قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ما الذي ينبغي للغرب تعلمه من وفاة صدام حسين؟


ماري ريدل - الاوبزرفر

اعتقد البعض بانهم شاهدوا الخوف في عينيه، لكن من الصعب التأكد من ذلك. فقد مضى صدام حسين الى المشنقة هادئاً. وعلى ضوء طبيعة الاعدام المخيفة، كان الحدث أشبه بانحدار مفاجئ إلى الحضيض. وإذا ما بدا الطاغية والقاتل الكبير منتهيا عند لحظة موته، فكذلك كان حال الذين هندسوا نهايته.

وهناك، خلف طيف اعماله الوحشية، تكمن النزعة الإيفنجيلكانية المعيبة للغزاة الذين سعوا إلى إسقاطه. وقد نجحوا، لكنهم اشتروا القليل من شواهد القبور بثمن غال، فقد قتل عدة آلاف من المدنيين العراقيين منذ بدأ الغزو، وسيفنى آخرون في الايام المقبلة. وفيما كان فجر دام جديد يبزغ على بغداد، كانت موسيقى صدام الجنائزية ورايته الأخيرة ترجعان صدى طلقات الرصاص ونحيب الثكالى.

وتذكر الكثير ممن كانوا رعاياه يوم اعدام آخر. عندها دفعت الروح الاحتفالية بقليل من المحتفلين الى وضع أنشوطة حول عنق تمثال صدام، بينما غطى احد جنود المارينز الاميركيين وجه التمثال المتداعي بالعلم الأميركي. كان ذلك في شهر نيسان - ابريل من عام 2003 حين اعتقد الكثيرون أن الحرب قد وضعت اوزارها. وبدلا من ذلك، أشر تهشم تمثال صدام على نهايات وبدايات أخرى.. وفاة الثقة بالنفس، ورؤية المحافظين الجدد للعالم، وولادة الانفلات القانوني والخطر غير المتوقع، والتآكل البطيء لمفاهيم العدالة الغالية.

وما كان ينبغي أن يعدم صدام، لأن انهاء حياته بعقوبة لاانسانية على النحو الذي مارسه بغير مبالاة ذات يوم، لم تكن سوى صفعة أخرى توجهت إلى حقوق الإنسان. لكن وفاته في النهاية بدت بلا معنى فوق كونها وحشية. وخلد الرئيس بوش الى النوم عند توقيع مذكرة اعدامه، ولم يصدر توني بلير اي تعليق فوري من منزله في ميامي حيث يقضي عطلاته، فماذا تبقى هناك لقوله؟ إذ لا تعدو وفاة صدام، إثر حكم مبرر اخلاقيا نتيجة تعطشه لسفك الدماء، أن تكون نقشاً على ضريح الحمق الغربي. وكانت الحقيقة النهائية المروعة هي انه علمنا اكثر بكثير مما علمناه.

لقد جعل صدام حسين خصومه ينسون حدود نفوذهم وسلطتهم. فقد محت الرغبة في تدميره حقيقة ان العراق لم يذعن للارادة البريطانية ابدا، وأن الاعداء لا يمكن قهرهم بسهولة عندما يكون التاريخ والمنطق الى جانبهم وفي صفهم. والآن، بات ظله الطويل يخيم على سنة جديدة مليئة بالأشياء الكثيرة الأخرى التي نسي الغرب أن يتذكرها.

ان عالم ما بعد صدام ينطوي على العديد من الخطوط المتكسرة التي تتصل كلها تقريبا بالحرب على الارهاب. فمناطق افريقيا تواجه حروبا رهيبة فيما يعود في جزء منه إلى أن الازمات القديمة قد انزلقت ببساطة من العقول الغربية. كما تم وضع أمر التطهير العرقي والتعذيب والجحيم في دارفور والصومال جانبا بفعل الكارثة في العراق، ناهيك عن الخطر الماثل في افغانستان والحرب في لبنان والازمة المتعمقة في فلسطين. ومن بين دول quot;محور الشرquot; باتت كوريا الشمالية تمتلك القنبلة النووية، بينما تلهث ايران سعيا وراء امتلاك الرادع النووي.

وإذن؛ كم سيبدو غريباً أن يتوقع المرء لسنة 2007 أن تمر بهدوء. وقد أصبحت العقيدة القائلة بأن التهديدات ينبغي أن تجتث لا أن تدار بحكم الميتة، لا اكثر ولا اقل، ولو أن المحافظين الجدد المسكونين بالحنين إلى الماضي، بل وحتى صقور الديمقراطيين، لا يستبعدون احتمال توجيه ضربة إلى ايران. لكن كلمة السر هي quot;الواقعيةquot;، مغشاة بمفهوم المصلحة الوطنية. وفي حالة اميركا، فإن ذلك يعني التعايش المشترك أكثر مما يعني شن الاعتداءات.. أبق رأسك منخفضا وابتعد عن الزناد. وامنح الأفضلية لمائدة المفاوضات على الطلقة والقنبلة والمشنقة.

