قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أصبحت قضية دارفور "حرب جنوب" ثانية في السودان، قبل أن يعلن رسمياً ونهائياً انتهاء حرب الجنوب الأولى. ولعل هناك حرباً ثالثة في صدد التبلور في مناطق الشرق القريبة من الحدود الاريترية. دارفور أزمة مزمنة ولا يبدو تفجّرها الأخير بعيداً عن وشوك التوقيع الأخير على اتفاقات حكومة الخرطوم مع حركة جون قرنق. فالاقتسام الذي توصل اليه الطرفان انعكس على الصيغة السودانية وبدأ يحرك جماعات أخرى تنتمي جغرافياً الى الشمال وتجد في التقاسم الحاصل ما يمس بمصالحها اقتصادياً وسياسياً.

لماذا تركت الخرطوم الوضع في دارفور يتفاقم ليبلغ حد الإفلات من يدها؟ هناك سر قد يبدده ان الأمر لا يعدو كونه مجرد قصر نظر، أو حتى مجرد الاعتقاد بأن المجازر كفيلة بحل كل إشكال. بدأ الانهيار في ذلك الاقليم منذ ما يقرب من العامين، ومن الواضح ان الخرطوم لم تر فيه سوى انزلاق أمني لا يعالج إلا بالعقل الأمني ووسائل الشدة والقهر. بل ان وقتاً طويلاً أضيع في الاعتقاد بأن التوتر في دارفور ناجم عن حزازات سياسية داخلية لا أكثر ولا أقل. واختارت الحكومة ان تركز كل جهدها على المفاوضات مع الجنوبيين، خصوصاً ان الضغط الأميركي كان قوياً وصارماً. والآن، بعدما صارت عناصر الاتفاق مع قرنق مثبتة على الورق، قد يضطر الطرفان لإعادة النظر فيها تحديداً بسبب قضية دارفور.

مع تعاظم الجانب الانساني من المواجهة، وشيوع المجازر الجماعية وإحراق القرى والبلدات والبيوت والحقول والأرزاق، كان من الطبيعي أن يبرز تدخل دولي ما. الخرطوم ترفض لكنها للأسف لم تتمكن من أن تضبط الوضع بالسرعة التي أوحت بها. وحتى بعد الوعود التي قطعتها للموفدين الدوليين، ولا سيما للأمين العام للأمم المتحدة ووزير الخارجية الأميركي ومندوبي الاتحاد الأوروبي والكونغرس الأميركي، لم يتوقف ارتكاب الفظائع من قتل وتهجير وتخريب. وظل الوضع على الأرض مختلفاً تماماً عن الصورة التي تقدمها وزارة الإعلام السودانية، والتي تتحدث عن ميليشيات "الجنجويد" و"تورا بورا" و"الباشمرقة" كأنها قوى أمر واقع أو دولة منفصلة داخل الدولة، مع أن هذه الميليشيات ـ خصوصاً "الجنجويد" ـ وجدت برعاية عسكرية خرطومية معروفة ولا يمكن نفيها أو انكارها.

على رغم كل شيء يفترض الاعتماد على الحكومة السودانية لتسوية الوضع. وهي ترغب في التفاوض مع جماعتي التمرد في دارفور، لكن يبدو التفاوض مؤجلاً. اذ يريد زعماء "حركة العدالة والمساواة" و"حركة تحرير السودان" رؤية تغيير ملموس على الارض قبل الشروع في اي تفاوض. والأهم انهم باتوا يفضلون الآن تدخلاً عسكرياً خارجياً، ويشجعهم على ذلك اعلان بريطانيا واستراليا ودول اخرى عزمها على ارسال بضعة آلاف من الجنود.

هذه اشارات لا بد ان تجعل التفاوض خياراً اخيراً وليس اولاً للمتمردين الفوريين. من الواضح ان مبادرة الاتحاد الافريقي ليست مقبولة، اذ لم تعطها الدول الغربية اي دعم او زخم. بل الاوضح، نظراً الى التأهبات الاميركية ـ البريطانية، ان مسألة دارفور باتت باباً شبه مفتوح لتدخل خارجي مرغوب فيه لا من اجل الفوريين وأمنهم وسلامتهم وانما لأغراض اخرى تتعلق بما يراد ان يكون عليه السودان مستقبلاً، وإلا فما (ومَنْ) الذي يمنع المتمردين من الدخول في مفاوضات؟ لا بد انهم ينتظرون نتائج الحملة الدولية الراهنة للتصرف في ضوئها.

اذا كان التدخل الخارجي محسوماً (كما كان قرار الحرب على العراق، وبالذهنية نفسها، مع شيء من الاستفادة من الدروس العراقية) فهذا لن يشجع الخرطوم على انهاء خدمات الميليشيات. بل انها ستضطر للاعتماد عليها للتعامل مع وجود اجنبي ترفضه... من شأن الذين رفعوا الصوت لانقاذ ابناء دارفور من المجازر والتنكيل ان لا يستسهلوا فرض العقوبات على السودان او التسرع في ارسال قوات، لأنهم سيكشفون عندئذ ان صرخاتهم كانت مبرمجة في مشروع اكثر دموية وتخريباً. اما الخرطوم فمدعوة لأن تبرهن انها معنية بمواطنيها في دارفور اكثر من اولئك المستعدين للتدخل.

*الحياة اللندنية