قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك



جمال البنـّا


وقع في يدي كتاب غريب باسم الغواص واللآلئ أو ترجمة حجة الإسلام الغزالي من تأليف المبشر القس زويمر وقد وضعه مؤلفه بالانجليزية بعنوان الغزالي : مسلم يبحث عن الله ..

والقس زويمر أحد المبشرين الذين نذروا حياتهم للتنديد بالإسلام ولمز رسوله والقيام بحملات تبشيرية في مصر خلال العشرينات .. كانت من أسباب ثورة الرأي العام المصري وتكوين الشبان المسلمين، ثم الإخوان المسلمين . . ولم يقف عن غمزه ولمزه وشنآنه حتي في هذا الكتاب الذي أراد به مدح الغزالي .. وقد طبع الكتاب طبعته الثانية سنة 1926 في مطبعة النيل المسيحية بالقاهرة، وقدم له الأستاذ عبد الفادي القاهراني ، وهو رئيس تحرير مؤلفات المطبعة ومديرها العام !

وليس مما يدق علي الفطنة التوصل إلي سبب اختيار الغزالي بالذات ليكون موضوعا لكتاب هذا القسيس .. فالغزالي كما هو معروف آثر التصوف في نهاية مطافه علي التخصصات العلمية الإسلامية من تفسير أو فقه أو فلسفة أو حديث .. وفي التصوف بعض المعاني القريبة من معاني المسيحية، كما يمكن أيضا أن تتدحرج بعض التطورات الصوفية أو تنزلق إلي دعاوي الحلول فتقترب من دعاوي المسيحية فضلا عن أن الغزالي قد استشهد في بعض كتاباته بأقوال السيد المسيح، وهي واقعة بني عليها المؤلف تأثر الغزالي بالمسيحية واستلهامه آدابها .. وفاته أن بعض كتب التفسير قد أوردت نقولا عن المسيح أو من التوراة والإنجيل تفوق ما أورده الغزالي، وأن هذا لا يدخل في باب التأثر، وإنما هو يأتي من باب الفكرة الإسلامية عن وحدة الأديان السماوية، وأخوة الأنبياء والمرسلين، وأن الاختلاف إنما جاء من تحريف الرهبان، والكهان، والأحبار .. ومن توالي الأمد علي النصوص التي سمح بالتحريف، خاصة عند الترجمة من لغة إلي أخري .. ومن هنا يتبين عدم دقة ما جاء في المقدمة من أن الغزالي أجلّ الكتاب المقدس إجلالا مشهورا .. وتكلم عنه بصفة كونه منزلاً من العلي العظيم، ولم يعتقد بنسخه مطلقا !

ويختم مقدم الكتاب مقدمته فيقول :

quot; أن الغزالي لم يدرك ماذا كان غرض المسيح من التطوع للموت، ليموت نيابة عن الجنس البشري، كما أنه لم يشعر بأهمية قيامه، ولا يخفي أن هاتين النقطتين هما الركنان المهمان في الديانة المسيحية موت المسيح وقيامه وبعبارة أخري أن سيدنا المسيح هو رئيس الموت والحياة، وفي طاقته أن يهب الحياة لمن يوقن به، ويتكل عليه .. ومن يقبل إليه لا يخرجه خارجا، بل يعطي له أولا غفران خطايا، وثانيا الإيقان بأمور لا تري، أي الحصول علي رجاء الحياة الأبدية ... .

quot; ورب تابع يسعي وراء متبوعة فينال أكثر، ورب مسلم يقرأ في هذا الكتاب فيقبل إلي الفادي الهادي إلي الصواب، ومن استهدي فقد اهتدي ص 6
ويبدأ الكتاب باستعراض عهد الغزالي، وحالة المجتمع الإسلامي وقتئذ، الذي خضع للسلاجقة، وشاهد غزو الصليبين وانتصارهم علي الشام وانتزاعهم بيت المقدس، ولم يبق في أيد المسلمين سوي حلب ودم
وقد يشفع للغزالي عند المؤلف أن الغزالي لم يشترك في حرب من هذه الحروب التي كانت ضد الإسلام وزلزلت المجتمع الإسلامي، ولم يفعل مثلما فعل الفقيه المحارب ابن تيمية .

