رضوان السيد
يريد الرئيس بوش من خلال خطته الجديدة/ القديمة أن يحاول الخروج من العراق قبل نهاية رئاسته بطريقةٍ مشَرِّفة. أقولُ هذا لأستبق الحديث عن تفاصيل الخطة كما بدت في كلمته ليلة الأربعاء الماضي. بل إنّ تلك التفاصيل غير مهمة في الحقيقة؛ إنما المهمُّ هو ما حدث قبل إعلان الخطة، وقبل تقرير لجنة quot;بيكر- هاملتونquot; أيضاً. أما الخطة نفسُها فلا شيء فيها بالفعل، إنما هي سياسةُ العصا والجزرة للداخل العراقي، والتهديد لإيران وسوريا. في الداخل يحدّد بوش العلّة في بغداد والأنبار. المشكلة في بغداد شيعية، والمشكلة في الأنبار سُنية. بالنسبة لبغداد يقول الأميركيون للشيعة إنهم لا يستطيعون الحصول وحدهم على كل شيء: السلطة والنفط والفيدرالية.. وبغداد أيضاً.
وبالنسبة للأنبار يقول بوش للسُّنة: أنا مستعدٌّ لتصحيح بعض ما ارتُكب بحقكم بتحسين مواقعكم في السلطة، ونصيبكم من الثروة النفطية؛ لكنْ عليكم أن تهدأوا لأنّ الهدوءَ في مصلحتكم إذ إنّ خروجنا الآن من العراق سيترككم تحت رحمة الشيعة المتنفذين والأكراد المتحالفين معهم، وإيران وسوريا أيضاً. وقد قلتُ إنّ هذه الخطة أو هذه السياسة التي يُرادُ تنفيذها بمليار دولار (تكلَّف الأميركيون حتى الآن أكثر من ثلاثمائة مليار دولار في العراق!) وبعشرين ألف جندي جديد إضافةً إلى الـ 132 ألفاً الموجودين، ليس فيها شيء ولا تُغري أحداً إذا أُخذت استناداً للبنود المعلنة الواردة فيها.
لا تُغري هذه الخطة الشيعة المتنفذين، لأنهم يسيطرون في الجنوب والوسط بالفعل، وما بقيت بالوسط إلاّ أحياء معدودة ببغداد. والهدفُ غير المعلَن التمكُّن من الاستيلاء على بغداد سكانياً، لتكون مناطقهم الفيدرالية متواصلة، ولا بأس بأن تبقى بغداد في المرحلة القريبة القادمة quot;العاصمة الفيدراليةquot; وإنما بكثرةٍ شعبيةٍ ساحقةٍ لصالحهم. والأميركيون quot;شكليونquot; لهذه الناحية. فهم يريدون أن تبقى بغداد، كما في الخطة الأصلية، متنوعة السكّان كما هو شأن كلّ العواصم الفيدرالية ومنها واشنطن. لكنهم يعلمون أنَّ السودَ كثرةٌ بواشنطن، وما حال ذلك دون بقائها عاصمةً فيدرالية. وقد ظلوا يعملون بوعي حتى ربيع عام 2006 للوصول إلى هذا الهدف الذي اتفقوا عليه مع حلفائهم من الشيعة والأكراد: هدف أن يَخْلُفَ الشيعةُ صدّام حسين (والسُّنة) في حكم العراق، وأن تكونَ هذه السيطرةُ مسوِّغاً مقنعاً لهم للإبقاء على الكيان القديم للعراق الجديد. إذ إنّ الفيدرالية التي أعلنوا عن تفضيلهم لها إنما كانت من أجل الأكراد، وكانوا يخشون ألا توافق الأكثرية الشيعية حتى على الفيدرالية. بيد أنّ ما تنبهوا إليه أواسط عام 2005 أنه لا الشيعة ولا الأكراد، يريدون عراقاً واحداً أو موحَّداً وقوياً ومتماسكاً.
