قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عبد الرحيم علي

الأنباء التي تم تداولها خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، والتي دارت حول احتمالية مقتل الرجل الثاني في تنظيم laquo;القاعدةraquo; الدكتور أيمن الظواهري، ضمن من قتلوا في الغارات التي شنتها القوات الأمريكية فجر أمس السبت، على إحدى القرى الباكستانية على الحدود مع أفغانستان، هذه الأنباء طرحت تساؤلا ملحا حول طبيعة المشهد داخل تنظيم laquo;القاعدةraquo;، وضمن محيط حركته الفعلية على الأرض، وكذا خططه المستقبلية لو مات أيمن الظواهري حقا؟!

الحقيقة أن الوقائع التي جرت طوال السنوات الثلاث السابقة، عقب اجتياح أفغانستان وسقوط بغداد، خلقت على الأرض خرائط مختلفة ووقائع مهمة، تصل بنا الى القول بأن موت الظواهري أو أسامة بن لادن في هذا التوقيت أصبح تحصيل حاصل، ولن يكون له أي تأثير كبير أو مهم على التنظيم. على الأقل بقدر التأثير الإعلامي الذي سوف يحدثه غياب الرجلين.

فمن الناحية العملية، تحول مركز ثقل تنظيم laquo;القاعدةraquo; على الصعيدين الحركي والخططي من أفغانستان (إبان حقبة طالبان وتحالفها مع بن لادن) الى العراق، حيث يتمركز تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، بقيادة الأردني أبو مصعب الزرقاوي. وبات من الواضح والجلي أن كافة الخطط وما يمكن تسميته بتصدير (الثورة) ـ في حال استخدمنا لغة إخواننا الماركسيين ـ يتم (من وعن) طريق العراق وليس أي بلد آخر. والشواهد على ذلك عديدة.

فما حدث من هجوم في الأردن، سواء على الفنادق الثلاث في الحوادث الأخيرة أو إطلاق الصواريخ على ميناءي العقبة وإيلات، تم بأوامر مباشرة وبتخطيط شامل وتمويل من أبو مصعب الزرقاوي. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما امتد إلى لبنان، حيث تواجدت laquo;القاعدةraquo; (بتعليمات من الزرقاوي) منذ بداية 2005 في المناطق الجبيلة القريبة من مدينة طرابلس اللبنانية، وأجرت تدريباتها على صنع المتفجرات وتفجير الأهداف عن بعد، مستخدمين الهاتف النقال، وهو ما كشف عنه رئيس وحدة التنسيق لمحاربة الإرهاب بالشرطة القومية الفرنسية laquo;كريستوف شابوraquo; في حينه، عنما أكد في منتصف سبتمبر 2005 أن الشرطة الفرنسية، ألقت القبض على خلية تابعة لتنظيم laquo;القاعدةraquo; بقيادة الجزائري المولد الفرنسي الجنسية (سيف بورادا) تلقت تدريباتها في إحدى المناطق الجبلية قرب مدينة طرابلس اللبنانية، وقدمت الى فرنسا بهدف القيام بتفجيرات ضد عدد من الأماكن المهمة في البلاد، بعدها مباشرة تم إطلاق سبعة صواريخ من مناطق جنوب لبنان الخاضعة لحزب الله على شمال إسرائيل، مخترقة الخط الأزرق وأعلن الزرقاوي عقب عملية الإطلاق مسؤولية تنظيم laquo;القاعدةraquo; عنها.

وهنا أستطيع التأكيد أن الزرقاوي كان يعي ما يفعله جيدا، فهو يريد نزع الاعتراف الشعبي به كزعيم جديد للتنظيم، يقوم بما لم يستطع القيام به كل من الزعيمين السابقين (الظواهري وبن لادن)، وهو توجيه سلاح laquo;القاعدةraquo; تجاه العدو الصهيوني.

وبغض النظر عن تقييمنا الشخصي لهذه العملية، فإن الزرقاوي كان يعلم أن مردودها على التنظيم، سيكون عظيما، فهناك من يشترط داخل المنطقة توجيه السلاح الى إسرائيل كشرط أساسي لتقديم الدعم المالي، يحدث هذا مع laquo;حماسraquo; وlaquo;حزب اللهraquo; وlaquo;الجهادraquo;، والآن يحاول الزرقاوي استغلاله.

وقد وصل الأمر بالزرقاوي في النصف الأول من عام 2005 الى تهديد أوروبا ذاتها علنا، بإرسال سراياه الى هناك لتنفيذ عمليات ضد مصالح وأبناء تلك الدول، وظني أن الزرقاوي لا يمكن له أن يتفوه بمثل هذا التهديد ببساطة، إلا بعدما انتقلت إليه بالفعل القيادة الميدانية للتنظيم، فبعدما غاب أسامة بن لادن جسديا طوال أكثر من عام، وأخذ أيمن الظواهري مكانه كموجه روحي للتنظيم، مكثفا من جرعة تواجده العلني، عبر عدد من الرسائل بلغ في العام الأخير ضعف ما كان يطلقه كل عام، انتقلت القيادة الميدانية للتنظيم بسلاسة ويسر الى أبي مصعب الزرقاوي. وهو ما اطلقت عليه (الانتقال السلمي للسلطة داخل تنظيم القاعدة). بحيث أصبح الظواهري مرشدا روحيا بدلا من بن لادن، وبات الزرقاوي قائدا ميدانيا للتنظيم على مستوى العالم.

وإذا أخذنا في الاعتبارما شرحناه آنفا، والدور الذي اضطلع به الظواهري طوال سنوات قيادة بن لادن للتنظيم روحيا، وهو الدور المحوري في حركة التنظيم واستراتيجيته، والذى انتقل الآن ـ كما أسلفنا ـ للزرقاوي ـ أصبح من الممكن لنا القول من دون أدنى تجن منا، أن موت أو غياب أو رحيل أيمن الظواهري، هو عملية تحصيل حاصل، باعتبار أنه حادث بالفعل على الأرض.

ولم يكتف الزرقاوي بالقيادة الميدانية، بل راح يجمع كل الخطوط في يده تحسبا للحظة غياب الرجلين معا (وبالتحديد أيمن الظواهري)، فراح يدشن نفسه كقائد فكري عبر إصدار ما سماه سلسلة laquo;لا يضرهم من خذلهمraquo;، والتي وصلت الى ستة أجزاء حتى الآن، حاول فيها الزرقاوي تقديم نفسه كمفكر وقائد روحي يحث أتباعه على الجهاد والمقاومة، ويرسم لهم الطريق ويزيل من أمامهم الشبهات.

لقد استطاع الزرقاوي خلال السنوات الثلاث السابقة ـ وبعد انتزع اعتراف بن لادن به كممثل وقائد لتنظيم laquo;القاعدةraquo; في بلاد الرافدين ـ أن يجمع في يده كافة الخطوط (الاستراتيجية، والفكرية، والتنظيمية، والمالية)، ولم يبق من شيء للظواهري سوى التوجيه الروحي، الذي لن يؤثر كثيرا على معنويات وحركة التنظيم ـ وهو ما أظهره جليا غياب بن لادن من المسرح طوال العامين الأخيرين ـ اللهم إن لم يكن سيزيد التنظيم إصرارا على الاستمرار، بمزيد من العنف وتصدير الثورة الى كل بقعة في العالم.

* باحث مصري في شؤون الجماعات الإسلامية