وفي الفصل الثاني يتحدث المؤلف عن ولادة الغزالي وتربيته، وأنه رزق ذكاء الآربين ! ويتحدث عن طوس حيث ولد ويحقق صحة كلمة الغزالي ، وهل هي بالتخفيف أو بالتشديد .. ثم يشير إلي تحصيله مذ كان طفلا وإلمامه بالرياضيات والفلسفة، فضلا عن القرآن والحديث بالطبع، وينقل قصة هجوم قطاع الطريق عليه وانتزاعهم أوراقه، وأنه تنبه من هذه الواقعة إلي ضرورة استظهاره المعلومات ...
وينتقل المؤلف إلي رحلات الغزالي إلي نيسابور وأخذه عن إمام الحرمين وسفره بعد موت إمام الحرمين سنة 487 ه إلي بغداد وتدريسه في المدرسة النظامية المشهورة، وذيوع اسمه حتي ضربت به الأمثال وشدت إليه الرحالquot;، ثم ما أنتابه من أزمة روحية جعلته يترك بغداد ويقوم بعدة رحلات طويلة إلي الشام التي اعتكف بها سنتين لا شغل له إلا الخلوة والعزلة والرياضة والمجاهدة حتي تحركت فيه دواعي الحج، فذهب إلي الديار المقدسة، ثم عاد إلي سوريا وزار القاهرة .. وهي زيارة لا نجد إشارات كثيرة عنها .. كما زار الإسكندرية، ومنها إلي بغداد ثم عاد إلي طوس، مسقط رأسه، ومات بها سنة 505 ه ديسمبر 1111م .

ويتحدث المؤلف في الفصل الثالث عن مؤلفات الغزالي وأهمها بالطبع إحياء علوم الدينquot;، وينتهز الفرصة ليشير إلي تأثر الغزالي بالتوجهات المسيحية، كما أشار إلي موجة العداوة التي سادت الأندلس، والفتاوي التي صدرت بتكفير كل من يقرأ مؤلفات الغزالي وحرق كتبه في قرطبة وبعض مدن الأندلس .. ويشير إلي تأثر الغزالي علي الفكر اليهودي، وما نقله موسي بن ميمون ميمونيدس ، وجوداهاليفي، وإبراهيم بن عذرا وغيرهم، أو كتب الغزالي التي ترجمت إلي العبرية في القرن الثالث عشر ...

وينتقل المؤلف إلي علم الآداب كما علمه الغزالي ، وهو يري أن الأركان التي قامت عليها الآداب المسيحية هي الخير الأعظم، والفضيلة السامية، والقياس وهو يعني به أن يقيس التابع آدابه الشخصية بمقدار آداب متبوعه .. ويري المؤلف أن هذه الأركان قيدت في الإسلام بقيدين حديديين قبل أن يصلا إلي عُشر المطلوب منها ، ويشرح هذين القيدين : فأما القيد الأول فهو أخلاق النبي محمد نفسه ونزعته الشخصية المشهورة التي لا مناسبة لذكرها في هذا المقام (!) .. وأما القيد الثاني فهو تأثير أحاديثه المروية عنه، وعلي هذا فصار أعلي سماكي الفضيلة في الآداب الإسلامي سهل التناول، بل يمكن الوصول إليه بكل سهولة بواسطة الإقتداء بأعمال النبي محمد التي هي غاية الموافقة للطبيعة الجسدية ( !! )، وأيضا صار القياس الذي هو الشريعة الأدبية مشوها لآراء النبي محمد غير المترابطة، كما في أحاديثه، بالنسبة لاختلاف مقاصدها وما ترمي إليه ... .

وخصص المؤلف فصلا عن تصوف الغزالي : فأعاد فكر التصوف إلي الأفلاطونية الجديدة، وآراء الكنيسة، ونيرفانا الهنود، ومعني الفناء في الله الذي عادة ما يؤدي ببعض الصوفية إلي الانزلاق إلي الحلول أو الاتحاد معه وهي معان مسيحية !

وفي رأي المؤلف أن الغزالي أخذ تصوفه من مبادئ الإنجيل، لأن رأي الغزالي هو رأي الرسول بولمن ... كما أن الغزالي وضع نماذج أدعية خشوعية للصلوات الصباحية والمسائية لا تختلف كثيرا عن الأدعية المذكورة في كتب الصلوات المسيحية !

ويري المؤلف أن الغزالي ليس هو الوحيد الذي اقتبس من المسيحية، بل أن شخصية أبو طالب المكي، بل والنبي محمد نفسه ردد في العالم صوت الإنجيل ... ص 183
وينتقد المؤلف بشدة فكرة الغزالي عن التوبة من الذنوب، لأنها فقدت الحلقة الرئيسية الهامة، وهي الفداء الذي تم بصلب المسيح وأن كل توبة ليست مبنية علي الاعتقاد بصلب المسيح فهي وهمية لا فائدة منها (ص 191) .

