الأربعاء 10 يناير 2007

عاطف الغمري

عندما زار ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي، عددا من قادة الدول العربية في الأشهر الأولى من تولي حكومة بوش السلطة عام ،2001 فقد جاء يوضح رفض وضع القضية الفلسطينية على قائمة أولويات السياسة الخارجية لحكومته، ومعلنا أن العراق له الأولوية قبل أي قضية عربية.

وحين بدأت أمريكا تهيئ الظروف لضرب العراق، وكانت ldquo;إسرائيلrdquo; قد صعدت ضرباتها العسكرية التدميرية للمجتمع الفلسطيني، فإن الإيضاحات كانت تصدر من واشنطن بأن الطريق إلى فلسطين يمر أولا ببغداد، بمعنى أن القضية الفلسطينية لن تجد لها حلا قبل أن تنفذ أمريكا خطتها بالحرب على العراق.

وحسب ما كان معلنا ومنشورا في أوراق وبرامج عمل جماعة المحافظين الجدد التي تولت إدارة السياسة الخارجية والعسكرية في حكومة بوش، فقد كان هدفهم المعلن والصريح، ليس تسوية متبادلة مع الفلسطينيين كشركاء، وإنما تصفية القضية الفلسطينية، بما يتفق مع المشروع الصهيوني الذي أعاد الليكود إحياءه، بعد أن كانت ldquo;إسرائيلrdquo; بقبولها مرجعيات مؤتمر مدريد للسلام عام ،1991 قد دخلت في علاقة تعاقدية مع الدول العربية، سماها المفكرون اليهود في الولايات المتحدة وأوروبا وrdquo;إسرائيلrdquo;، سياسة عصر ما بعد الصهيونية.

ولذلك جاءت كتابات وبرامج المحافظين الجدد الرافضة لمبدأ الأرض مقابل السلام، واتفاقات أوسلو، والشريك الفلسطيني، والدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة، متفقة تماما مع إحياء المشروع الصهيوني الذي يمثل انقلابا على عملية السلام ومرجعياتها المتعاقد عليها، وأولها مبدأ الأرض مقابل السلام، الذي كان قد رفضه المحافظون الجدد بالتنسيق مع الليكود، وطالبوا باستبداله بما سموه ldquo;السلام مقابل السلامrdquo;، وهو صياغة لا تعني سلاما عربيا ldquo;إسرائيلياًrdquo;، وإنما سلاماً ldquo;إسرائيلياًrdquo; ldquo;إسرائيلياًrdquo; يلغي كل ما سبقه من مرجعيات وتعاقدات تمت في مدريد وأوسلو، بحيث يتم فرض الصيغة التي ترتضيها ldquo;إسرائيلrdquo;، في ظل مفاهيم المشروع الصهيوني التوسعي من جانب واحد، بزعم عدم وجود شريك للتفاوض معه، أي تصفية نهائية للقضية الفلسطينية.

وكان التفكير الأمريكي متوافقا مع تفكير ldquo;إسرائيلrdquo;، وحسب المعنى الذي حدده تشيني منذ بداية حكم بوش أن العراق أولا وقبل فلسطين، فإن ذلك يقوم على اقتناع بأن الضربة العسكرية في العراق ستكون بمثابة هزة نفسية عاتية لدول المنطقة، تجعلها تصاب بالرعب من أن تلحقها ضربات مماثلة لضربة العراق، وهي التي سماها الأمريكيون ldquo;الصدمة والترويعrdquo; فتسلم بما تريده أمريكا بالنسبة للتغيير الداخلي الشامل، وهو ما فسره المفكرون والكتاب المتحدثون باسم جماعة المحافظين الجدد، بأن العراق ليس هو المطلوب لذاته، وإنما لكونه البوابة التي ينطلق منها أثر الضربة العسكرية لإحداث تغيير شامل سياسي واقتصادي وثقافي داخل الدول العربية والإسلامية، وكذلك تنفيذ الشق الثاني من هدف غزو العراق وهو التمكين لrdquo;إسرائيلrdquo; من المنطقة، طبقا لما وصفه عسكريون أمريكيون قبل أيام من غزو العراق، بإعادة رسم الخريطة الإقليمية لأوضاع المنطقة، وعلاقات دولها، بما يتيح لrdquo;إسرائيلrdquo; في هذه الخريطة وضعا مركزيا من كافة النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية.

لكن استكمال تنفيذ الخطة الذي كان متوقفا على النصر العسكري في العراق، قد تعثر على صخرتين صلبتين: الأولى النكسة التي تعرضت لها القوة العسكرية الأمريكية، والثانية فشل كافة الضربات التدميرية ldquo;الإسرائيليةrdquo; في كسر إرادة الشعب الفلسطيني، وإرغامه على القبول بخطة تصفية القضية الفلسطينية بشروط ldquo;إسرائيلrdquo;.

