قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

السابعة صباحا وعلي بابي طرق ملح قل ياقاعدين‏..‏ ولكن من الذي يطرق بابي بهذا الإلحاح‏..‏ إلا أن يكون له دالة عندي أو صديق عزيز أوخصم قويأغسل وجهي متعجلا وانا اصيح بالعربية‏:‏ نعم نعم‏.‏ حاضر حوافتح الباب‏(!)
أمامي هانز هيرمان المخرج الألماني الذي فارقته منذ ساعات بعد حفلة اكاديمية الفنون‏,‏ وقد شكرته علي ثنائه وانتهي الأمر‏حول هيرمان أميرة التبريزي التي مثلت معه أيضا مشهد حداية زعيم اللصوص وابنته في مشاهد من مسرحيتي سليمان الحلبي‏,‏ وخلفهما الممثل الذي قام بدور التبريزي في مشاهد من مسرحية الف ليلة‏,‏ ومن خلفه قفة‏..‏ وحولهم ستة كلاب سوداء تزمجر من نوع السلوقي‏,‏ ويشهجهي عدة نسخ من الصحف‏..قال هيرمان‏:‏ قرأت صحف الصباح
قلت‏:‏ انتم لاتنامونقال‏:‏ لم ننم بعد‏..‏ واتفقنا علي أن نزورك ونقرأ لك صحيفة دير شبيجليامغيث قلت بالعربية ثم حذرتهم‏:‏ ادخلوا بدون الكلابضحكوا مني وقال هيرمان‏:
هذه كلاب مدربة ومهذبة ولن تزعجنا بشيء‏..‏ سلوقية‏!)‏ كأني اعرف في فصائل الكلابعد ثوان كنا في الصالون كل من الزوار علي مقعد‏.
والكلاب علي المقاعد التي جذبها الشباب من الصالون الصغير‏,‏ مقعية وقد مدت سيقانها الامامية وقعدت علي سيقانها الخلفية‏,‏ وكل من تكلم من البشر حولها ادارت رؤوسها نحوه كأنها تتابع الحواراقرأ له بالانجليزية المقال صاح هيرمان بالتبريزي الذي يبدو انه أعرفهم بالانجليزية‏..
قاطعته بدوري‏:‏ هيرمان‏..‏ انت تتكلم الانجليزية‏(!)..‏ وكان هيرمان بالأمس قد أنكر معرفته الانجليزية‏,‏ وحين شكرته نظر الي كمن لايفهم قولي ولم يبتسم الا بعد أن ترجم له الممثل الذي قام بدور التبريزي ما قلته الي الالمانية‏(!)‏ ولكن بالأمس‏..‏ بعدين بعدين
وفتح كل منهم الصحيفة التي بيده علي صفحة المقال‏,‏ وقرأ الممثل‏:‏ ليلة مسرحية في الشرق‏..‏ عنوان في اكاديمية الفنون أمس شاركت بالحضور في سهرة مسرحية هي أمتع من كل سهرات الافتتاح التي حضرتها في برلين هذا الموسم
قاطعه هيرمان‏:‏ جئناك بثلاث نسخ من الصحيفة لتعطي البروفيسور واحدة والدكتور ناجي الثانية وتحتفظ بالثالثة لكوبعد مزيد الثناء علي المؤلف سألت‏:‏ من كاتب المقالقالوا‏:‏ ألم تلاحظ وجود سيدة عجوز في الصف الأول‏,‏ وحدها‏..‏ ولم يكلمها أحد‏..‏ هذه ذات القلم القاسي كما يسميها الفنانون في برلين‏..‏ لايعجبه
سبحان الله‏..‏ قلتها بالعربية حتي لايفهموا ما اقول‏,‏ وناجيت نفسي‏:‏ وربما هي ترسل رسالة سب إلي الفنانين في برلين‏,‏ ولم تجد أنسب من نقدهم نقدا سلبيا أو ذم كتفي‏(!)..‏ ولكن يا ولد‏..‏ اقول لنفسي‏:‏ لم لا تأخذ الأمور بظاهرها وتسعد بالثناء وانت في غربة مريرة مقطوع الصلة بمسرحك الأصلي أو موطنك الأصلي بالازبثم قلت‏:‏ هل نستطيع أن نشكرها تليفونيا
