قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الخميس 11 يناير 2007


د. حسن مدن


لو أن باحثا عربيا درس أمر الثورات العربية المغدورة لحيره أكثر من أي شيء آخر أن الغدر بهذه الثورات إنما أتى من داخلها، والتاريخ العربي الحديث والمعاصر زاخر بالثورات والانقلابات والتمردات التي طبعت مرحلة بكاملها منذ نحو أكثر من نصف قرن، ولو أن المرء جال بنظره في مصير هذه الثورات لأيقن أنها في الغالب الأعم انتهت إلى نقيضها أو إلى ما يشبهه، وأن شيئاً من الشعارات الكبرى التي وعدتنا بها هذه الثورات لم يتحقق، فما وعد به أصحاب هذه الثورات شعوبهم وجمهورهم ظل في حدود الشعار، لا في حدود الانجاز، ولسنا هنا بصدد إلغاء تلك الصفحات المضيئة من تاريخنا القريب، التي شعر فيها العرب ببعض العزة والكرامة، لكن العبرة في النهايات، في ما آلت إليه الأمور أخيرا، لا في ما كان يوما ما أو زمنا ما، بل إن مظاهر القمع والاستبداد التي جاءت بها بعض الثورات والانقلابات بزت بكثير ما عرف من هذه المظاهر في عهود ملكية سابقة، كثيرا ما صارت الناس تترحم عليها وتشيد برأفتها لو قيس الأمر بما عرف بعد ذاك.

وهذا أمر يدعو إلى التفكر في ظاهرة الاستبداد في تاريخنا، وهي ظاهرة ضاغطة، مؤرقة، مقلقة ومقاربتها محفوفة بالمخاطر، ولكن من دون بحث هذه الظاهرة وتقلبها على أكثر من وجه، لن يكون بالوسع أن نشق الطريق نحو دمقرطة المجتمعات العربية، فمعرفة تلك الآليات التي تنتج هذه الظاهرة وتعيد إنتاجها على مدى زمني مستمر هي ما يمكن من إزالة هذه الآليات، أو على أقل تقدير الحد من فاعليتها.

والحديث هنا لا يدور عن تاريخنا القريب وحده فحسب، وإنما يشمل تاريخنا البعيد أيضا. ولو تأملنا، على سبيل المثال، في الطريقة التي تعاطى بها المعتزلة، تلك الفرقة الفكرية المهمة التي كانت من أوائل من اهتموا بالفلسفة اليونانية وترجمتها إلى اللغة العربية، خاصة بعد أن استتب لهم الأمر في عهد الخليفة العباسي المأمون. ومن أوائل من دعا إلى المعرفة العقلية في محاوراتهم للنصوص، للدرجة التي جعلت الإمام محمد عبده بعد ذلك بقرون يشيد بما ذهبوا إليه حول حرية الفرد واختياره، لكن رغم هذه المبادئ والمثل التي عرفوا بها، فإن المعتزلة عندما كانوا بمثابة الحزب الحاكم، بتعبيرات اليوم، في فترة من فترات الدولة العباسية (في عهود الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق)، فإنهم لم يترددوا أبداً في قمع خصومهم الفكريين، فأنزلوا بالفقهاء والمحدثين الاضطهاد والحبس وحملوهم على الأخذ بآرائهم وأقوالهم بالقوة، متجاوزين بذلك المبدأ الذي كانوا يدعون إليه حول حرية الفرد في اختيار أفعاله، وهو نهج هيأ لردة فعل عنيفة ضدهم، عندما أفل نجمهم، لأن معارضيهم أرادوا أن يثأروا لأنفسهم مما لحق بهم من قمع وتنكيل وضغط فترة الازدهار السياسي للمعتزلة.

إن كان من شأن هذا الأمر أن يشي بشيء فلن يكون سوى محنة الحرية، حيث المسافة الشاسعة بين الشعار والتطبيق، فما إن تستبب الأمور لحملة الشعارات الجميلة حتى يسارعوا إلى مصادرة الرأي الآخر وقمع أصحابه، في متوالية لا يبدو انه سائرة نحو النهاية، كما تدل كل التطورات من حولنا.