الأربعاء 10 يناير 2007

فريد ويرـ كريستيان ساينس مونيتور


للمرة الثانية خلال ما يزيد على عام بقليل، تسبب خصام سياسي بين روسيا وأحد جيرانها السوفييتيين السابقين في قطع إمدادات الطاقة عن أوروبا، وهو ما أثار قلقاً أوروبياً إزاء مدى إمكانية الاعتماد على موسكو كشريك اقتصادي. فيوم الاثنين، اتهمت روسيا جارتها بيلاروسيا بإغلاق القسم الشمالي من أنبوب quot;دروزباquot; الذي يبلغ طوله 2500 ميل، وينقل نحو مليوني برميل من الخام السيبيري يومياً إلى الزبائن الأوروبيين، ما تسبب في نقص إمدادات النفط في كل من بولندا وألمانيا وليتوانيا.
ويُذكّر هذا الاضطراب في الإمدادات بإغلاق إمدادات الغاز الروسي العام الماضي عن أوكرانيا، والذي تسبب في اضطراب مماثل في أوروبا. وإذا كانت بولندا وألمانيا تتوفران على احتياطات كبيرة تمكنهما من الصمود في وجه أي ضغوط مؤقتة، فإن التوتر يبرز القلق المتزايد إزاء اعتماد أوروبا على مصادر الطاقة الروسية.
المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي تولت بلادها الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي ومجموعة الثماني الكبار في الأول من يناير الجاري، أعربت في حوار صحفي نهاية الأسبوع الماضي عن قلقها إزاء ميول موسكو إلى تغيير الأسعار -والقواعد- بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي التي تعتمد على روسيا في توفير ثلث إمداداتها من الطاقة. وقالت
quot;ميركلquot;، التي جعلت من أمن الطاقة على رأس أولويات رئاسة ألمانيا لمجموعة الثماني الكبار: quot;لقد كانت روسيا شريكاً يمكن الاعتماد عليه في الماضي. ولكننا نتصارع معها اليوم من أجل الوفاء بالتزاماتها في مجال الطاقةquot; مضيفة quot;يتعين علينا أن نعرف أن لدينا أسعاراً وتعاوناً مع روسيا يمكن التعويل عليهماquot;.
حالة quot;الفزعquot; في مجال الطاقة هذه، التي أتت وسط تصدع قوي في العلاقات بين الكريملن والزعيم البيلاروسي quot;ألكسندر لوكاشينكوquot; على خلفية مخططات قديمة معلقة كانت ترمي إلى إعادة توحيد البلدين السوفييتيين السابقين، تُعد الأحدث في سلسلة من الإجراءات الانتقامية؛ حيث قبلت بيلاروسيا في الحادي والثلاثين من ديسمبر على مضض بمضاعفة سعر الغاز الروسي إلى 100 دولار لكل ألف متر مكعبndash; وهو ما يعد مع ذلك دون أسعار السوق العالمية التي تعادل نحو 250 دولارا. كما وافقت بيلاروسيا على بيع 50 في المئة من شبكة الأنابيب، quot;بيلترانزغازquot;، لشركة quot;غازبرومquot; الروسية.
غير أن بيلاروسيا ردت الأسبوع الماضي بفرض 45 دولارا كرسوم خاصة للعبور لكل طن متري من الخام الروسي الذي يُضخ عبر أنبوب quot;دروزباquot;، وهي خطوة وصفتها روسيا بـquot;غير القانونيةquot;. ويوم الاثنين، أعلن مسؤولون بولنديون أنه لا يوجد نفط في الأنبوب الذي ينقل نحو خُمس صادرات روسيا من الخام إلى أوروبا؛ فاتهمت روسيا بيلاروسيا بـquot;نهب النفطquot; لسد حاجياتها الذاتية من الطاقة. وضمن تداعيات الحادث، أرغمت ألمانيا يوم الاثنين على إغلاق مصفاتين في quot;لويناquot; وquot;شويدتquot; بالرغم من أنها تتوفر هي وبولندا على ما يكفي من الاحتياطيات لشهرين على الأقل.
