تقرير واشنطن


في تمام الساعة التاسعة من مساء يوم الأربعاء الماضي بتوقيت واشنطن التف الأمريكيون حول قنوات التلفزة الرئيسية التي بثت خطاب الرئيس بوش من مكتبة البيت الأبيض حول استراتيجيته الجديدة في العراق. والتي أطلق عليها من قبل اسم quot;Surge-الزيادة المفاجئةquot; في إشارة إلى زيادة عدد القوات الأمريكية العاملة في العراق، بوش الذي بدا واجما وجادا أثناء إلقاء خطابه اعترف بمسؤوليته عن أخطاء السياسة المتبعة في العراق، وشرح بوش في كلمته تفاصيل خطته الجديدة التي وصفها بأفضل خيار لتحقيق النجاح في العراق.

تقوم الإستراتيجية على زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق بإرسال ما يزيد على عشرين ألف جندي أميركي مكونة من ست كتائب، خمس منها سيتوجه إلى بغداد بهدف إشاعة الأمن والاستقرار في العاصمة العراقية، والتي تشهد احياؤها وضواحيها الغالبية العظمى من أعمال العنف الطائفي ، أما الكتيبة السادسة فسوف تتوجه إلى محافظة الأنبار. وعن الفرق بين الخطط الأمنية التي طبقت سابقا وخطته الجديدة، قال بوش الفرق هو أن عدد القوات لم يسمح من قبل بالبقاء في المناطق التي يتم تطهيرها من المسلحين ، وبالتالي وبمجرد خروج القوات من تلك المناطق يعود المسلحون مرة أخرى إليها ويواصلون عملياتهم. أما الخطة الجديدة فتحول دون عودة المسلحين مرة أخرى.

وألقى بوش باللوم على المتطرفين من المسلحين السنة باستفزاز المواطنين الشيعة بمهاجمتهم وتنفيذ عمليات إرهابية في أحيائهم، وكان من نتيجة ذلك أن ردت المليشيات التابعة لهم بعنف طائفي أيضا. الرئيس بوش وجه تحذيرا مباشرا إلى حكومة المالكي، وطالبها بتنفيذ الوعود التي قطعتها على نفسها. وبدا واضحا أن الرئيس بوش لم يكن يروج لخطته الجديدة فحسب، بل كان يخاطب قطاعا من الشعب الأمريكي من خلال مواصلة أسلوبه الخطابي والتذكير بأن الحرب في العراق جزء أساسي في الحرب على الإرهاب.

تغطية واسعة ومكثفة

بثت الشبكات الإخبارية الرئيسية في الولايات المتحدة مثل ABC ، وCNN،و CBS ، وFox News ، و C-Span ، MSNBC، وغيرها كذلك كان الحال على أثير الإذاعات الرئيسية . وقد استعدت هذه القنوات بتغطية مكثفة ومتواصلة قبل كلمة بوش وبعدها، حيث نقلت تعقيب السيناتور ديك دوربين Dick Durbin متحدثا باسم الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ على كلمة بوش، وهو تقليد أمريكي يتم عند إلقاء رئيس الدولة خطبة رئيسية مثل خطاب quot;حالة الاتحادquot; السنوي. ثم تشابهت تغطيات الشبكات المختلفة ، حيث عرضت جانبا من ردود فعل المشاهدين على خطة الرئيس واستطلاع أراء بعد رموز أعضاء الكونغرس من الحزبين وأراء المحللين والمعلقين السياسيين والخبراء العسكريين في إستراتيجية بوش الجديدة.

معارضة الخطة

أول رد فعل معارض لخطة بوش الجديدة نقلته معظم قنوات التلفزة ببث كلمة السيناتور الديموقراطي ديك دوربين الذي بدأ كلمته بالتأكيد على أن الرئيس بوش خدع الأمريكي في نهاية شهر أكتوبر الماضي عندما أعلن أن الولايات المتحدة تكسب الحرب في العراق، وأضاف دوربين أن الرئيس الليلة اعترف بما يدركه الشعب الأمريكي وهو أننا لا نكسب الحرب في العراق. وقال السيناتور الديمقراطي أن زيادة عدد القوات لم يكن مطلب الناخبين الأمريكيين الذي أعلنوه في نتائج انتخابات الكونغرس. الرئيس تجاهل نصائح كبار مستشاريه وقادته العسكريين ومنهم الجنرال جون أبي زيد الذي صرح بأن إرسال المزيد من القوات الأمريكية سيحول دون قيام العراقيين بواجباتهم ومسؤولياتهم تجاه مستقبل بلدهم. وأضاف دوربين منتقدا خطة بوش أن قائلا إن الواقع الذي لا يراه الرئيس هو أن أمريكا دفعت ثمنا باهظا من أرواح ودماء أبنائها ومن أموال دافعي الضرائب. ومنحنا العراقيين الكثير، فخلصناهم من حاكم طاغية، وساعدناهم على كتابة دستورهم، وإقامة انتخابات ديمقراطية، ودافعنا عن أمنهم. أما الآن وفي السنة الرابعة للحرب فقد حان وقت قيام العراقيين للقيام بمسؤولياتهم والدفاع عن بلدهم ومستقبله.

