قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

على الطريق
من انحلال الدولة إلى انحلال الشعب ...

طلال سلمان

تحت شعار جذاب هو lt;lt;الحوارgt;gt; تضرب لبنان، حالياً، عاصفة من الجنون تكاد تنذر بانحلال الدولة، بل وبما هو أخطر: انحلال الشعب وتفككه وعودته إلى مكوناته الأولى طوائف ومذاهب وعناصر ومناطق لكل منها خصوصياتها وتقاليدها وlt;lt;فكرهاgt;gt; وlt;lt;عقيدتهاgt;gt; واستقلالية القرار!
كم شعباً في لبنان؟ وكم قومية؟ كم هوية؟ وكم تاريخا؟ بل وكم جغرافيا؟
أما lt;lt;الدولةgt;gt; فتكاد تنطوي خجلاً داخل بعض الرموز المتبقية من lt;lt;العهد الماضيgt;gt;، وإن كانت فقدت دلالاتها التي تؤكد وحدتها فضلاً عن قدرتها..
رئيس الدولة متهم حتى تثبت براءته، معزول في قصره الرئاسي الذي حولته طروحات المعارضة الحاكمة إلى مركز للتنصت والتآمر حتى القتل على معارضيه الذين هم الأكثرية..
مجلس النواب الذي استولد بالأمر الأميركي الفرنسي وبعملية قيصرية، ولد مشروخاً، لكل طائفة فيه نصيب، وحاصل جمع الأنصبة لا يستولد بالضرورة أكثرية حاكمة وأقلية معارضة، بل إنه في حالتنا الراهنة قد ضرب المجلس كمؤسسة فهشمها وعطل دورها الجامع، وجعلها أشبه بشاهد زور لا يملك القدرة على حسم الخلافات بحلها أو بتنظيمها ديموقراطياً بحيث لا تعطل الحكم بل تفرض عليه بقوة شرعيتها ان يتقدم لحسم المشكلات العالقة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، حتى لا يموت الشعب جوعاً، لأن lt;lt;الحوارgt;gt; لا يوفر العمل والمسكن والطبابة وسائر ما تتطلبه الحياة.. أي حياة!
أما الحكومة التي استولدت بعملية قيصرية، والتي رئيسها بدل من غائب، ووزراؤها شركاء بالاضطرار، يكاد بعضهم يشكك بوطنية البعض الآخر، ويمتنع عن اتهامه علناً حرصاً على وحدة شكلية لحكومة لم تكن منذ لحظة ولادتها واحدة، وليست مؤهلة لأن تكون جبهة سياسية بين مختلفين فرضت عليهم المصلحة الوطنية التلاقي على برنامج مشترك، فقد كانت مؤهلة لأن ينفرط عقدها عند أول بحث جدي في مهماتها التي تتجاوز تحريك عجلة الإدارة، وهذا بالضبط ما حصل..
فالمشاركون مختلفون، فعلياً، على الثوابت: هوية لبنان، علاقته مع سوريا، بمعزل عن التوافق الذي لم يخرج عليه أحد حول التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وحتى حول lt;lt;المحكمة ذات الطابع الدوليgt;gt;، وصولاً إلى موضوع التدخل الدولي المتفاقم في الشؤون الداخلية، وانتهاء بالموقف من العدو الإسرائيلي، واستطراداً من شرعية المقاومة وإدامتها وحمايتها بوصفها تشرف نفسها وتشرف اللبنانيين بواجب حماية الوطن من الاعتداءات الإسرائيلية (وهي يومية جواً وبحراً) حتى تحرير ما تبقى من الأرض اللبنانية المحتلة وتحرير الأسرى والمعتقلين.
ولأن الحكومة lt;lt;مخاصمةgt;gt; لرئيس الجمهورية، ولأن المجلس النيابي معطل دوره نتيجة الانقسام، ولأن lt;lt;وزراء الأكثريةgt;gt; يملكون من الصلاحيات والامكانات ما لا يملكه lt;lt;وزراء الأقليةgt;gt;.
ولأن السلطة التي كانت قائمة هي تجسيد lt;lt;للنظام الأمني اللبناني السوريgt;gt;.
ولأن المؤسسات الموروثة، وبالتحديد الأجهزة الأمنية، غير موثوقة أو غير مؤهلة للقيام بدورها في توطيد دعائم العهد الجديد.
لهذا كله فلا بد للسلطة الجديدة ان تبني lt;lt;أجهزتهاgt;gt;، وفي انتظار ذلك تعطل القائم من lt;lt;الأجهزةgt;gt;، فتوقف عنها المال، وتضغط للإتيان برجال من ابناء lt;lt;العهد الجديدgt;gt; لتولي المسؤوليات، فإذا تعذر فلا بأس بأولئك الذين لا لون لهم ولا طعم ولا قرار...
وليس سراً ان الجيش يعيش أزمة خانقة، مادياً، وأن بعض الترقيات الشرعية لم تتم لأن ليس لها ذكر في الموازنة، وأن بعض مؤسساته الحساسة قد ذهبت بشكواها إلى رئيس الحكومة، طالبة تدخله حتى لا تنهار وينفرط عقد شبكاتها.