وكانت بيلاروسيا، هذا البلد السلافي الصناعي ذو العشرة ملايين نسمة، من أقرب حلفاء روسيا في المنطقة بعد فترة ما بعد الاتحاد السوفييتي ومنذ قدوم quot;لوكاشينكوquot; إلى السلطة قبل نحو 12 عاما. وكان لوكاشينكو والرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن قد رسما معا مخططاً طموحاً يقضي بدمج بلديهما في إطار quot;اتحاد سوفييتي جديدquot;، غير أن فلاديمير بوتين كان أقل تحمساً للفكرة. ومع ذلك، فقد كافأت موسكو ولاء لوكاشينكو الجيوسياسي بمعونات تقدر بما لا يقل عن 8 مليارات دولار سنوياً، وذلك على شكل غاز بأسعار مخفضة، ونفط معفى من الرسوم، وفتح الأسواق الروسية أمام البضائع البيلاروسية.
غير أن quot;لوكاشينكوquot; شكّل مصدر حرج متزايد بالنسبة لموسكو؛ حيث تتهمه منظمات حقوق الإنسان بتزوير الانتخابات، وإغلاق وسائل الإعلام المستقلة، واعتقال المعارضين. كما يقول الخبراء إن quot;لوكاشينكوquot; وظف المعونات الروسية لخلق دولة رفاه شيوعية جديدة قصد امتصاص الاستياء الشعبي المتزايد، وهو ما شكل عائقاً أمام التوسع الاقتصادي للشركات الروسية الصناعية.
بعض الخبراء الروس يشيرون إلى أن بوتين ربما يسعى إلى إحداث تغيير في النظام السياسي في بيلاروسيا، أو على الأقل إجراء مراجعة شاملة للعلاقات بين البلدين. وفي هذا السياق، يقول quot;جينادي تشوفرينquot;، نائب مدير quot;معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدوليةquot;، quot;إن روسيا لا ترى أي عائد على استثماراتها في بيلاروسيا؛ ويعتقد الكريملن أن لديه أوراقاً قوية يلعبها، وأن quot;لوكاشينكوquot;، لا يتوفر على فرص كثيرة للصمود طويلاً تحت الضغوط الروسيةquot;.
ومن جانبه، يرى quot;أرييل كوهينquot;، الخبير في شؤون المنطقة أن سلوك روسيا وبيلاروسيا quot;مثال بليغ على كيف أن ارتفاع أسعار النفط يشجع الناس على اتخاذ خطوات خطيرةquot;، ضارباً على ذلك أمثلة بإيران وفنزويلا، والحظر النفطي في منطقة الشرق الأوسط في سبعينيات القرن الماضي، إضافة إلى روسيا اليوم. إلا أن quot;رينار ليندنارquot;، الخبير الروسي في برلين، يرى أنه من الخطأ النظر إلى سياسة روسيا في مجال الطاقة على أنها من قبيل quot;السلوك الإمبرياليquot; إذ يقول quot;عندما قامت روسيا بإلغاء عقود الغاز والنفط التفضيلية مع جيرانها، فإن روسيا تكون بذلك قد احترمت مطالب quot;منظمة التجارة العالميةquot; التي لا تقبل الأسعار التفضيلية من النوع الذي كان موجوداً بين روسيا وجيرانها إلى اليومquot;.
كما يرى quot;ليندنارquot; أنه على الاتحاد الأوروبي أن يقوم بوساطة بين روسيا وجيرانها من أجل حماية أمنه في مجال الطاقة، علما بأن ألمانيا بصفة خاصة quot;تتمتع بعلاقات جيدة مع روسيا ويتعين عليها توظيفها لفائدة أمن الاتحاد الأوروبي في مجال الطاقةquot;. غير أنه توقع أن يطالب الاتحاد الأوروبي بيلاروسيا بتدشين إصلاحات قائلاً quot;إن الاتحاد الأوروبي لن يقبل نظاما مثل بيلاروسيا على طاولة المفاوضات من دون شروطquot;، مضيفاً quot;أما الرسالة، فبسيطة، ومؤداها أنه quot;إذا كنتم ترغبون في أن نتوسط، فعليكم استيفاء بعض المعايير السياسيةquot;، وهذا يمكن أن يُحدث في الواقع نوعاً من تغيير النظام هناكquot;.


مراسل quot;كريستيان ساينس مونيتورquot; في موسكو