل نجحت في اضعاف الشعب الفلسطيني وقضيته منذ أسقطت اتفاق أوسلو، على الساحة الدولية، وان لا بد من استدراك ذلك بوسائل وأساليب داخلية وخارجية مختلفة عن السابق لا تعني اطلاقاً التنازل عن المسلمات.

*الحياة اللندنية