بالنسبة للأكراد هذا أمرٌ مفهوم؛ أما بالنسبة للشيعة فقد استغربوا ذلك في البداية؛ ثم تنبهوا إلى أنّ هؤلاء المعارضين الذين دخلوا معهم إلى العراق، إنما جاءوا من إيران، وإيران لا تريد عراقاً موحَّداً حتى لو كان الحاكم شيعياً. لكنْ في حين ما اهتمَّ الحكيم quot;المجلس الأعلىquot; وquot;حزب الدعوةquot; لأمر بغداد، باعتبار أنّ البصرة هي عاصمةُ الكيان الجديد، عمل مقتدى الصدر للاستيلاء على بغداد في سياق تنافُسه مع آل الحكيم وquot;المجلس الأعلىquot;. فإذا كانت البصرة، وكانت المزارات المقدَّسة والناصرية ذات غلبةٍ لأحزاب منافسة؛ فإنّ بغداد يمكن أن تكون عاصمته هو أو مدينته هو يتخذها منطلقاً للزحف على المدن الشيعية الأُخرى التي سيطر عليها خصومُهُ في الشهور الأولى للغزو الأميركي، وقبل أن يستطيع هو تنظيم ميليشياته. ولأنه كان يقول يومَها (2003-2005) إنه يريد (مثل السُّنة) عراقاً موحَّداً وخالياً من الأميركيين والإيرانيين؛ فإنه لم يواجه صعوبةً في بسط سلطته في كل المدن والبلدات والنواحي المختلطة بين الشيعة والسُّنة. أمّا منذ أواسط عام 2006 فقد جمع ضدَّه السُّنة والأميركيين معاً: الأميركيون لأنه يعارض احتلالهم، والسُّنة لأنه يريد تهجيرهم بالقتل والقوة ومن بغداد بالذات. بيد أنّ مقتدى الصدر لا يواجه السُّنة والأميركيين فقط؛ بل يواجه quot;المجلس الأعلىquot; وآل الحكيم أيضاً وبالدرجة الأولى. quot;حزب الدعوةquot; ليس منافساً بل إنّ جمهوره هو جمهور مقتدى، ويمكن له أن يستوعبه في السنوات القليلة القادمة. وتحالُفُهُ الآن مع المالكي يُعطي قوةً للطرفين في وجه quot;المجلس الأعلىquot;، وفي وجه الأميركيين إذا لزم الأمر.
وإذا أمكن الاستيلاء على بغداد أو أكثرها، وخلال انسحاب الأميركيين، فيمكن لمقتدى (والدعوة) مصارعة quot;المجلس الأعلىquot; في المناطق الشيعية التي ستكون ضمن ذاك الجزء من الفيدرالية. وهكذا فإنّ خطة بوش لا تثير لدى الشيعة أية رغبة. فهي تطلب منهم تنازلات في النفط، وفي بغداد، وفي الحصة السلطوية، وفي نزع سلاح الميليشيات. لقد حصلوا على كل شيء، فلماذا يتنازلون الآن؟ ولأي هدف؟ الأميركيون يقولون إنهم ملتزمون من جانبهم بالخطة الأصلية والتي تتضمن السلطة للأكثرية الشيعية خارج المناطق الكردية، في الوقت الذي تبقى فيه بغداد عاصمةً للعراق الفيدرالي. وإثباتاً لوفائهم للخطة الأصلية حلّوا الجيش العراقي، والشرطة العراقية، وأجروا الانتخابات، ووضعوا الدستور، وأوصلوا صدّاماً إلى حبل المشنقة، وعلى الآخرين الآن أن يفوا بتعهداتهم!