وفي سياق تغطية شبكة ABC، استضافت الشبكة الجنرال جاك كاين Jack Keane أحد الخبراء الذين استشارهم البيت الأبيض عند إعداد خطة بوش الجديدة. الذي قال إن ما طرحه بوش هو بمثابة تحول أساسي في الخطة الحرب في العراق، ففي الماضي نجحنا مرات عدة في طرد وتطهير بعض المناطق من المسلحين، ولكن بمجرد خروجنا من المناطق بسبب النقص في عدد القوات يعود المتمردون مرة أخرى لإرهاب المواطنين والمتعاونين منهم معنا . والمعضلة التي كانت تواجهنا في الماضي نظرا لنفس السبب هي عدم قدرتنا على توفير الأمن والخدمات الأساسية للمواطنين مما أفقدنا تعاطفهم وتجاوبهم معنا. ولم يستبعد الجنرال الأمريكي أن تستغرق خطة بوش الجديدة لتأمين العاصمة وقتا طويلا، حيث قال :عسكريا لا أجد أية حلول قصيرة ، لكن إذا نجحنا في تأمين المواطنين في بغداد ، فأننا سنتجه لفعل نفس الشيء في الأنبارquot;

كيف سيتم نشر القوات؟

وفي صباح اليوم التالي لخطة بوش ، قدم برنامج quot;صباح الخير يا أمريكاquot; تقرير عن الكيفية التي سيتم بها نشر القوات الأمريكية الجديدة إلى العراق، والتحديات التي يمكن أن تواجهها خاصة في بغداد، حيث نقل تيري مكارثي مراسل الشبكة في بغداد بالصوت والصورة الصعوبات التي تواجه القوات في أحياء وشارع بغداد نتيجة وصعوبة حركة السيارات المصفحة في الشوارع الضيقة، والمخاطر التي يحيق بالجنود أثناء تواجدهم في شوارع وأزقة المدينة نظرا لسهولة استهدافهم ، وذلك في سياق انتشار معظم القوات الجديدة في محيط العاصمة وضواحيها.

ثم انتقل البرنامج إلى العاصمة واشنطن لتناول رد فعل الساسة زيادة عدد القوات، حيث علق مدير مكتب الشبكة في واشنطن جورج ستيفنوبلوس على ازدياد عدد المعارضين لخطة بوش ليس من قبل الديمقراطيين، وإنما في أوساط الحزب الجمهوري ذاته، وصل عدد أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريين للخطة إلى ستة بعد ساعات من إلقاء بوش خطابه، وتوقع ستيفنوبلوس أن يتوقف حجم المعارضة على نوعية التقدم في العراق خلال الشهور القليلة القادمة. ولكن المعلق استبعد أن تؤدي هذه المعارضة إلى تأجيل أو إلغاء خطة بوش لإرسال 21ألف جندي، حيث إن معظمه أعضاء الكونغرس أن البدائل محدودة للغاية. وعن سبب وجوم الرئيس أثناء إلقائه للخطاب، قال ستيفنوبلوس، الذي اجتمع هو ومجموعة من الصحافيين مع الرئيس قبل الخطاب إن بوش تعرض لحالة إرهاق من كثرة الاجتماعات مع أعضاء الكونغرس للترويج للخطة ، كما أنه يعلم أنه وإن قبلت خطته بدون معارضة كبيرة ، فأن عام 2007 سيكون من أكثر الأعوام دموية في العراق.

ضرورة مشاركة القوات العراقية ومواجهة المهدي

وعلى شبكة CBS وفي برنامج إرلي شو Early Show استضاف مقدم البرنامج هاري سميث السفير الأمريكي والحاكم المؤقت السابق للعراق بول بريمر الذي رد على سؤال بجدوى إرسال المزيد من القوات إلى العراق وهل ستحقق اختلافا على أرض الواقع، قال بريمر quot; لا أعرف ولكن السؤال الأهم هو هل القوات العراقية أصبحت مستعدة وعلى كفاءة كما وعد المسؤولون العراقيون من قبل، وهل استطاعوا أن يزيلوا النزعة الطائفية لدى بعض القوات العراقية ويسيطروا على جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر؟ ففي رأيي الإجابة على هذه الأسئلة هي المحك الأساسي لحكومة المالكي quot; وأكد بريمر على أهمية تواجد القوات العراقية بفاعلية في العمليات والمهام المستقبلية للقوات الأمريكية طبقا لخطة بوش. وحول سؤال حول استيعاب أو التخلص من مقتدى الصدر ، وهل لدى نوري المالكي القدرة على القيام بهذه المهمة، قال بريمر إن المالكي قد كرر الأسبوع الماضي ما وعد به سابقا من أنه لن يكون هناك مدن لا تستطيع القوات الوصول أليها لأسباب طائفية. والسؤال الأساسي الموجه لرئيس الوزراء العراقي الآن حول قدرته على السيطرة على كافة المليشيات الشيعية وفي مقدمتها جيش المهدي.

