قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


محمد عبدالحكم دياب


لم ألتق بأحد صدق وأقر بأن قرار إعدام الرئيس الراحل صدام حسين، أو بمعني أصح اغتياله، كان قرارا عراقيا وليس أمريكيا، وعلينا أن نستثني من هؤلاء السذج والموتورين والطائفيين، والعاملين في بلاط الغزاة ولحسابهم. وبذلك تتأكد، للمرة الألف، عدم سلامة الحسابات الأمريكية، خاصة تحت الإدارة الحالية الفاشية والمصهينة.. تعودت الحسابات الأمريكية اختيار التوقيت الخطأ، واتخاذ القرار الخطأ، وسلوك الطريق الخطأ، واغتيال صدام حسين ليس السابقة الأولي، في هذا المضمار.. سوابقها كثيرة لا حصر لها. وسوف نرصد من المشاهد المصاحبة لهذه الجريمة مشهدين، الأول هو مشهد الإدارة العراقية، المكلفة بانجاز المهام التي تم من أجلها الغزو، بجانب أنها تخضع لاعتبارات الوضع الأمريكي الداخلي المتأزم، والثاني مشهد الرئيس العراقي الراحل، وهو يواجه لحظة موت، ينهار فيها أكبر الجبابرة، وأشد الرجال بأسا، وأكثر البشر صلابة وقدرة علي التحمل.

في المشهد الأول نجد إدارة ضعيفة تائهة مفككة، أمام صرامة قرار أمريكي متعنت وغبي، بضرورة الاغتيال قبل نهاية العام المنصرم، وقبل أن تبدأ الأغلبية الديمقراطية في مجلسي النواب والشيوخ ممارسة صلاحياتها، وخوفا من تعطيل عملية الاغتيال، وحاجة بوش الصغير إلي الانتقام الشخصي، والثأر لمحاولة قتل والده بوش الكبير، وتعطشه إلي تحقيق نصر، ولو شكلي، يغطي فشله الذريع في العراق، يحفظ ماء وجهه في معركته الضارية، المتوقعة مع تزايد أعداد المطالبين بعودة قواته وخروجها من العراق.

تيه الإدارة العراقية ظهر في شكل توتر في علاقات سادة الحرب وقادة المليشيات الطائفية والعرقية، ذات التأثير والسيطرة علي جنوب العراق، والتي تحكم شماله. فغياب جلال الطالباني، الرئيس الشكلي أو الاسمي، ونائبيه، اضطر نوري المالكي إلي التصديق علي الحكم. مع أن هذه الأحكام تحتاج توقيع الرئيس، حتي لو كان منصبه شكليا واسميا، وفي حالة غياب الرئيس يمثله واحد من نوابه، وهذا لم يحدث، والذي جري هو أن نوري المالكي، وهو يمثل، شكليا ونظريا، السلطة التنفيذية، هو الذي وقع علي القرار، وصدق علي الحكم، في استعجال ملفت للنظر ومريب.. وهو حكم أصدرته محكمة، رغم كل التحفظات حول قانونيتها وشرعيتها، لم تستكمل مهمتها. والأحكام، عادة، تصدر وتنفذ بعد إتمامها بالكامل، والبت في كل الاتهامات الموجهة إلي المتهم. وهذا التيه جاء انعكاسا لاضطراب الإدارة الأمريكية وحيرتها، بين احتواء أتباع هذا المذهب أو ذاك، أو إبادة أبناء هذه الطائفة وتلك.

كل هذا الاضطراب كان استجابة لرؤي وحسابات قاصرة، معتادة، من الإدارة الأمريكية، في تصورها، بأن موت صدام واختفاءه يضعف المقاومة ويقضي عليها، ويفتح أمام البعثيين باب المشاركة في عملية سياسية مزعومة. وكل المؤشرات تقول بعدم صحة هذا. فمقاومة بالمستوي الذي وصلت إليه في العراق، لا يمكن إلا أن تكون محتضنة من الشعب بأسره، وهو ما يؤهلها من بلوغ النصر، ويمكنها من إدامة حصارها للعاملين في بلاط الاحتلال، في نطاق المنطقة الخضراء، وهم الذين يدعون بأنهم يحكمون العراق بأكمله، بتفويض من الشعب، اعتمادا علي نتائج انتخابات، جرت في بلد محتل، غير آمن، وبإرادة غزاة، تفوح من تصرفاتهم رائحة العنصرية والتوحش. ولو لم يحتضن الشعب المقاومة لكانت انتهت، أو ما كانت لتبدأ من الأصل، وكانت، كما هو معلوم، المقاومة الأسرع ضد الاحتلال، في التاريخ. علي الرغم من أن الشعوب تحتاج، بعد الهزائم والمعارك الكبري، إلي فترة ترتب فيها أوضاعها وتلملم شتيتها، قبل أن تبدأ مقاومتها ضد الغازي والمحتل، وعلي العكس انطلقت المقاومة العراقية فور تسليم بغداد، وهو ما لم يكن في حسبان التحالف الصهيو غربي، وأتباعه من حكام العرب والمسلمين.

