حازم صاغية


شاهدنا، في شنق صدّام حسين، طقساً همجيّاً. ومعاذ الله أن يكون إصدار نعت الهمجيّة من قبيل الحبّ لصدّام، أو التعاطف معه. وهو، طبعاً، ليس من قبيل الإنكار لجرائمه المؤكّدة والمطنطنة حيث لم تُتح لضحاياه حتّى تلك المحاكمة التي أتيحت له، والتي كان فيها فريق دفاع وشهود وسمعنا حججاً وحججاً مضادّة.

نعت الهمجيّة يطاول، أوّلاً، مبدأ الحكم بالموت بوصفه عاجزاً عن وقف الظلم والارتكاب، لكنّه، في الوقت عينه، هائل القدرة على استحضار رمزيّات الحشد البدائيّ وغرائز الانتقام لديه. وهذا ليس، بالتأكيد، مدخلاً الى laquo;عراق جديدraquo;، كما يقول أهل السلطة والأميركيّون من ورائهم، بل هو تزكية لعراق قديم جدّاً.

وهو يطاول، ثانياً، الغباء السياسيّ لقرار سوف يُصار فوراً الى ترجمته انتصاراً لطرف أهليّ على طرف آخر، ومن ثمّ تصاعداً في أعمال الموت والقتل والإرهاب.

وإلى هذا وذاك تبقى المحكمة: فبدل أن تكون دوليّة، بعيدة عن مسرح الغضب والانقسام العراقيّين، ومصدراً لتثقيف العراقيّين، وغيرهم من الشعوب، بمعاني الظلم وحقوق الانسان، إذا بها عمليّة يخالطها الهزل، تقتصر على النظر في جريمة أو جريمتين بدل مراجعة السيرة الصدّامية كلّها، فيما تكاد تمّحي الحدود بين ما يجري داخل قاعاتها وما يجري في الشارع من تحريض وتهديد واغتيال.

وفي بلد لا يبعد كثيراً عن العراق ومحكمته، كما يشاركه بعضاً من مصادر ثقافته السياسيّة، ثمّة محكمة ممنوعة في لبنان. الحجج التي تُردّد ضدّ المحكمة، ولو في قالب التبنّي لها، لا تُقنع إلاّ laquo;المقتنعraquo; أصلاً. وهي، طبعاً، تضاعف الشبهات بدل أن تبدّدها. والحجج هذه لا تمتّ بصلة الى تلك التي تطعن بمحاكمة صدّام: فالاعتراض هنا، أقلّه في ما يقال لنا laquo;ببراءةraquo;، يتّصل بدوليّة المحكمة، أو laquo;طابعها الدوليّraquo;، وانعكاس ذلك على السيادة.

والحال أن ما من شيء يعزّز السيادة كما يعزّزها تناول فعليّ وموسّع لمصرع أحد أبرز رجالات الدولة في لبنان، أي رفيق الحريري. فإذا ما استحال، لأسباب موضوعيّة وذاتيّة معروفة، أن تحصل هذه المراجعة محليّاً، حصلت في الخارج حرصاً على عدالة لا يقوى اللبنانيّون على توفير متطلّباتها بأنفسهم.

بلغة أخرى، ما يصحّ في العراق من مطالبة بمحكمة دوليّة يصحّ أيضاً في لبنان، لأن البلدين لا يملكان شروط إجراء محاكمات محليّة. لهذا توصم محاكمة صدّام وتُدان، ولهذا السبب نفسه ينبغي أن توصم وتُدان محاولات منع المحاكمة في اغتيال الحريري.

لكنْ لنلاحظ ما هو أبعد قليلاً: لقد قيل ما قيل في هجاء المواقف الأخيرة لوليد جنبلاط: البعض اتّهمها واتّهمه بالخفّة، والبعض بالتهوّر، والبعض بتقريب أجواء الحرب الأهليّة واستثارتها. وربّما كان الكثير من هذه الأوصاف في محلّه. ذاك أن جنبلاط، وعلى عادته، يدفع الأمور دائماً الى محطّات قصوى يرى البعض أنها غير ناضجة، أو غير مسؤولة، أو غير مأمونة العواقب.

مع هذا، ينبغي ألاّ تُعامَل كلمات وليد جنبلاط كما لو أنّها عاصفة تهبّ على أسرّة الأطفال. فهو قال ما قاله في بلد لا تزال ممنوعة فيه المحكمة التي يُفترض فيها أن تبتّ في جريمة نزلت برئيس حكومة سابق. وهو قال ما قاله في بلد يسقط فيه كلّ ثلاثة أشهر، أو ما يقاربها، وجه سياسيّ أو إعلاميّ لا يملك اللبنانيّون حيال اغتياله إلاّ تسميته شهيداً، وهو نفسه قد يكون مرشّحاً بارزاً للاستهداف في حياته. وهو قال ما قاله في بلد يُتّهم فيه أقرب حلفائه السياسيّين، مروان حمادة، بالخيانة الوطنيّة، والمعيارُ المعتمد للتصنيف حرب لا ناقة لأكثريّة اللبنانيّين فيها ولا جمل!.

بلغة أخرى، فإن قول وليد جنبلاط laquo;السياسيّraquo; لا يصدر فحسب عن طبيعة الرجل، أو عن حساسيّاته الشخصيّة والمذهبيّة، بل يفرضه، كذلك، مكان ممنوعةٌ فيه السياسة وممنوعةٌ المحكمة. وكم كان هذا واضحاً في خطابه الأخير الذي اعتبره البعض دعوة لاغتيال الرئيس السوريّ بشّار الأسد. فإذا صحّ هذا التأويل، صحّ القول إنّنا نحصد بعض نتائج السيطرة الجلفة التي تبغي إغلاق لبنان عن الحقائق والمحاكم، بل عن العالم أيضاً، وتركه غابة ذات laquo;سيادة وطنيّة وhellip; قوميّةraquo;.

فهل قُيّض للمشرق العربيّ أن يعيش بين محكمة أهليّة يغلب عليها الثأر، وثأر محليّ ينبغي ألاّ تقاربه محكمة؟