العراق بعد عشر سنوات!


اهتمت الإذاعات ذات الاتجاهات المحافظة واليمينية بتغطية خطة بوش على نطاق واسع ، وأجروا العديد من البرامج الحوارية التي شارك فيه المستمعين بالاتصال هاتفيا . ومن ضمن هذه البرامج برنامج الإعلامي كريس كور Chris Core على أثير إذاعة 630 WMAL ، حيث بدأ البرنامج بعرض نتائج استطلاع للرأي خاص بالبرنامج عن إذا ما كانت الولايات المتحدة تحقق نصرا في العراق وفي الحرب على الإرهاب. فقد أظهرت نتائج الاستطلاع أن 59% من المستمعين يعتقدون أن الولايات المتحدة تكسب الحرب في العراق، كما أن 72% من المستمعين يعتقدون أن بلادهم تنتصر في حربها على الإرهاب. وقد طلب كور من مستمعيه في بعد ذلك أن يلوا بتصوراتهم عن الوضع وحالة العراق بعد عشر سنوات، والتي رآها مقدم البرنامج نفسه على أنها ستكون دولة مقسمة بين الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب والوسط، وأضاف كريس كور أن دولة كردستان في الشمال ستعزز من وضع الأكراد في جنوب تركيا مما يمكن أن ينذر بحرب بيت تركيا وكردستان. وقد عارض اتفق بعض المستمعين مع هذا السيناريو التخيلي وأضاف أحدهم بأن العرب السنة بعد عشر سنوات من الآن إما أن يرحلوا عن العراق ويفرون إلى بلاد الجوار السنية ، وإما أن يقبلوا سيطرة الشيعة ويعيشون مهمشين مثلهم مثل المسيحيين العراقيين طوال فترة حكم صدام. ولكن فريق أخر من المستمعين عارض كافة هذه التصورات وأعرب عن يقينه في تحول العراق إلى واحة ديمقراطية تنعم برفاهية من عائدات النفط، وأن تنتهي الاحتقانات الطائفية ولكن اشترط بعضهم بقاء القوات الأمريكية هناك لفترة طويلة.

خطة بوش بين الإنصاف والتحيز

في برنامج أوريلي فاكتور O'Reilly Factor على شبكة Fox News استعرض بل أوريلي موقف وسائل الإعلام الأمريكية من خطة بوش بين التحيز والإنصاف، وقال إن العاملين في أعداد البرنامج طوال اليوم معالجة الصحف الأمريكية لخطة بوش وزيادة عدد القوات ، وكانت النتيجة أن معظمها جاءت متحيزة وسلبية ، حيث بدأ بعرض افتتاحية نيويورك تايمز ليوم 11 يناير واقتطف منها جملة أنه ليس في الخطة أو الأفق أي شيء إلا المزيد من الكوارث الأعظم في العراق وعلق أوريلي على ذلك قائلا يبدو أن نيويورك تايمز لها مصالح في أن يتواصل الفشل في العراق.

وأضاف أن صحف تيار اليسار واصلت أيضا مواقفها المتحيزة ضد إدارة بوش وخطته الجديدة وفي مقدمتها بوسطن غلوب ، نيوزداي ، بالتيمور تايمز ، لوس أنجلوس تايمز. وفي المقابل وقفت صحف أخرى إلى جانب خطة الرئيس مثل أنديانا بولس ستار، شيكاغو تربيون، سن تايمز، وول ستريت جورنال. وفي تقييمه لبرامج وتغطية الإذاعات للخطة وخطاب بوش ، قال إن البث الإذاعي لشبكات CBS و ABC كان منصفا. أما عن برامج شبكات الأخبار التلفزيونية، فقد قال إن تغطية برنامج صباح الخير يا أمريكا على قناة ABC كان منصفا بينما تحيز ضد الخطة برنامج توداي على شبكة NBC ، أما برنامج إرلي شو على شبكة CBS فقد كان سلبيا طبقا لرؤية بل أوريلي. ووصف أوريلي تغطية CNN بالموضوعية بينما قال إن تغطية شبكةMSNBC كانت متحيزة بصورة مطلقة. وأنهى أوريلي استعراضه للصحف باقتطاف من صحيفة ذي دالاس مورنينغ نيوز في اليوم التالي لخطاب بوش يقول إنه لا يوجد أمريكي وطني مهما اختلفت مواقفه يتمنى الفشل لخطة الرئيس في العراق.