ويقارن المؤلف بين النظرية الإسلامية في التوبة والنظرية المسيحية، فالغزالي عندما تحدث عن التوبة، شبه الذنوب بنجس في ثوب، إذا تاب صاحب الذنب غسلت هذه النجاسة من الثوب وذهبت عنه، ويقول أن هذا التشبيه بعيد جدا عن تعاليم الكتاب المقدس، لأنه يفتح باب التوبة والاستغفار من الارتكاب، ويظنون أن ذنوبهم فقدت بمجرد إخراج الألفاظ من شفاههم، ويستطرد وإذا أردنا إيقاع اللوم كله علي رأس هذا الإمام فقد ظلمناه، لأنه لم يكن مبتدعا، بل بصفة كونه مسلما غيورا يرتل كل يوم.. أن الحسنات يذهبن السيئات ...

أما التوبة التي يحبذها المؤلف، فهي التوبة المسيحية التي جاء عليها في الكتاب المقدس من حفظ كل الناموس، وإنما عثر في واحدة، فقد صار مجرما في الكل !! ص 190 .
وليس أدل علي تعسف المؤلف وضيق نظره وغلبة التعصب عليه من هذا، فهو قد شوه صورة التوبة الإسلامية، لأن الإسلام صريح في أن التوبة لا تكون باللسان، ثم كيف يستقيم في ميزان العدالة أن من حَفَظَ كل الناموس وعثر في واحدة فقد صار مجرما في الكل .. وأين مكان الإعجاب في هذا ...

ويورد المؤلف في فصل طويل فقرات وجملاً في الإحياء تتفق مع ما جاء في الكتاب المقدس .. وهو أمر لا يفيده كثيرا، لأن أصول التقوي والورع والعبادة والتقرب إلي الله واحدة في كل الأديان .. وكان جديرا به أن يعترف بالفرق الرئيسي ما بين عقيدة الغزالي كمسلم، والعقيدة المسيحية المتعلقة بالثالوث أو بصلب المسيح.ويختم الكتاب بخاتمة كتبها إسكندر عبد المسيح الباجوري المؤلف التبشيري، عبر فيها عن رجائه أن يكون الغزالي مثل نيقوديموس عالم أمة اليهود الذي آمن بالفادي سرا، وذهب إليه ليلاً !! في إيمانه بالهادي علي الأقل حتي لا يكون قد مات محروما من نعمة الفداء العظمي !! ص 235 وليس هذه كما توهم الكاتب هي مأساة الغزالي ..

أن مأساة الغزالي إذا كان هناك مأساة هي أنه عندما ضاق بشنشنات الفقهاء وتشدقات المذهبيين وتعصباتهم لأئمتهم، وإقبالهم علي الدنيا وارتباطاتهم بالسلاطين واحتفالهم بالقشور والجزئيات والطقوس، وحبسهم الفكر الإسلامي في زنزانة ضيقة .. اتجه بكليته إلي التصوف، وهنا، وقع في بحار التأملات، وأودية التخيلات وشطحات الانفعالات، ووجد نفسه بين أمواج متلاطمة لا ينتهي فيها إلي قرار .. ولا يبلغ بها شاطئ، وكان له من هذا مندوحة لو أنه سلك السبيل الذي رسمه القرآن ومارسته السنة، لان الله تعالي إنما أنزل الأديان وأرسل الرسل ليقدم للفكر الإنساني التصور الذي يمكن أن يستوعبه للألوهية، والذي لا يكون من الخير في شئ الاجتهاد فيه، أو الانفلات منه أو التزيد عليه أو الإيغال فيه، إذ يغلب أن يصل إلي تجاوزات أو أحكام هما في حقيقتها تهيؤات أو حالات أبرزها الانفعال كحقائق، ولو جاز مثل هذا المسلك، لكان الفلاسفة أفضل من غيرهم، ولكن لا الفلسفة ولا التصوف، يمكن أن يضعا التصور الحقيقي للألوهية، فأحدهما يعتمد علي العقل، والثاني يعتمد علي القلب .. وللعقل في هذا المجال بالذات قصوره، وللقلب ميوله .

وقد حذر الرسول من الإيغال في الدين ... أن هذا الدين عميق .. فأوغل فيه برفق.. فأن المُنْبَتّ لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقي وهذا هو المصير المحتوم لكل من يطرح الوقوف عند حدود القرآن والسنة أو يستسلم للرغبة في الاستزادة والوصول إلي ما بعدهما .. فيتخذ هما القرآن والسنة نقطة انطلاق وقد أراد الله لهما أن يكونا موقع التزام ...