وأصبحت المقاومة في تصاعدها حائط صد وسد ممانعة، حال دون تمدد الغزو إلي الحدود المخطط لها، واضطر وكلاؤه إلي التظاهر بطلب المصالحة، وهو شيء يتناقض تماما مع ما جري، فبجانب عدم منطقيتها في ظل الاحتلال، فإنها تفرض تنازلات، علي من يطلب المصالحة، يزيل بها أسباب الصراع والشقاق، وكلها تتعلق بوجود قوات الاحتلال، ومحاسبة من دعوا إليه وحرضوا عليه، ممن عادوا علي ظهور الدبابات الأنكلو أمريكية، بالإضافة أن أساس المصالحة هو العفو العام، والاعتراف بالمقاومة، وهو ما لم يحدث، وهذا يعني أن الدعوة مظهرية وغير صادقة، وكشف اغتيال صدام هذا، خاصة أن تبرير الاغتيال اعتمد علي أنه تم من أجل القضاء علي المقاومة، بدلا من الاعتراف بها. وهذا أوقع وكلاء الاحتلال وممثليه بين شقي رحي تصفية البعثيين وقوي المقاومة، والعمل علي شدهم إلي حظيرة الاحتلال، المعروفة باسم العملية السياسية ، واحتواء الجماعات الطائفية المتعاونة، وكبح جماح المتمرد منها.

وتحمل فلسفة التوقيت واختياره معني التمادي في إهانة العرب والمسلمين، وتصعيد الحرب النفسية ضدهم، ومعاملة الرئيس العراقي الراحل بهذه الطريقة خدم هدف عملية الإذلال والإهانة، التي وصلت ذروتها علي يد الإدارة الأمريكية الحالية، من يربط المشاهد ببعضها يتأكد بأن هدف إذلال الأمة وإهانتها كان وراء القتل بهذه الطريقة، ولأن الغزاة لم يتوقعوا، كعادتهم، رد الفعل الشعبي، العراقي والعربي والإسلامي.. فوجئوا بأمة ترفض الإهانة، وبمستوي من الحزن البالغ يخيم علي الجموع، خاصة من جانب هؤلاء الذين خالفوه الرأي والموقف والسلوك، وها أنذا أكتب من قاهرة المعز، التي خيم الحزن عليها، وتراجع فيها كل مظهر للفرح بالعيد. تبادل أهلها التعازي، في ظل حالة استنكار واسعة، لطريقة التنفيذ وتوقيته، والمصريون، في العادة، يواجهون الآلام والكروب بفيض من التسامح والعفو.. وتناقلت رسائل الهواتف المحمولة رسائل التنديد بالاغتيال، والدعاء للراحل بالرحمة والمغفرة، واعتبرته أخري شهيد الغدر والنذالة الأمريكية، ومنها من وصف العيد بقوله: أي عيد هذا.. كانت أضحيته كرامة.. وفرحته إعدام.. ورأس عامِه رأس صدام.. كل عام وذلنا في ازدياد، وفتات كرامتنا تقتات عليه صقور بوش. وطرحت بعض الرسائل أسئلة حول الزعماء العرب، قائلة: من منهم سيقف وقفته عندما تحين لحظته؟

