قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


غسان تويني

في الأسبوع الأول من سنة جديدة، يجدر بنا أولاً وبادئ ذي بدء أن نسجل للنظام اللبناني صموده في وجه ما ترددنا الى حين في اعتباره quot;محاولة انقلابيةquot; بدل أن نصدّق انه مجرّد معارضة... وكان يمكن ان نستمر نصدّق أن في الأمر مجرّد معارضة ديمقراطية طبيعية لولا الاستمرار في الإلحاح على تجذير الحركة في الشارع ورفض نقلها الى الحيّز الديمقراطي الشرعي: مجلس السلطة الاشتراعية الذي يفترض الدستور ان يكون هو موئل التعبير عن المعارضة وحسم أي صراع او مجرّد خلاف بينها وبين الحكومة.
أما منازلة الحكومة في الشارع، ولو بوسائل سلمية، ففيها مرحلة أولية من الخروج على الدستور وخصوصاً متى رافقتها مظاهر quot;عنفيةquot; الطبيعة ولو لم تصل الى حد الانفجار او التفجير او quot;العصيانquot;، الذي يلحّ أضعف المعارضين شعبيةً على الاستمرار في التلويح به، وهم عن استخدامه أعجز.

bull; bull; bull;

وبعد، انتصرت الحكومة حتى على انضمام رئيس الجمهورية الى الحافلة الانقلابية بما يتجاوز quot;التعجيز الدستوريquot; الذي يستمر يمارسه بمزيج من الوقاحة والخفة الصبيانية!... يتجاوز ذلك الى تصنيف نفسه ndash; أي الرئاسة ndash; في موقع حزبيةٍ تتجاوز الأصول الدستورية، بل الحدود الوطنية حين يقول إن لبنان منقسم حزبيّتين، واحدة تنتسب الى محور اميركا ndash; فرنسا، والثانية الى محور سوريا ndash; ايران... وهو معها... quot;معهاquot; بدل أن يرتفع فوق الحزبيّتين ويرفض هذا الانقسام (على افتراض حصوله) ويدعو الى ويعمل في سبيل ردم أي هوة بين اللبنانيين وتوحيد صفوفهم في ظل الرئاسة التي يفترض فيها ان تكون لا رمز الوحدة فحسب، بل حارسها والعامل الفعّال في تدعيمها في اطار الميثاق الوطني... أو...
... أو يكون الرئيس مستقيلاً من مسؤوليته، مدمّراً للمركز الذي quot;يحتلquot; (نعم احتلالاً، وغير شرعيٍ لأنه مفروض على اللبنانيين فرضاً من الجهة التي يقدّم الرئيس ولاءه لها، وعلناً، على ولائه للوحدة اللبنانية).

bull; bull; bull;

الى أين من هنا ؟
عملياً، بل عملانياً، الى أمرين متلاحقين:
أولاً: محاسبة الرئيس أمام المجلس على الفوضى الدستورية التي يفتعلها ومأزق الحكم الذي يزج فيه كل السلطات، بما فيها تلك المكلفة الحفاظ على الأمن وسلامة المواطنين، فلا يوقع مراسيمها... كأنما هو الوحيد الذي دخل حال quot;عصيانquot; لا مدني كما يطالب بذلك بعض quot;المعارضينquot;، بل quot;عصيان دستوريquot; يفقده لا أهلية ممارسة السلطة ndash; فكيف وهو يرفض ممارستها عاصياً؟- فحسب، بل حق ادعائها بأي شكل من الأشكال، بما في ذلك الشكل quot;الطائفيquot; الذي بكرامته يحاول التجلبب !!!
هذا أولاً.
وثانياً: ضرورة انقاذ ما يمكن انقاذه من برنامج الحكم الذي كان قد التزمه رئيس الجمهورية على رغم الشكوك في شرعيته (التي أهدرها كلياً الآن)، عنينا بنوعٍ أخصّ المحكمة ذات الطابع الدولي وبدرجة أولى مؤتمر quot;باريس 3quot;، وهما أمران وردا في البيان الوزاري الذي أقرّه مجلس وزراء انعقد برئاسة quot;فخامتهquot; (من غير شر!!!) وبمشاركة وزراء المعارضة المستقيلين الى الشارع، ثم بموافقة مجلس النواب قبل اتخاذ القرار (السوري ndash; الايراني ndash; اللحودي؟) بتعطيله عن العمل.

bull; bull; bull;

وختاماً، لا بد من التنبّه الى أن مؤتمر quot;باريس 3quot; ليس مسألة ينقسم الشرق العربي حولها أو هي موضع نزاعٍ اقليمي أو دولي حتى تبادر quot;المعارضة الانقلابيةquot; الى تقسيم الشعب حولها لا سياسياً فقط، بل اجتماعياً ndash; اقتصادياً.
انه رمز اجماعٍ دولي نادر، وملتقى توافق عربي لعله آخر ما يجعل العرب يتصرّفون بغير الوقوع فريسة صراع يحوّل صدام حسين من طاغية مستبد الى شهيدٍ!... ولن نناقش الأمر هنا، فليس هذا مكان هذا النقاش وقد قيل فيه (في quot;النهارquot; بالذات) ما فيه الكفاية !
همّنا ان ننبّه quot;المعارضةquot; الى انها، ساعة كان يُنتظر من زعامتها quot;المقاوِمةquot; ان توظّف انتصارها على اسرائيل في صميم quot;الميثاق الوطنيquot;، ها هي تنساق، طلباً لنجاح صار في حكم المستحيل، الى دعوة لتفجير الوحدة اللبنانية لاطائفياً ndash; ويكفي! ndash; بل طبقياً واقتصادياً واجتماعياً بافتعال quot;ثورة اقتصاديةquot; (تقول: مطلبية) بينما الموضوع هو تلبية المطلب الأعظم: توفير النهوض من الكبوة المالية ndash; الاقتصادية، أياً كانت اسبابها وأياً يكن المتسببون.
هذا النهوض لا تقدر أمم الأرض مجتمعة غداً في quot;باريس 3quot; ان توفّره لنا وحدها ان لم نتجاوب مع المال الذي لا تمنحنا اياه هبة بل هي quot;توظّفهquot; في كيان سياسي مستقل، تريده ديمقراطياً خلاّقاً، قابلاً للحياة والنمو، وللمشاركة في تنمية محيطه والتحوّل، في حياة هذا المحيط، نموذجاً يحتذى، وعنصر استقرار فعّال. فأي تسمية يمكن ان تطلق على محاولة احباط هذا الطموح غير الانتحار؟ انتحار quot;يزيّنهquot; العقوق... ومن أجل ماذا غير محاولة اسقاط حكومة او منعها من quot;الاستئثارquot; في مشروعها الوحيد المضمون النجاح؟
ومع ذلك سينجح المؤتمر، وبه ومعه لبنان، كل لبنان... لأن الزخم الدولي صار هو الأقوى، بعدما اطمأن الى حسن تجاوب السلطة الشرعية الوحيدة الباقية... فليسترح المعارضون !
وكفى المؤمنين شر القتال...
لأن الشعب اللبناني الكادح أذكى من أن يظن أن المعارضة التي عطلت دورة حياته الاقتصادية وتسببت بما تتسبب به من خسائر ستطعمه غداً خبزاً حلالاً من خطبها واعتصامها والصواريخ والقنابل !