قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الأربعاء:11. 01. 2006

شيء ما
د. حسن مدن


في الفترة بين القرنين الثامن والتاسع الميلاديين كتب الجاحظ في ldquo;البيان والتبيينrdquo; مفرقاً بين الأمم المتحضرة التي هي برأيه: العرب والفرس والهنود والروم ldquo;بيزنطةrdquo; وبين الهمج، كما كان يطلق عليهم بعده أتى كاتب أندلسي ففرق بين الأمم النابهة والأمم الخاملة، فوضع اليونان والرومان والهنود والفرس والكلدانيين وأهل مصر والعرب بين الأمم النابهة، ووضع سكان الأقاليم الشمالية موضع الجهل والعصيان والعدوان والظلم.

هذا التقسيم الذي أورده بدري يونس في مؤلفه ldquo;مزالق العولمة الحديثةrdquo; انعكس اليوم. بات النابهون خاملين والخاملون نابهين، إذا ما أخذنا من ترتيب القوى الدولية المعاصرة معياراً. ولكن في هذا التقسيم المتحول عبرة لمن يريد أن يعتبر، ذلك بأنه ما من ثوابت في هذه الحياة، فالأمم، حتى لو تعثرت، قادرة على النهوض من جديد ان توافرت لديها إرادة النهوض، لكن من الملائم التأمل في الطريقة التي تعاملت بها الحضارات النابهة أيام الجاحظ إزاء من هم دونها ldquo;نباهةrdquo; إذا ما استعرنا تعبيره، وبين الطريقة التي يتعامل بها الغرب ldquo;النابهrdquo; اليوم مع الشرق الخامل، لا بل مع تلك البلدان التي جرى تصنيفها ضمن ما كان يعرف ب ldquo;العالم الثالثrdquo;، مع أن العالم كف ومنذ أكثر من عقدين عن أن يكون ثلاثة عوالم. إنه عالم يتكون من مركز يتمتع بفيض الثراء ومن قارات واسعة تضج بالبشر وبالفقر وبالمشكلات، والغرب المزهو بنفسه اليوم ينسى أنه في النهاية نتاج لحضارة الإنسانية في شرقها وغربها، في شمالها وجنوبها، ليست أوروبا وحدها من صنع حضارة اليوم، ولا الولايات المتحدة. كان الباكستاني عبدالسلام حامل جائزة نوبل للفيزياء قد لاحظ ذلك وعبّر عنه بدقة، حيث لفت النظر، وهو الفيزيائي ابن باكستان الآسيوية، المسلمة، المنتسبة لما كنا نطلق عليه العالم الثالث، الى أن العلم والتكنولوجيا إرث مشترك للانسانية كلها، كل الشعوب أسهمت في تكوينهما في الماضي، والأمل أن يستمر الأمر كذلك في المستقبل، لتصبح الجهود المشتركة في ميادين العلم قوة توحيد لمختلف شعوب هذا الكوكب.

لكن الغرب، وقوته الرئيسية اليوم أي الولايات المتحدة تتصرف بذهنية مالك الحقيقة الأوحد، الذي عهدت إليه العناية الالهية مهمة انقاذ هذا العالم الخامل، كما يبشر بذلك منظرو المحافظين الجدد، لكن على طريقة شهد شاهد من أهلها سنسوق قولاً لهنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق ورد في أحد مقالاته التي يقيّم فيها السياسة الراهنة لبلاده، حيث يلاحظ ان هيمنة الولايات المتحدة على العالم لا يحكمها برنامج استراتيجي وإنما لسلسلة من القرارات التي لا رابط بينها، وهو اذ يقر بأنه لم يسبق لبلد واحد منفرد أن حقق صعوداً كهذا على المستوى العالمي، إلا أنه يلاحظ ان هذا الصعود محكوم بقرارات تتخذ كردات فعل على أزمات معينة. قرارات مدفوعة بالتجاوب مع رغبات مجموعات الضغط المحلي (لوبي) أكثر من كونها نابعة من تصور شامل وبعيد النظر. يقول كيسنجر: ان الامبراطورية الرومانية، بل حتى الامبراطورية البريطانية في عز مجدها، استطاعت أن تحول جبروتها الى إجماع وتحول مبادئها الناظمة الى معايير مقبولة على نطاق واسع، لكن ما تفعله الولايات المتحدة اليوم منتشية بخروجها الظافر من الحرب الباردة هو فرض توجهاتها قسراً ومن طرف واحد على العالم، غير آبهة بردود فعل الأمم والأقوام والدول والشعوب الأخرى، ولا بالاستنفارات التي يستحثها هذا النهج في الثقافات الأخرى التي لا يمكن أن تستسلم أمام مسعى لفرض ثقافة واحدة على عالم يعج بالتنوع والتعدد وحتى التناقض.