لم تحل العطلات ولا الأعياد الإسلامية أو المسيحية من خروج الناس، في طنطا، ومدن الرحاب والتجمع الخامس، والسادس من اكتوبر، وباقي المدن والضواحي والقري، ارتفعت الأعلام السوداء، إلي جانب العلم العراقي وصور صدام، ومساء الأربعاء الماضي أقامت نقابة المحامين حفل تأبين، بدأ بتلاوة القرآن الكريم، والوقوف دقيقة حدادا عليه، واستقبلت النقابة حشودا من المثقفين والمواطنين، من كافة الفئات والشرائح، قدموا واجب العزاء، وانتهي التأبين بإقامة صلاة الغائب علي روح الرئيس العراقي الراحل. وتكررت صورة ما حدث في مصر في أغلب البلدان العربية، وهو ما أدي بالإدارة الأمريكية إلي تكرار نفاقها وكذبها، المعتاد نافية علاقتها بالتعجيل بالتنفيذ، وكأنها لم تقم بتسليمه للمقصلة، ولم تكن وراء الإخراج الثأري الانتقامي الطائفي غير الأخلاقي لعملية التنفيذ، وبدأت ملامح المقدمات تشير إلي أن نوري المالكي سيدفع ثمن الحماقة الأمريكية المتكررة، بعد أن تملصت إدارة بوش من المسؤولية، ومن الصعب النظر إلي تصريحه بنيته ترك رئاسة الوزارة بمعزل عن هذا الأمر. وكانت العملية، منذ البداية، نوعا من التنكيل النفسي سواء في صورة الاغتيال بالشنق، وليس رميا بالرصاص، ومعاملته معاملة المجرمين، إلا أن وقفته أذهلت كل من تابعها رغم قسوتها، وكانت سببا في تعاطف أعرض قطاعات الأمة، بكل تياراتها، معه، بكل تياراتها..

وهذا ينقلنا إلي المشهد الثاني.. مشهد الرئيس الراحل لحظة التنفيذ، فقد لفت أنظار العالم، وليس العراقيين أو العرب وحدهم، بثباته وصلابته ورباطة جأشه، وسارعت صحيفة المصري اليوم تستطلع رأي الخبير النفسي أحمد عكاشة، ونشرته في عدد الثلاثاء الماضي. وصف موقفه بـ التجاوز المتسامي ، وهي حالة يصفها بأنها تحدث للأفراد، أثناء المحن والكروب والاعتقال، والالتحام في الحروب، والانتحار والتعذيب والإعدام، والتجاوز المتسامي، علي حد وصفه، يجعل الفرد يتجاوز جسده، وينظر إلي ذاته وكأنه خارج الجسد، فلا يشعر بالألم، ولكنه يتوحد مع إيمانه واعتقاده الخاص، بأنه مع الشهداء، وضرب مثلا بمن يقومون بتفجير أنفسهم لأسباب عقائدية، حيث يكون إحساسهم بالبطولة والتضحية وقبول العالم الآخر ملاذا، وأحيانا ما يعطيهم ذلك شجاعة وإقداما وثباتا ورباطة جأش، وأضاف أن صدام حسين استطاع أثناء اعتقاله أن يتجه إلي هذا التجاوز المتسامي، وأصبح ملتصقا بالدين والقرآن، واتضح ذلك جليا في كل محاكماته، والتي ظهر فيها المصحف بين يديه وأثناء إعدامه أيضا، مما جعله ينسي أنه يواجه هذا المصير، واستطاع أن يجد مصداقية مع ذاته بأنه سيقابل الله سبحانه وتعالي كشهيد. وهذا التحليل النفسي دقيق إلي حد كبير، خاصة إذا ما اطلعنا علي تصرفاته التي سبقت التنفيذ، بما فيها وعيه بأهمية ذهابه إلي دورة المياه، لإفراغ ما في جوفه، كي لا يلوث أو يبلل نفسه من أثر الشنق. واغتيال صدام حسين أتي بنتيجة عكسية تماما.. لم يحقق الاغتيال الهدف منه، وإلا ما تراجع بوش ووجه لومه للحكومة العراقية، بأنها هي التي عجلت بالاغتيال. وبدلا من أن يكون موته إجهاضا للمقاومة فنحن علي يقين بأنه سيزيدها قوة وتأثيرا.

وفي هذا المقام أوجه كلمة إلي أخوة أعزاء، عتبوا عندما علقت علي صدور حكم الإعدام في حق الرئيس الراحل، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وأقول: إن الموقف من صدام حسين، في مثل هذه الظروف، ليس موقف إدانة لتاريخه أو شجب لتصرفاته أو العكس. وأعتقد أن هناك من بين الأخوة من يغلب الالتزام الأيديولوجي علي الموقف الموضوعي، فلا يدقق في الأبعاد الإنسانية، المحيطة بعملية الاغتيال، والمعالجة الموضوعية يسعي إليها ويجتهد فيها أي كاتب، يحترم نفسه ويحترم قراءه، مع علمنا بعدم وجود كاتب أو باحث أو صاحب رأي محايد، فأي من هؤلاء يعتقد في سلامة فكرة، أو سمو مبدأ، أو عدالة قضية، ودون ذلك يتحول إلي أحد كتبة التقارير، وهذا هو الفرق بين الكتاب والكتبة. والفيصل بين كاتب وآخر هو درجة الموضوعية ومستوي التجرد.