قال هيرمان‏:‏ إياك‏..‏ فالشكر في هذه الحالة مجاملة غير مستحبة‏,‏ وتوحي بأنها لم تكتب ما كتبت إلا مجاملة لك‏..‏ لا يحب الناقد هنا من الفنان لا شكر ولا سب‏..‏ البس حتي نخرج للنزهة‏(!)‏ ومع اني نمت بضع ساعات وهم لم يناموا فقد كانوا أنشط مني‏,‏ فتهم‏.أخذنا ثلاث سيارات الي غابة جرونولد‏,‏ ولم أكن زرتها من قبل‏,‏ فراعني سموق اشجارها وزوارها من كل الأعمار‏,‏ وروعة الطبيعة‏..‏ بل قل صحة الطبيعة فيها‏,‏ فقارنت بين صحة الطبيعة وصحة البشر في ألمانيا‏,‏ وعجبت من خاطر يهتف بي أن الصحة ومستوي المعي وقلت لنفسي إن الصحة أيضا تكتسب في المدرسة‏..‏ ومن الأسف أن مدارسنا اخذت تفقد ملاعبها ثم أحواشها ثم وجبات الطعام فيها مع تزايد السكان والتلاميذ دون أن ندرك حقيقة السبب في تدهور مستوي الرياضة في المباريات العالمية
في الغابة وقف هيرمان مثل جنرال ألماني يمسك بمقاود كلابه الخمسة السلوقية‏,‏ وقال لي بصوت جهوري‏:‏ هيرن فرج سأطلق الكلاب وأنا أقول لك انطلق فنجري معا نحاول سبق الكلاب‏..‏ ماشي؟‏.‏ قلت‏:‏ نعم وقد أمدني ثناء الناقدة بالرغبة فيصاح هيرمان‏:‏ انطلق وأخلي سبيل الكلاب الصغير‏,(!)‏ فانطلقت‏,‏ وأنا وهيرمان وراءها حتي توقفت بعد عشرات الخطوات وأنا أضحك من نفسي‏,‏ ووجدت الكلاب كادت تختفي عن ناظري من سرعتها‏,‏ وفنانو المسرح الحر يضحكون معي ويضحكون مني‏,‏ وهيرمان توقف معي ويقهقول لي‏:‏ ألا تعرف كم تبلغ سرعة الكلاب السلوقية؟
تذكرت وأنا القادم من لندن أن بها كل اسبوع سباقات للكلاب ومراهنات‏..‏ وسألته‏:‏ كم تبلغ سرعتها؟ قال لي‏:‏ ربما ستين كيلو مترا في الساعة‏.‏ قلت‏:‏ مثل القطار أوقال‏:‏ ولابد أن أتيح لها هذا التدريب كل يوم وألا يتعكر مزاجها
جلسنا في المقهي حول مائدة تحيط بنا الأشجار‏,‏ وللنسيم في الغابة رائحة خاصة وقدرة علي الإنعاش وإثارة الإحساس بالعافية‏وقال هيرمان‏:دور حداية الأعرج زعيم عصابة اللصوص في مسرحيتك سليمان الحلبي‏..‏ دور يتمني تمثيله كل ممثل‏,‏ وقد حرصت علي تمثيله بنفسي لأني أحببقلت له‏:‏ ربما كانت مسرحية التبريزي أنسب في ألمانيا‏
قال‏:‏ لماذا تظن ذلكقلت‏:‏ لأن جمهورنا أقدر علي فهم مأساة الاحتلال والاستعمار‏..‏ فقد كنا إلي وقت قريب نعاني منهما ونعيش مأساة الجيوش الأجنبية في بلادنا‏..‏ بمصر والجزائر وافريقيا وغي
قال‏:‏ وهل تظن أن الألمان لا يشعرون بمأساة احتلال بلادهم بجيوش روسية وأمريكية وفرنسية وانجليزية؟‏!..‏ الم تر ارتال الدبابات الأمريكية من ناحيتنا‏,‏ والروسية وراء الحائط تجوب الشواروأنا من رواد المقاهي وأحب أن أمضي جانبا من الصباح في المقاهي وموائدها الخارجية‏,‏ وقد رأيت ارتال الدبابات مرة كل أسبوع أو نحو ذلك تنتقل من ناحية إلي أخري‏..‏ في برلين الشرقية وفي برلين الغربية‏,‏ ولاحظت ـ نعم ـ أن رواد المقهي يستديرون أثناء مرور الدبتكون ظهورهم في اتجاه الشارع‏,‏ وهم يتسامرون كالمعتاد كان ضجيج الدبابات في الطريق لا يعنيهم ولا يسمعونه‏(!
إذن لو كانت سليمان الحلبي قد تمت ترجمتها هل تعرضها في المسرح الحر؟‏..كان علي أن أحفز الدكتور ناجي نجيب لإتمام ترجمتها‏,‏ فقد كان يحبها وأختار بعض مشاهدها للعرض في سهرة الأكاديمية‏,‏ ولكنه لم يتم الترج
قال لي هيرمان‏:‏ سنتغدي معا عند البحيرة‏.‏ أمر عليك ظهربرلين المطوقة كانت تتمتع بالغابة والبحيرة وجمال الطبيعة‏,‏ وقد أدركت بعد وقت أنها مدينة أنشئت في أحضان الطبيعة وهذا بعض جمالها‏..‏ والبعض الآخر هو ما يملأ سهراتها بالفن والراي .