في السياسة العامة: محظور الحديث في حاضر العلاقة مع سوريا وفي مستقبلها، بعدما أنهيت بالشكل المعلوم العلاقة السابقة، فخرج الجيش السوري من لبنان lt;lt;مطروداًgt;gt; بما لا يليق به ولا بطبيعة الروابط الأخوية بين البلدين الشقيقين.
محظور الحديث في الداخل وكل من قال بضرورة البحث اتهم فوراً بخيانة دماء الشهداء الذين قضوا وإهدار دماء الشهداء الأحياء الذين ينتظرون.
بل إن التطرق إلى هذه العلاقة محظور على العرب أيضاً، سواء تمثلوا بجامعة الدول العربية وأمينها العام الذي لم تشتهر عنه lt;lt;سوريتهgt;gt;، أو حتى بدولة حاضنة كالمملكة العربية السعودية ومعها دولة شديدة التحفظ في أدوار الوساطة، كمصر، وكلتا الدولتين تعتبر اغتيال الرئيس رفيق الحريري بمثابة اعتداء مباشر على أمنها وعلى مصالحها الحيوية.
لأي مسؤول أميركي أو فرنسي، بريطاني أو
الماني، سواء أكان في مستوى وزير خارجية أو مساعد نائب وزير الخارجية، الحق في ان يجيء إلى لبنان وأن يتحدث عن أدق شؤونه الداخلية (الانتخابات، قانون الانتخاب الجديد، مصير رئيس الجمهورية، الحكومة ومن له الحق في الدخول إلى نعيمها ومن يجب أن يطرد منها، مزارع شبعا وهويتها، lt;lt;حزب اللهgt;gt; مع الاصرار على وصفه بالميليشيا والمطالبة بإخراجه من الحكومة) الخ..
فإذا حصل ان خرجت تظاهرة طلابية مستنكرة التدخل الدولي الذي زاد عن حده، اعتبر من شارك فيها من lt;lt;المخابرات السوريةgt;gt;...
أكثر من هذا: صار برنامج أي مسؤول أجنبي يأتينا مستطلعاً أو متضامناً (أو محرضاً) يتضمن زيارات لمختلف المراجع الطائفية... ولم يعد أحد منهم يتورع عن الحديث عن اللبنانيين كطوائف لا كشعب، فيعلن مثلاً تعاطفه مع السنة ورعايته للموارنة ودورهم في lt;lt;خلقgt;gt; لبنان وجنوح الشيعة إلى التطرف وتبعيتهم للنظام الدكتاتوري في سوريا، وتفهمه لحساسيات الدروز وتقديره لعقلانية الأرثوذكس وإخلاص الكاثوليك وصدق ولاء الأرمن والسريان لوطنهم اللبناني الخ.
أما السفراء، الغربيون خاصة، وبالذات منهم الاميركي والفرنسي فلهم الحق في الحديث اليومي المتلفز عن أدق شؤوننا الداخلية، ودائماً من منطلق طوائفي، يقررون من هو lt;lt;الوطني الصميمgt;gt; ومن هو lt;lt;الإرهابيgt;gt; فضلاً عن تحريضهم على مدار الساعة ضد البحث مجرد البحث في علاقة لبنانية سورية ولو على قاعدة ترسيم الحدود (وانطلاقا من شبعا وتلالها المحتلة!!) وإقامة السفارات، وإقامة اسلاك شائكة لمنع تهريب المازوت والبنزين، ومن بعدهما السلاح والرجال.
كلهم حريص على ارسال الجيش الى الجنوب، بينما هم ينفون عن إسرائيل شارون أية نية عدوانية تجاه لبنان... إذا لم يكن ثمة خطر فلماذا نرسله، وإن كان من خطر فلماذا نريد تصفية المقاومة؟!
هل يمكن تجميع الطوائف والمذاهب والقوميات والعناصر في شعب واحد؟
وهل يمكن إقامة دولة بين مختلفين على هويتها، وعلى دورها في محيطها، وعلى من هو العدو ومن هو الشقيق، من هو الصديق ومن هو الطامع؟!
هل يمكن أن تقوم دولة لها كل هؤلاء الرعاة من الدول، بمصالحها المختلفة الى حد التناقض، والقادرة على إسباغ حمايتها على هذه الطائفة او تلك، والتحريض على هذا المذهب او ذاك، والامثولة العراقية قائمة امام اعيننا وبالدم القاني؟؟
مع ذلك فثمة من يكرز على lt;lt;الشعبgt;gt; كل يوم وصاياه التي تأخذ الى الحرب الاهلية.
ومع ذلك فثمة من يعمل على تشطير lt;lt;الدولةgt;gt; وتقسيمها بين الاكثرية المعارضة وبين الاقلية من الخوارج.
وهكذا فإن انحلال الدولة يؤدي الى انحلال الشعب، والعكس صحيح، فالدولة هي الضامن الاول والاخير لوحدة هذا الشعب، وهويته، وحقه في الحياة، اليوم وغداً وكل يوم.
لا الضمانات الاجنبية أفادتنا في الماضي، ولا حمايات الدول التي توزعت الطوائف وقتلت الوطن..
ومن يطلق النار على المبادرة السعودية (ومعها مصر) لا يفعل إلا تقريب اجل الحرب الاهلية التي ستتوج انحلال الدولة بانحلال الشعب، والعياذ بالله!
اللهم، ارحم لبنان من مصير عراقي؟