وهو ما أوصل التفكير الأمريكي إلى الاقتناع بأن القوة العسكرية لم تعد وحدها تكفي لحل النزاعات بمنطق الفرض بالقوة على الطرف الآخر، وأن هناك حدودا لما كان وزير الخارجية كولن باول قد وصفه بدور الديناميكية الاستراتيجية الناتجة عن الضربة العسكرية في العراق. وكان باول قد شرح تعريفه لهذه الديناميكية الاستراتيجية بأنها سوف تتكفل بتكملة أهداف خطة الحرب في العراق، وذلك في باقي دول المنطقة.

وربما تكون هناك شواهد على نجاح الأثر النفسي لهذه الديناميكية الاستراتيجية في بعض دول المنطقة، من تطويع للإرادة والسياسات، لكن هذا الآن يظل محدودا على أساس أن مركز إطلاق هذه الاستراتيجية، قد شهد انتكاسة للضربة العسكرية، وكانوا في واشنطن قد راهنوا على أن استكمال بقية أهداف ضرب العراق في العالم العربي يتوقف على النجاح عسكريا في العراق، وما يكمله من كسر إرادة الشعب الفلسطيني.

وحتى لا نكون مبالغين في التوقعات فإن تعثر المشروع الأمريكي عسكريا في العراق لا يعني نهاية الدور الأمريكي، فالولايات المتحدة كقوة عظمى لا تترك سياستها لخيار وحيد، فمؤسسات السياسة الخارجية تعمل ليل نهار في مناقشات حية متعددة الأطراف والاتجاهات، لصياغة الأفكار والبدائل التي توضع تحت نظر قيادة الدولة التي ترسم وتنفذ السياسة الخارجية، وحسب طريقة عمل النظام السياسي الأمريكي، فإنه حتى لو تغير الرئيس أو الحزب الذي يسكن من يمثله البيت الأبيض الذي يتمتع بالأغلبية في مجلسي الكونجرس، فإن ما تحقق من مكاسب على يد النظام والحزب الذي يرحل، يعد رصيدا من مكاسب لا يمكن التفريط فيها، فأمريكا أصبحت موجودة في العراق، ولها نفوذ عسكري وسياسي، وحتى لو سحبت قواتها من مواقع المواجهات مع المقاومة، فلديها خطط البقاء في خمس قواعد عسكرية كبرى، تكون مركز عمليات لسياساتها في المنطقة الأوسع جغرافيا من العراق، وهي على الأقل كسبت من ديناميكية الضربة العسكرية، التطويع النفسي لعدد من دول المنطقة، وهو مكسب سياسي مهم في حساباتها.

وإذا كانت أمريكا قد أعادت النظر في جدوى مطلب الإصلاح السياسي والديمقراطية، بعد تجربة فوز حماس في انتخابات حرة وديمقراطية، فإن ذلك لا يعني التخلي عن هدفها هذا، وإنما تعديلاً في أساليب العمل في اتجاهه، وبالطبع بما لا يجعل نتائجه تتعارض مع أهدافها في المنطقة.

ومن المعروف أن أمريكا أقامت لها قنوات اتصال وعمل في عدد كبير من دول المنطقة، ومتصلة بها ماليا وإعلاميا وسياسيا وتنظيميا، للتصرف ولو على المدى البطيء للضغط لإحداث التغييرات التي تراها متفقة مع مصالحها، حتى إن وظيفة الدبلوماسية الأمريكية قد أدخلت عليها منذ بداية عام 2006 تعديلات تتيح لهؤلاء الدبلوماسيين أن يكون لهم دور ونشاط في المجال الداخلي لدول المنطقة، بشكل لم يكن من طبيعة عمل الدبلوماسية من قبل.

يصل بنا ذلك كله إلى أن الداخل في العالم العربي سوف تتكثف فيه في المرحلة القادمة، المواجهة بين سياسات خارجية، تدار بطرق بعضها علني وبعضها مستتر، وبين شعوب يفترض أنها هي التي تقف على خط المواجهة الفعلي، وأنه إذا لم تكن هذه الشعوب ممتلكة أقصى قدراتها، مطلقة السراح حرية وديمقراطية، وشريكة فعلية في القرار، وتملك القدرة على إلزام الحكومات بالاستجابة لإرادتها في الشأن الداخلي أولا ثم الخارجي، فإن هذه الشعوب لن تتمكن في هذه الحالة من أن تكون حائط صد ورادعا قويا في مواجهة القوى الخارجية الزاحفة عليها بقوتها الناعمة، في هذه المواجهة.

إن قوة خط المواجهة في الداخل رهن شعور الشعب بالانتماء والاكتراث وحيوية التصرف، هذا في حالة ما إذا كان هذا الشعب مالكا إرادته، وشريكا مؤثرا في القرار، في ظروف ديمقراطية مكتملة الأركان، بالصورة والشروط المتعارف عليها للديمقراطية.