بيد أنّ عرض الرئيس بوش ليس مغرياً للسُّنة أبداً أيضاً. فهم في نظر الاحتلال لا يشكلون أكثر من 15% من الشعب العراقي. ومهما زادت حصتهم، فلن تكون شيئاً أمام ما فقدوه بسقوط الدولة العراقية الغاربة. لكنْ ليس معنى ذلك أنّ عندهم تصوراً واضحاً لمشروعٍ آخر؛ إذ هم يعتبرون أنفسهم واقعين بين فكي الكماشة: إيران والولايات المتحدة. ولذلك انقسموا إلى ثلاثة أقسام رئيسية: قسم قانع بما يستطيع الحصول عليه؛ وهؤلاء موجودون بشكل رئيسي في المدن والبلدات الكبرى. وقسمٌ ما يزال يرجو اتفاقاً مع مقتدى الصدر. وقسمٌ متشدّدٌ لا يرى التفكير إلاّ بالقتال ضد الولايات المتحدة.. والآن ضد السيطرة الشيعية أيضاً.
وما دام الأمر كذلك لدى السُّنة والشيعة، فليست هناك حظوظٌ لنجاح خطة الرئيس بوش، ولو كان يريد تنفيذها فعلاً. لكنْ وكما سبق القول؛ لا ينبغي الاقتصار في تأمل المشهد على الداخل. بل هناك بالدرجة الأولى الولايات المتحدة وعساكرها داخل العراق وخارجه. وهناك العرب الذين أحسّوا بالخطر وبدأوا التحرك بعد سُباتٍ قسْري. وهناك إيران التي تصارع من أجل النفوذ في العراق بالذات. وهناك أخيراً تركيا التي أعجبها دورها باعتبارها وسيطاً بين أميركا وإيران، وبين أميركا وسوريا، وبين العرب وإيران. وقد نشب الصراعُ الآن بين الولايات المتحدة وإيران بشأن العراق، لكن أيضاً بشأن النفوذ بالمنطقة العربية والشرق أوسطية.
أولاً: لا تستطيع إيران المغامرة في الموضوع السُّني/ الشيعي؛ ولذلك فستحاول أن تتجنب المزيد من الضغط على الأطراف الأخرى في العراق ولبنان. وقد تكون صيغة quot;دول الجوار العراقيquot; هي المؤهَّلة الآن، وبموافقة الولايات المتحدة، للتداول في الوضع الإقليمي الخطِر.
ثانياً: لا يستطيع العربُ البقاءَ ساكتين عن المذابح بالعراق، ومن سائر الأطراف وبينهم سُنة متشددون. كما أنهم لا يقبلون أن تزولَ الدولةُ العراقية، لما يعنيه ذلك من تهديدٍ للأمة العربية، وخوفاً من الحرب الشيعية/ السُّنية.
ثالثاً: لا تستطيع تركيا أن تقف ساكنةً أمام تنامي الوجود الكردي واستقراره على حدودها في شبه دولةٍ مستقلة. ولديها مصالح مشتركة مع إيران في ذلك. بيد أنها الأكثر حرصاً على وحدة العراق، لتأثير تقسيمه وتقاسمه على وحدتها الوطنية.
رابعاً: ولهذا فإنّ تلك الكارثة التي ارتكبتها الولايات المتحدة بغزو العراق وتخريبه؛ لن تجد حلولاً مجديةً لا بالمليار دولار، ولا بزيادة عدد القوات الغازية. بل الأحرى أن يسود جوٌّ من التعاوُن من أجل الاستقرار. لابد أن يتعاون العرب والأكراد لأنّ في ذلك مصلحةً مشتركةً للطرفين في بقاء العراق ووحدته. ولابد من ناحيةٍ أخرى من حديثٍ صريحٍ بين العرب والإيرانيين حول العراق.
إنّ خطة بوش لا تثير حماس السُّنة، كما أنها تثير سخط الشيعة. بيد أنّ الأميركيين يريدون الخروج من العراق بأي ثمن. لا فائدة تُرجى من الهياج العربي على الذات والعالم. فلينتهِ ذلك، وهذه فرصةٌ أخيرةٌ للعرب والإيرانيين والأتراك أو يتضررون جميعاً.













التعليقات