عبر مفارقة مريرة، تطلب الأمر قصة صدام حتى يفهم الوطن ان الحوار والحل الوسط يظلان افضل بكثير من تبني الأخدوعة القائلة بان القوة العسكرية الغربية تستطيع ان تقهر الجميع. لكن مفارقة عام 2007 تكمن فيما يلي: ان الغرب يفكر في التحول الى دبلوماسية الكعك والشاي في نفس اللحظة التي تصرخ فيها أجزاء أخرى من العالم عبثا من اجل فرض الحلول بالعضلات.

خذ دارفور، حيث يتم التعامل مع مسائل الاغتصاب والذبح على أنها حوار اجتماعي، بينما قتل هناك نحو 300.000 شخص في بحر 3 سنوات فيما شرد نحو مليوني شخص. ثم انتشرت رقعة الصراع الى تشاد فيما يقف العالم عاجزا ومتفرجا على أمل ان يفرش الرئيس البشير بامتنان سجاد الترحيب لقوة حفظ السلام التي انتدبتها الامم المتحدة.

ثم، اليك الصومال، حيث ولت الجماعات الاسلامية التي طبقت نظاما وقانونا صارمين الادبار عند قدوم القوات الاثيوبية المدعومة ضمنيا من قبل الرئيس بوش. وقد بدأ امراء الحرب فعلاً بالتحرك لملء الفراغ في قلب واحدة من اكثر العواصم وحشية وفوضوية على وجه البسيطة. وتحتاج مقاديشو بإلحاح الى إجراء مباحثات بين الاطراف كافة، كما الى قوات حفظ سلام دولية.

يوم الثاني من كانون الاول - ديسمبر الماضي، تسلم الامين العام الجديد للامم المتحدة منصبه بعد اختياره إثر عملية جاءت جزافاً وكأنها صممت لانتخاب امين لخزانة مجلس قروي، ما افضى الى اختيار بان كي مون، الدبلوماسي الكوري الجنوبي المتسم بغموض لا يسبر غوره. ورغم انه يلقب بـ quot;ثعبان الماء الزلقquot; في وطنه بسبب تهذيبه الأفعواني لوسائل الإعلام، فان قليلا من الاجانب سمع به من قبل. ومن الممكن ان يكون السيد بان مثيرا للقلاقل. وهو يحتاج وآخرون لأن يكونوا كذلك.. اننا نحصل على الامم المتحدة التي نستحق. فعندما يتم تمرير القرارات بتردد، والتي نادراً ما تنفذ، فإن المعتدين يستمرون في القتل متمتعين بالحصانة. وفي الغضون، تظل القوى القديمة العظمى عاجزة وخائفة من صدام حسين . وعندما يتحدث الزعماء عن انتصار في العراق، فانهم إنما يقصدون القول: لن نعيد الكرة ثانية. وكذلك هو الحال بالنسبة للتدخل الانساني، حيث يصبح التحرك الضروري ضد التطهير العرقي غير قابل للتفكير فيه.

إن مثل هذا الجبن لن يكون كافياً في افريقيا عام 2007. حيث أفضى المدى الواسع لسفك الدماء إلى تسكين مشاعر الحزن واوقف انهمار الدموع فمن سيبكي من اجل الطفل الدارفوري الذي ذهبت والدته لجمع حطب الوقود ولم تعد أبداً؟ ليس الكثيرون بالطبع، عندما نرى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للامم المتحدة وهي تعمل على تخصيص ميزانية قليلة لا تتجاوز 550 مليون جنيه استرليني للعناية بواحد وعشرين مليون شخص.

وفي الاثناء، تحتاج مناطق الحرب إلى مزيد من الاموال وقوات حفظ السلام. وهي تحتاج إلى قوات عسكرية اقل، التي عادة إما أن تكون قليلة الفائدة أو غير صالحة للاستخدام. وذلك يعني خفض مخزون الاسلحة النووية الغربية واعادة صياغة معاهدة عدم الانتشار النووي. وتستطيع بريطانيا مقابل التأثير الذي بددته في العراق ان تساعد في تغيير موازين القوة في العام 2007، حيث يمكن لها ان تتآلف مع اوروبا وتطالب بعمل منسق بغية مساعدة دارفور والصومال. وتستطيع ان تقوم بجملة ضغوط من اجل توسيع مقاعد العضوية الدائمة لمجلس الامن الدولي.

هذه هي الدروس التي يجب تعلمها من حكاية صدام ومن حرب ما كان ينبغي لها ان تخاض ابدا. واذا ما استطاع الغرب ان يقرن نفسه بالانسانية وبالتاريخ، فإنه ربما سيمكن عندها دفن بعض المآزق التي شهدتها السنة الماضية في الثرى بمحاذاة الدكتاتور الميت. وفيما يذهب صدام الى مستقره الأخير، فقد حان الوقت لنتذكر من نساعد، ومتى نقاتل، وما الذي ينبغي أن نبكيه.