لم أعد أتابع بدقة ما يجري فوق الساحة الفلسطينية.. أكتفي بسماع النشرات الإخبارية السريعة في الفضائيات، وقراءة عناوين الصحف عما يحدث من جرائم صهيونية، لم تعد أعصابي تحتملها ولا تحتمل ما يجري، في فلسطين العرب الأخرى.. العراق.
فكلا الشعبين الفلسطيني والعراقي يعاني احتلالاً أجنبياً من الخارج، وسوء إدارة وحكم في الداخل..
وإذا كان الأمل يكاد ينفرج بين حين وآخر على الساحة العراقية، عبر هذه الوضعية السياسية أو تلك.. فإنه مسدود الأفق على الساحة الفلسطينية تماماً، حيث يعاني الفلسطينيون اضطهاداً صهيونياً منظماً بشكل يومي.. وبطبيعة الحال فإن أوضاعهم الاجتماعية تمر بحالة متقدمة في صعوبتها.. إذ لاتفهم كيف يعيش بشر، وهم تحت هذا الضغط الهائل من احتلال عسكري، يذيقهم كل أصناف القتل والدمار والحصار كل يوم.
وإذا كانت هذه المعاناة غدت نمطية في حياة الشعب الفلسطيني، بوصف أن مصدرها عدو استعماري محتل.. إلا انه من غير المفهوم منطقياً أن يتعاورعليه ضغط آخر أشد مضاضة من وقع الحسام المهند، وهو يأتي من ذوي القربى من فلسطينيين لا ميزة لهم سوى أنهم وصلوا إلى مواقع المسؤولية والنفوذ!!
إن ما يسمعه المرء من أنباء فساد إداري واقتصادي زكمت الأنوف.. تجعله يتساءل: هل يستحق صمود الشعب الفلسطيني وتضحياته هذا المستوى الهائل من فساد السلطة؟!
هذا السؤال يحيل إلى تجارب أمم أخرى وقعت تحت طائلة الاستعمار والقمع.. مثل الشعب الفيتنامي وشعب جنوب أفريقيا وغيرها.. فما سمعنا عن رموز ثورتها ما نراه في سلوك بعض قادة الثورة الفلسطينية!!
فهذا تقوده مغامراته النسائية إلى الزواج سراً من ملكات جمال.. بينما هو يقوم بأصعب مهمة أمنية استخباراتية لحماية كوادر الثورة، وسد الثغرات في جسمها خوفاً من الاختراق الصهيوني!!
وآخر يتاجر في السجاد العجمي.. وثالث يستثمر المساعدات العربية الجزلة وقتها في شراء المزارع والعمارات!! بينما من يقف على الهرم يوزع المنح والمكافآت والمناصب على الأتباع والمريدين والمصفقين!!
هذه وغيرها من صور الفساد السياسي، يبدو أنها هي التي شجعت بعض ضعاف النفوس في أوساط الشعب الفلسطيني، على الاستجابة للقيام بمهام استخباراتية صهيونية، أودت بحياة رموز المقاومة الفلسطينية حيث كشفت أحداث اغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبدالعزيز الرنتيسي، عن وجود عملاء فلسطينيين لإسرائيل في أوساطه!!
في هذا الجو الملبد بمدلهمات الفساد، هناك من يشير إلى أن عملية اعتقال المناضل مروان البرغوثي اثناء اجتياح رام الله، وارتكاب مذبحة جنين الرهيبة ،تمّا بتغاضي سلطة الحكم الذاتي عن هاتين العمليتين، حتى يخرج شارون بورقة نصر أمام مؤيديه بتصفية رموز الإدارة الفلسطينية.. إذا صرفت إسرائيل النظر عن تصفية الرئيس الفلسطيني المحاصر في مقره المهدم!!
هذه الأوراق ينبغي أن تكشف اليوم أمام الشعب الفلسطيني، حتى يتمكن من تعديل مساره النضالي المتعثر.. إذا ما تم ذلك فإن جهود هذا الشعب في التضحية والفداء والصبر لن تكون مهدرة كما هي الآن.. بل ستتراكم بفعلها الثوري إلى ما يحقق هدفها لنيل حقوقه المشروعة والعادلة، خاصة وان قضيته أصبحت ملء السمع والبصر، ومحل التعاطف والمؤازرة في كل مكان من العالم، المستفز بأفعال دولة الإرهاب ضد شعب أصبح يئن من ظلم إدارته، فوق ما يعانيه من ظلم الغاصب المحتل.